أحمد الحضري.. وطنى شريف هجر السياسة فطاردته وعاقبته! بقلم: مجدى الطيب     يُدرك كل من شاءت له الأقدار التقرب من الباحث والمؤرخ السينمائى المرموق أحمد الحضرى «26 أكتوبر 1926

%d8%a3%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%b1%d9%8a

أحمد الحضري.. وطنى شريف هجر السياسة فطاردته وعاقبته!

sora-magdy-el-tayb-45

بقلم:

مجدى الطيب

 

 

يُدرك كل من شاءت له الأقدار التقرب من الباحث والمؤرخ السينمائى المرموق أحمد الحضرى «26 أكتوبر 1926 – 1 يناير 2017»، حجم الحرص البالغ من جانبه على عدم الخوض فى غمار السياسة، والابتعاد بكل ما يستطيع من جهد، عن الاقتراب من الحقول الملغومة المسماة «الأحزاب» و«بيانات الشجب والإدانة أو التأييد»!

لكن المتابع لمسيرة «الرجل»، كما رواها للباحث محمد عبد الفتاح فى كتابه «رائد الثقافة السينمائية»، الذى صدر ضمن مطبوعات المهرجان القومى السادس للسينما المصرية، يستطيع أن يضع يديه، بسهولة، على جذور الأزمة – إذا اعتبرناها كذلك – فوالده «زكى أفندى الحضري» غادر مصر، بتعليمات من أبيه «جد الحضري»، الذى خشى على ابنه من الاضطرابات السياسية، التى كان وقودها طلبة المعاهد العليا والمدارس، والصدام الدائم مع جنود الاحتلال، وأجبره على السفر إلى فرنسا لدراسة القانون، وعقب عودة والد أحمد الحضري، وعمله بالمحاماة، كان حريصا بدرجة كبيرة على توفير حياة هادئة ومستقرة للعائلة المكونة من خمسة ذكور وأنثى، راعى – بحكم تكوينه – أن يصبحوا على شاكلته، واجتهد ليعلمهم تعليما عاليا، وإلحاقهم بالنشاط الرياضي، والهوايات المدرسية، فيما كانت أم أحمد الحضرى سيدة محافظة، ليس لها دور كبير فى إدارة وتوجيه شئون الأسرة، وإنما تنحصر مهمتها فى تسيير أمور المأكل والمشرب، والخروج مع الأب والأولاد إلى السينما فى مرات نادرة!

هذه البيئة «المحافظة»، التى نشأ فيها أحمد الحضري، كان لا بد أن تنعكس على شخصيته، وكانت سببا فى تفوقه بالمرحلة الابتدائية، مثلما كان عشقه لمادة الرسم سببا فى دخوله المدرسة الثانوية بالمجان، والعامل الرئيسى فى اتجاه تفكيره إلى الالتحاق بقسم العمارة فى كلية الفنون الجميلة، وأغلب الظن أن الفضل يرجع للرسم أيضا فى حبه للقلم الرصاص، الذى لازمه طوال حياته!

كان حرص «الحضري» كبيرا، فى تلك الفترة، على أن يحقق ذاته عمليا، ولم تكن لديه ارتباطات عاطفية أو تفكير فى الزواج، ولم يتجه إلى التدخين، كغيره من شباب تلك المرحلة، لكنه اتخذ، فى مرحلة تالية، قرارا غير متوقع بترك عمله فى هندسة القصور الملكية التابعة لوزارة الأشغال، والتطوع فى كتائب الفدائيين، قبل أن تتوقف الحرب، وتُعلن الهدنة، وتؤجل خطوات الانضمام للفدائيين. بالطبع كان القرار بمثابة انقلاب على «تربيته المحافظة» لكنه لم يكن غريبا على حسه الوطني؛ إذ كانت تلك الفترة تموج باضطرابات عنيفة، وحرب فلسطين فى أوج اشتعالها، ولم يكن «الحضري» منفصلا عن واقعه العربي؛ بدليل انضمامه، أثناء الدراسة فى كلية الفنون الجميلة، إلى مدارس إعداد ضباط الاحتياط، التى كانت تتيح لطلبة المعاهد العليا والكليات الالتحاق بها، على مرحلتين، وتخرج فيها بالفعل عام 1947، وهو ما زال طالبا بكلية الفنون الجميلة، ولحظتها هداه تفكيره إلى الانضمام للفدائيين.

«تربيته المحافظة» لم تمنعه من التفكير فى الانضمام لكتائب الفدائيين.. وجمعية نقاد السينما المصريين كانت سببا فى الإطاحة به!

يمكن القول إنه فيما عدا خطوة الانضمام للفدائيين فإن «الحضري» كان مثالا للموظف المنضبط فى عمله، الصارم فى قراراته، المتفانى فى عشقه للسينما، الميال للعمل الفردي، المحايد فى مشاعره وعلاقاته، والحريص فى تعاملاته المالية؛ فهو الذى أبلغ وزير الثقافة د. ثروت عكاشة خشيته من أن يتسبب قرار تعيينه مديرا للرقابة على المصنفات الفنية فى تخفيض المزايا المادية التى يحصل عليها كضابط ومهندس، وهو الذى أعاد على مسامع الوزير نفس المخاوف عندما رشحه فى منصب عميد معهد السينما، واشترط لقبول المنصب «ألا يُضار ماليا»، وتحقق له ذلك بعد تعيينه بمكافأة شاملة، وليس على درجة مالية كما يقضى القانون، ورغم خطورة الوضع، الذى يعنى الاستغناء عنه، فى حال وجود أى خلاف فى وجهات النظر بينه وقياداته، إلا أنه غامر، ووافق، بعد أن اتضح أن الفارق كبير بين الراتب العادى وراتب المكافأة الشاملة!

%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%b1%d9%8a

أطلت السياسة برأسها من جديد، فى حياة «الحضري»، بعد وقوع هزيمة يونيو 1967، وتوجهه للسفارة المصرية فى براغ / تشيكوسلوفاكيا ليتلقى التعليمات فجاءه الرد بضرورة العودة إلى مصر، عبر باريس، لكن شخصيته المسالمة، وهروبه من ممارسة السياسة أو التبرع بإعلان مواقف تصب فى صالح النظام، خصمت من رصيده فى كل المناصب التى تولاها؛ إذ لم يتم النظر إليه،ككثيرين غيره، بوصفه «رجل الدولة»، وإنما «موظف يمشى جنب الحيط»؛ بدليل انحياز الوزير ثروت عكاشة للخبير الفرنسى لامبان على حسابه فى معهد السينما، وقوله للطلبة: «العميد اللى مش عاجبه يروح بيتهم»، وبعد إضراب الطلبة، الذى لم يكن مسموحا به فى تلك الفترة «الستينات» اتسمت علاقة الوزير والعميد بالفتور، وفور تقديم الطلبة لمشاريع تخرجهم أقيل من منصبه. وفى المرحلة التى تولى فيها «الحضري» رئاسة المركز القومى للسينما كانت الصدمة عندما توجه ذات صباح إلى مقر مركز الثقافة السينمائية، الذى يُشرف عليه، لكنه فوجئ بموظف المركز يخبره بأن صحف الصباح نشرت خبر إقالته. وفى أغرب تفسير لقرار الإقالة قيل إن «الحضري» فتح أبواب مركز الثقافة السينمائية لجمعيات سينمائية لها ميول واتجاهات سياسية مخالفة لتوجهات النظام الحاكم «مطلع السبعينات» فى إشارة إلى جمعية نقاد السينما المصريين ذات الميول اليسارية والتقدمية. لكن الأغرب أن «الحضري» فى سعيه إلى نفى التهمة اتخذ قرارا بالانضمام إلى الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما، التى قيل إنها تأسست برعاية الدولة، ممثلة فى الوزير يوسف السباعى الذى اختير رئيسا شرفيا لها، وتفرغ للجمعية، وعندما تهيأت الظروف تقدم لانتخابات مجلس الإدارة، ونجح، وعام بعد الآخر توسع نشاطه، وزاد نفوذه، ومع حلول عام 1989 تولى رئاسة الجمعية ومهرجان الإسكندرية السينمائي، لكنه فاجأ الجميع عام 1996 بالتنازل عن رئاسة المهرجان، وفى عام 1997 تنازل عن رئاسة الجمعية، واكتفى بعضويته فى مجلس الإدارة، لكنه صُدم بقوة عندما رشح نفسه مرة أخرى للعضوية، ولم ينجح، فى موقف أعاد إلى ذاكرته ما جرى فى موسم 1993 / 1994 عندما كان رئيسا لمجلس إدارة نادى سينما القاهرة، ودبر مجموعة من الأعضاء انقلابا ضده، ونجحوا فى الإطاحة به، دون أن تُحرك الدولة ساكنا، وبعدها لم تقم للنادى قائمة، وأغلق عن سبق إصرار وترصد!

لم يتحل «الحضري» بأخلاق النبلاء فحسب، بل ظل، طوال حياته، نظيف اليد والذمة والسمعة، لكنها مؤهلات لا تصلح، فيما يبدو، للتعيين فى منصب أو البقاء فى موقع، ولا بد أن تُقترن بمؤهلات أخرى، كالترويج للنظام، أو العمل فى خدمته، والتسبيح بحمده، وهى الشروط التى افتقدها، طوال مسيرته الوظيفية، فأصبح مكتوبا عليه أن يُطارد.. أو يُعاقب!