الرواية التى اشعلت معركة بين صلاح فضل ورءوف مسعد زهرة الصمت.. تجربة فنية لرصد تاريخ القهر فى مصر       بقلم : محمود الغيطاني   ثمة تساؤل مهم لا

2942479153284795449

الرواية التى اشعلت معركة بين صلاح فضل ورءوف مسعد

زهرة الصمت.. تجربة فنية لرصد تاريخ القهر فى مصر

 

%d8%a7%d9%84%d8%ba%d9%8a%d8%b7%d8%a7%d9%86%d9%8a

 

 

بقلم :

محمود الغيطاني

 

ثمة تساؤل مهم لا بد من التعرض له بمجرد الانتهاء من قراءة رواية “زهرة الصمت” للروائى رءوف مسعد وهو: هل ما زالت الرواية العربية خاضعة للشكل الكلاسيكى الذى تُكتب به منذ بدايتها؟ بمعنى هل لا بد أن تكون هناك مقدمة تمهيدية للعمل الروائى يصل بنا إلى الذروة وتعقد الأمور وتداخل الخطوط المتوازية، ثم لا تلبث هذه العقدة أن تحل فى نهاية الأمر لنصل إلى النهاية السعيدة أو غير السعيدة للعمل الروائي؟

ربما تخيل الرواية بمثل هذا الشكل الساذج لا يدل إلا على سذاجة من يتصور هذا التصور، فضلا عن عزلته الثقافية؛ الأمر الذى يجعله لا يلتفت إلى أشكال كثيرة ومتعددة نراها فى الآونة الأخيرة للأشكال الفنية فى السرد العالمي، وهى أشكال تختلف اختلافا كليا لدرجة وصلت إلى القطيعة مع الشكل القديم والمعهود فى كتابة الرواية.

لعل هذا يسوقنا بالضرورة إلى تساؤل آخر: هل من مهمة الناقد أن يفرض شكلا معينا من أشكال السرد على المبدع؟ أو هل من الممكن أن نضع مجموعة من الأطر والأشكال المعينة للمبدع كى يكتب عليها، ومن ثم إذا ما خرج على هذه الأشكال أو الأطر فهو لم يكتب سردا روائيا بل كتب مجموعة من التهويمات التى لا معنى لها؟

ربما كان هذا التساؤل النقدى من الضرورة بمكان حينما نتعرض لرواية الروائى رءوف مسعد؛ حيث اعتمد الكاتب فى روايته شكلا مفككا/ متشظيا –بشكل عمدي- يقصده الكاتب، وإن كانت الرواية متماسكة إذا ما نظرنا إليها نظرة كلية جامعة فى إطارها العام، أى أنه كان يعتمد التفكيك فى البناء الروائى وعدم الترابط بين الفصول بعضها البعض، لكن النظرة الكلية لها كرواية وبناء تبدو متماسكة إلى حد كبير ومتناسبة مع الموضوع الضخم والقضية المهمة التى يتناولها الروائي.

3bf2bd2af0

يعتمد مسعد فى روايته على شكل يرى أنه يتناسب تماما مع الموضوع الذى يكتبه، ورغم أنه شكل شديد الإرهاق بالنسبة للكاتب والمتلقى معا؛ حتى أنه يحتاج إلى قارئ متمرس وخبير فى عملية القراءة، بل هو فى حاجة إلى قارئ منتبه تماما أثناء قراءته حتى لا يفوته شيىء من النص الصعب الذى أمامه، إلا أنه كان الشكل الذى ارتضاه الروائى لكتابة هذه الرواية المتميزة والصعبة فى آن، ومن هنا كان اللجوء إلى الكثير من المراجع والتوثيق الذى نراه أحيانا مبثوثا بين تفاصيل السرد كمكمل للعديد من الفجوات السردية الروائية، كما نراه مرة أخرى متنا روائيا يعتمد عليه السرد الروائى اعتمادا كليا، وبالتالى فمن السهل سقوط السرد الروائى إذا ما سقط المتن التوثيقى فى هذه الحالة، ونراه مرة ثالثة باعتباره شاهدا على الحدث الروائى أو ما يمكن أن نسميه فى السينما Cross Cutting أى القطع المونتاجى للتدليل على حدث ما فى السرد الروائي.

تلاعب مسعد كثيرا بالتاريخ فى روايته “زهرة الصمت”، وإن كان تلاعبه بالتاريخ هنا ليس بقصد التغيير فى التاريخ بما يخدم النص الروائي، بل المقصود بالتلاعب هنا أنه كان يأتى بالنص التاريخى لسد الفجوة الروائية التى يرغبها فى الوقت الذى يرغبه، أى أنه لم يعتمد التسلسل التاريخى للأحداث التى كان يسوقها بقدر ما كان يسوقها فى الوقت الذى يراه متناسبا فقط بما يتماشى مع موضوع الاضطهاد والتمييز الدينى الذى يحدث مع المصريين منذ أواخر عهد الحضارة الفرعونية وبداية ظهور المسيحية، مرورا بدخول الإسلام والاضطهاد الواقع على المسيحيين، حتى التمييز الحادث لهم فى الوقت الراهن من الجميع.

إذن فالروائى هنا يرغب فى متابعة تاريخ القهر والتمييز فى مصر منذ أواخر الدولة الفرعونية ودياناتها، ومن هنا كان يختار من التاريخ ما يخدم هذه الفكرة ويتواشج معها فى شكل يجعل كتابة النص الروائى شديد الصعوبة على السارد نفسه؛ فهو يبدأ روايته بكاهنة إيزيس والصبية الصغيرة التى معها المنذورة لإيزيس- أى أنه يبدأ روايته منذ العهد الأخير للدولة الفرعونية- بعد دخول المسيحية لمصر واضطهاد الكهنة والمصريين التابعين للأديان المصرية القديمة؛ الأمر الذى جعل عددا كبيرا من المصريين يعملون على تغيير ديانتهم إلى المسيحية، ولكن فى مقابل هذا الاضطهاد والتمييز القاسى تجاه المصريين القدماء من المسيحيين، يوجد اضطهاد آخر تجاه مسيحيى مصر؛ لأن المصريين قد اتبعوا مذهبا يخصهم وحدهم فى المسيحية وهو الأرثوذكسية، أى الدين القويم، أو الصحيح.

إذن فهو يتحدث فى روايته عن القهر، إنه القهر النابع من الأديان على كل المستويات، سواء على مستوى الديانة الفرعونية القديمة، أو على المسيحيين، وهنا تبدأ الرواية عن الصبية الصغيرة الموجودة مع الكاهنة والتى تخبر الكاهنة أنها سمعت صوت الخيول القادمة إلى مصر من الشرق حينما وضعت أذنها على الأرض فى إشارة للبدو/العرب القادمين من أجل الغزو ونشر دينهم الجديد، وهنا تبدأ رحلة الهروب الكبير والطويلة من المعبد إلى الحصن ثم إلى خارج الحصن بعد أن تلتقى الكاهنة بأخيها القس المتحول إلى المسيحية فى الحصن، فتساعده على الهروب من غزو العرب ثم تستمر فى رحلتها المقدسة هى والصبية الصغيرة إلى الإلهة إيزيس.

news-salah_fadel_684741699

د.صلاح فضل

 

لذا نجد الروائى بعد حديثه فى بداية الرواية عن الروح فى المعتقد المصرى القديم، وهو النص الذى ساقه من كتاب “معجم الحضارة المصرية القديمة”، ثم حديثه عن الموت يبدأ نصه الروائى المبنى أساسا على ما ساقه من توثيق سابق فيقول تحت عنوان “كيف عرفت كاهنة إيزيس بقدوم الجيش العربى الغازي”: “وضعت البنت أذنها على الأرض تنصت حابسة أنفاسها المتسارعة. فى البداية ظنت أنها تستمع إلى وجيب قلبها القوي. سحبت قدرا من الهواء ببطء كما علمتها وأرشدتها الأم الكاهنة (هكذا تسميها الصبية) ثم مرة أخرى. حتى شعرت بأنها تسترجع هدوءها وتتحكم فى خوفها. فى هذه المرة وصلتها الدفقات القادمة من بعيد بيقين واضح تؤكد لها وقع الحوافر العديدة فى اقترابها الأكيد”.

من خلال هذه الفقرة التى بدأ بها الروائى نصه الروائى المعتمد على الجزء التوثيقى الذى سبقه لا بد أن نلاحظ أسلوب السرد الذى اعتمده الروائى فى روايته، وهو أسلوب سردى يقترب إلى حد كبير من التوثيقية أيضا، أى أنه يسوق السرد الروائى هنا فى شكل تاريخى وكأنه يؤرخ للحدث بما يتناسب مع التوثيق التاريخى الذى يسوقه فى روايته ليقوى من عضد الحدث الروائي، ولعلنا نلاحظ هذا الشكل السردى التاريخى الشكل فى وضعه عنوان فرعى لبداية للسرد: “كيف عرفت كاهنة إيزيس بقدوم الجيش العربى الغازي”، كذلك نلاحظه فى الأقواس والإيضاحات التى وضعت مبثوثة فى السرد الروائي: (هكذا تسميها الصبية). إذن فالروائى هنا يعلم جيدا ما يفعله، ويعتمد المنهج والشكل السردى الذى يتناسب مع روايته تماما رغم صعوبة هذا الشكل، وهو الأمر الذى جعل لغته الروائية تنحو كثيرا باتجاه الجفاف والموضوعية والتجرد- بشكل عمدي- ليتناسب ذلك مع الكثير من النصوص التاريخية المبثوثة بين سطور السرد والتى قد تصل إلى عشرات الصفحات أحيانا، كما لجأ إلى المراوحة اللغوية بما يتناسب مع العصور التاريخية التى يتحدث فيها.

لكن هل هذه الصفحات الكثيرة التى حرص المؤلف على اقتباسها من النصوص والكتب التاريخية أدت إلى تعطيل السرد الروائى وإيقافه، أو أفقدته طزاجته والإقبال عليه من قبل القارئ؟

المتأمل الواعى للرواية سيتأكد أن عشرات الصفحات التى اقتبسها الراوائى من العديد من المراجع لم تعمل على تعطيل السرد بقدر ما دفعته أكثر باتجاه الحيوية والثراء والعمق لإيصال فكرة التمييز الدينى فى مصر، ومن ثم إذا ما حاولنا تجاوز هذه الصفحات من دون قراءتها باعتبارها ليست مهمة بقدر أهمية السرد الروائى سنقع فى إشكالية عدم فهم السرد الروائي، أى أن المراجع كانت متنا بالنسبة للرواية، ومن ثم إذا ما حاولنا تجاوزها انفرط عقد الرواية تماما وخرجت من إطارها إلى لا شيء.

تتضح هذه الفكرة مثلا حينما نرى الكاهنة قد أخذت الصغيرة فى رحلة هروبها من المعبد إلى الحصن الذى تحصن فيه أهل مصر من الجنود ورجال الدين وغيرهم خوفا من العرب الغزاة، حيث أرادت الكاهنة الاحتماء بالحصن ومقابلة أخيها القس كى تعمل على تهريبه من خلال الطريق السرى الذى تعرفه قبل استكمال رحلتها هى والصغيرة إلى الربة إيزيس، هنا يقطع الكاتب من السرد الروائى إلى السرد التاريخى التوثيقى المأخوذ من بطون كتب التاريخ ليكتب تحت عنوان فرعى “الغازى وسيفه”: “لم يعرف الذين فى الحصن من الأهالى أو من المصريين الذين بقوا فى بيوتهم وقراهم ومعابدهم- ساعتها- أن عمرو بن العاص قائد الغزاة، كان قد توجه بجيشه نحو سمنود بعد أن سار بجزء كبير من جيشه على الفرع الشرقى للنيل، وعبره عند أثريب. فقد دارت الدائرة على المسلمين وعلى من كان قد أسلم معهم من النصارى”، ثم يستمر مسعد فى السرد التاريخى المأخوذ عن العديد من المراجع التاريخية.

هنا لا بد أن نتوقف هنيهة أمام النص التاريخى السابق الذى ساقه الروائى رءوف مسعد بعد سرده الروائى عن حكاية الكاهنة والبنت الصغيرة وقصة هروبهما من المعبد إلى الحصن لتبدآ رحلتهما؛ فالنص التاريخى الذى أخذه مسعد من كتاب “فتح العرب لمصر” لمؤلفه ألفريد بتلر بدا لنا هنا باعتباره متنا متواشجا بشكل لا يمكن فصله مع السرد الروائي، أى أن التوثيق والسرد هنا قد باتا وجهين لعملة واحدة إذا ما سقط أحدهما سقط الآخر لأن كل منهما يكمل الآخر، ويتضح هذا فى بداية السرد الوثائقى الذى يتحدث عن الحصن أيضا، ولعلنا لا ننسى أنه أنهى السرد الروائى بعد حديثه عن لجوء الكاهنة إلى الحصن، ولعل هذا الشكل السردى هو شكل صعب بشكل فعلى على من يكتب رواية بمثل هذه الآلية التى اختارها لتكون شكله البنائى فى روايته؛ لأن النصوص التاريخية تكون وثيقة الصلة مع السرد الروائى فى حاجة إلى الكثير من الجهد والبحث حتى لا يشوب البناء الروائى أى شكل من أشكال النتوءات التى ستعمل على تشويهه إذا ما بدا الاقتباس التاريخى كفاصل بين السرد الروائى والسرد التاريخى.

من هنا نبع الإحكام فى تماسك النص الروائى فى رواية رءوف مسعد، حيث كان المتن الروائى يعتمد بشكل وثيق على المتن الوثائقي، والعكس كذلك، ولعلنا هنا لا نستطيع الزعم أن النص التاريخى كان من الجفاف ما يجعل القارئ ينصرف عن إكمال الرواية؛ لأننا إذا ما انتبهنا إلى ما كتبه فى التوثيق عن عمرو بن العاص رأينا: “يتذكر الآن معركته الكبيرة فى يوم السلاسل، حينما كان يقود كتيبة واشتدت عليه الحرب فأرسل يطلب المدد من النبي، فأرسل إليه مائتى رجل فيهم أبو بكر وعمر وعليهم أبو عبيدة بن الجراح. نازعه هذا إمارة الكتيبة وأبى أن يتنازل له. قال: إنى أميركم وأنت لى مدد. كانت لحظة عصية خاصة أن ابن الجراح مقاتل شهير لكنه كان أيضا مؤمنا صادقا، إذ قال لعمرو: قال لى رسول الله: لا تختلفا وأنك إن عصيتنى أطيعك. فقال عمرو: فإنى آبى أن أطيعك. فسلم له أبو عبيدة بالإمارة ووقف وراءه فى الصلاة”، إذا ما تأملنا المقطع السابق هل نستطيع إنكار أهمية المتن التوثيقى الموازى والمكمل للمتن السردى الروائى فيها؟ بالتأكيد لا، كما لا يمكن اعتبار المتن التوثيقى فى الرواية من الجفاف ما يجعل القارئ منصرفا عنه، فنحن نلاحظ هنا أن التوثيق يكاد يقترب أيضا من السرد الروائى ولا يخالفه كثيرا لاسيما أن اللغة الروائية فى الرواية تقترب كثيرا من السرد التاريخى المُقتبس أيضا.

لكن هل سار الروائى بمثل هذا الشكل من السرد على طول روايته، بمعنى هل ظل متابعا كروائى لقصة الفتاة والكاهنة، ليقطع منهما على التوثيق التاريخى الذى يخدم النص، ثم يعود إليهما مرة أخرى؟

الحقيقة أن الكاتب لم يلتزم فى روايته بمتابعة قصة الكاهنة والفتاة، صحيح أنه لم ينسهما وظل متابعا لهما بين الحين والآخر، حتى أن الرواية تنتهى بهما حينما يقول: “وفى المعبد حيث انتظر الكهنة ردحا من الزمن طويلا، يتسلم الكهنة جسد الصبية التى بدأت فى الرحيل إلى الغرب، يأخذونها إلى قدس الأقداس تصاحبهم الكاهنة، هناك يستقبلهم المحنطون وقد سبقوهما ووضعوا الأقنعة فوق رءوسهم. إنهم يستقبلون الإلهة إيزيس المتجسدة فى الصبية التى حملت روح إيزيس، التى سيأخذها الكهنة الآن إلى مخبأها”، أى أن الروائى لم ينس القصة الرئيسية التى بدأ بها روايته والتى ظل يعود إليها مستكملا لها وسادا للفجوات فيها بين الحين والآخر على امتداد الرواية حتى انتهى بها أيضا، بل لعلنا نلاحظ من خلال هذا المقطع أن الرواية انتهت بحكاية البنت الصغيرة التى يستقبلها الكهنة ليخبئوا روحها باعتبار أن إيزيس متجسدة فيها، وكأن إخفاء الكهنة لجسد الفتاة التى حلت فيها روح إيزيس يعنى أن كل ما يدور فى مصر من دخول المسيحية إليها، وغزو المسلمين لها هو بمثابة الكابوس الذى لا بد أن ينتهى لتعود روح إيزيس الممثلة فى الفتاة إلى مصر مرة أخرى.

رواية “زهرة الصمت” للروائى رءوف مسعد من الروايات الصعبة على مستوى البناء والفكرة، ولعل رواية بمثل هذا الشكل البنائى فى حاجة إلى الكثير من الجهد والتركيز من الروائى من أجل اتساق شكلها الفنى، كما أنها فى حاجة إلى تركيز أكبر من القارئ، بمعنى أنه لا بد أن يكون منتبها تماما أثناء القراءة نتيجة تشظى الحكايات المبثوثة بين السرد الرئيسي، بالإضافة إلى الكثير من التوثيق الذى عمل على إثراء الرواية وزيادة عمقها الفنى.