أحمد الحضرى رائد الثقافة السينمائية بقلم : هاشم النحاس   عندما ظهرت السينما فى أواخر القرن التاسع عشر (1895م) لم تكن سوى مجرد لعبة تضاف ضمن عروض برامج الألعاب السحرية

%d8%a3%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%b1%d9%8a

أحمد الحضرى رائد الثقافة السينمائية

بقلم :

هاشم النحاس

 

عندما ظهرت السينما فى أواخر القرن التاسع عشر (1895م) لم تكن سوى مجرد لعبة تضاف ضمن عروض برامج الألعاب السحرية أو غيرها من برامج التسلية، ولكن ما لبثَ الفنان أن اكتشف قيمها التعبيرية وحولها إلى عمل من أعمال الفن، كما فعل جريفيث فى فيلمه «مولد أمة» عام 1915، ومن واكبه من فنانيّ السينما أمثال بورتر وغيره. ولمّا كانت السينما هى آخر الفنون حتى أطلق عليها الفن السابع، فقد استوعب هذا الفن أبعاد الفنون السابقة من مسرح ورواية وقصة قصيرة وفنون تشكيلية، غير أن السينما لم يكن ليكتب لها البقاء والانتشار على هذا النحو السريع والواسع فى أوروبا وأمريكا، إلا بدعم من ثقافة الجمهور الذى بدأ يفرز الجيد من الرديء، وما كان لهذا الجمهور أن يستوعب هذا الفن إلا من خلال أرضية من الثقافة عامة والثقافة الفنية خاصة. وقد دَعَم هذه الثقافة والاهتمام بالسينما مفكرون كبار عكفوا على دراسة هذا الفن وقدموا نظرياتهم، أمثال آيزنشتين، آندريه بازان، آرنهايم، بيلا بلاش… وغيرهم. مما رفع من قيمة هذا الفن ووضعه فى المكانة اللائقة له بين الفنون الأخرى.

أما السينما المصرية فقد ظلّت بمثابة أداة ترفيه أو أداة توجيه اخلاقى حتى بعد نصف قرن من ظهورها، وذلك لضالة الثقافة السينمائية والثقافة العامة، وما كان لهذه السينما ان تتقدم خطوة واحدة إلى الأمام لتصبح فنًا يوازى فنوننا الأخرى إلا بتوفير الثقافة عامة والثقافة السينمائية خاصة لأكبر قطاع ممكن من الجمهور، وهو ما لم يحدث بجديّة حتى أواخر الخمسينات…

أثناء تكريم وزير الثقافة لأحمد الحضري قبل رحيله

 

ومن هنا يمكن أن نقدِّر أهمية الحركة المنهجية للثقافة السينمائية التى بعثها الرائد أحمد الحضرى بإنشائه جمعية الفيلم 1959، فقد كانت بمثابة الشرارة الأولى التى انطلقت بعدها حركة الثقافة السينمائية المعاصرة فى مصر، وكانت بمثابة الحاضنة التى تربّى فيها عدد لا بأس به من الشبان الذين شاركوا فى نشر هذه الثقافة السينمائية فيما بعد.

لم يكن أحمد الحضرى مُدرسًا مباشرًا لفنون السينما وتذوق فن الفيلم، لكنه عمل على خلق البيئة الثقافية المناسبة للولوج إلى عالم «فن الفيلم» من خلال أوجه النشاط المختلفة التى تؤكد دوره الريادى فى هذا الاتجاه، فلم تكن جمعية الفيلم وحدها العمل الوحيد لدوره الثقافي، وإنما يمتد عمله فى خلق هذه البيئة الثقافية من خلال إدارته لنادى السينما بالقاهرة الذى بلغ عدد اعضائه فى فترة ما إلى 5000 عضو.

ولا نكاد نجد مثقفًا فى السبعينات لم يمر على نادى سينما القاهرة، واكتسابه لخبرة التذوق السينمائى من خلال نشاط هذا النادى الذى وفر له مشاهدة أفلام من كل سينمات العالم، واستضاف أهم الافلام العالمية ومعها مخرجوها. وكان يدير الحضرى هذا النادى بانضباط شديد غير مسبوق فى ثقافتنا، وإلى جانب مناقشات الأفلام التى كانت تدور عقب كل فيلم اسبوعيًا، كانت توزع نشرة ورقية يرأسها الحضرى وتضم من الدراسات السينمائية التى كان من الصعب وجودها من قبل.

وفى هذا المجال يمكن ان يُضاف له أعمال الحضرى الأخرى مثل ترجمته للكتب وأهمها كتاب «فن المونتاج السينمائي» فى جزآن، وتأليف الكتب السينمائية وأهمها كتابه «تاريخ السينما فى مصر» فى أربعة أجزاء، ظهر منها جزآن، بينما بقى حتى الآن الجزآن الثالث والرابع تحت الطبع منذ أكثر من عام، ونحن ننتظر تدخلا من وزير الثقافة شخصيًا لحل العوائق البيروقراطية السخيفة التى تحول دون صدورهما حتى الآن. كما عمل الحضرى عميدًا لمعهد السينما، ورئيسًا للمركز القومى للسينما.

وفى رأيى ان ما قدمه الحضرى للسينما المصرية على اختلاف توجهاته كان وراء أى تقدم فى فن الفيلم المصرى خاصة، سواء من ناحية الانتاج، أو من ناحية النقد والتذوق السينمائى عامة.

عرفتُ الحضرى منذ عام 1958، من خلال «ندوة الفيلم المختار» التى كان يديرها فريد المزّاوى تحت رعاية الأديب الكبير يحيى حقيّ الذى كان مديرًا لمصلحة الفنون وقتها، ومنذ ان عرفته وحتى رحليه أول شهر يناير (2017)، كان كالنحلة التى تعمل فى دأبٍ وصمت لتنتج العسل الذى نستمد منه غذاء للجسد، لكنه – بالنسبة للحضري- كان يمدنا بغذاء ثقافى ما زلنا نتغذى عليه، واعتقد أن هذا الغذاء سيستمر زمنًا طويلا..