رفرفة الحجر حسن عبد الموجود ومهارة اللعب بالمتناقضات بقلم : فتحى عبد السميع     «السهو والخطأ» لحسن عبد الموجود، واحدة من المجموعات القصصية النادرة التى تخطفنا خطفا، لتلقى بنا

70-154438-_158303b266f014_700x400

رفرفة الحجر

حسن عبد الموجود ومهارة اللعب بالمتناقضات

بقلم :

فتحى عبد السميع

 

 

«السهو والخطأ» لحسن عبد الموجود، واحدة من المجموعات القصصية النادرة التى تخطفنا خطفا، لتلقى بنا فى عالم فنى مدهش وثري، هو بالتأكيد مختلف وغريب عن عالمنا المعتاد، لكن هويته الخيالية الجامحة لا تبعدنا عن الواقع، بل تطرحنا فى قلبه، لأنها تجسد بشكل فاتن تلك الحالات الغريبة والمراوغة التى تنتابنا، ونعجز غالبا عن القبض عليها وفحصها.

رغم القصص المتفرقة، إلا أننا نستطيع الإمساك بأكثر من خيط يوحد المجموعة، ويصهرها فى بوتقة واحدة، الأمر الذى يكشف عن جهد كبير يقف خلف تصميم وتكوين وبناء تلك القصص، وهو جهد لا نشعر به فى الغالب بسبب اللغة العالية، التى تنساب مثل الماء و توهمنا بسهولة الأمر، أو تدفق النصوص تدفقا عفويا.

20161102_103502_4333

أبرز تلك الخيوط، هو تلك المنطقة البينية التى يعسكر فيها الكاتب، حيث يتموقع غالبا فى الخط الفاصل بين الوجود والعدم، بين الحياة والموت، بين الواقع والخيال، أوالداخل والخارج، وهى منطقة ثرية ومثالية فنيا، تعبر عن نضج فى زاوية النظر، لأنها تضعنا فى عالم التناقضات المعقد، وتكشف عن الغريب وهو يلمع فى قلب المعتاد.

المنطقة الشبحية التى يتمركز فيها السارد، لا تقدم أشخاصا بقدر ما تقدم أشباحا، ينتمون إلى الواقع لكنهم ينفصلون عنه بشكل أو بآخر، ولا يظهر الشبح وفق الصورة المعتادة للشبح، بل يناقضها، فلا يظهر كائنا مخيفا، بل خائفا كما فى قصة (أربعة مقاعد لضيف وحيد). والشبح لا يظهر بهويته الشبحية، بل هو شخص عادى تماما، لكنه يستمد الهالة الشبحية من خلال أوضاع أو علاقات معينة، مثل علاقته بالمكان، فالغريب شبح وإن احتفظ بدمه ولحمه.

المكان الذى يكشف هوية الغرباء يبقى صغيرا أمام الذات البشرية التى تكشف عن غرباء يعيشون فى ذات واحدة، وهو ما نراه فى قصة كقصة ثمانية رءوس، حيث يكتشف البطل أنه يمتلئ بعدد من الشخصيات المختلفة، ويضع يديه على ثمانى شخصيات واضحة، تتبادل الأدوار على ساحة مسرحه الداخلي، وحضور تلك الشخصيات يحول الداخل إلى فوضى، ومن هنا يكتشف حاجته إلى ثمانية رءوس مختلفة، فيحتفظ فى بيته بثمانى جماجم، كل جمجمة تخص شخصية من الشخصيات التى تسكنه.

حسن عبد الموجود

حسن عبد الموجود

 

فى عمل خيالى يستوعب قيام البطل بتبديل رأسه، لا يلجأ الكاتب إلى ذلك، بل يسرد بواقعية وعقلانية شديدة، إنه يحتفظ بالجماجم لا ليرتديها فعلا، بل لتلعب دورا فى توضيح الفارق بين شخصياته المختلفة، وهكذا يفعل حسن عبد الموجود دائما، يأتى بالخيالى لا ليغرقنا فيه، بل ليراوغ الواقعي، ويطرح الجنونى الغريب فى إطار بالغ العقلانية، إنه يلعب بالمتناقضات، ولا تلعب به.

«السهو والخطأ» تطرح بمهارة شديدة، تلك التناقضات التى نحملها جميعا، لكننا لا نشعر بغرابتها أو شذوذنا، بسبب اعتيادنا عليها، وهنا تأتى أهمية الطرح الفنى الذى يجسد تلك التناقضات فى أشكال فنية حية تثيرنا وتثرينا.