بقلم : سيد محمود     لا أحد مثلنا يعرف الشاعر فتحى عبد الله، الذى يرقد مريضا بإحدى مستشفيات الزقازيق، لا أحد يعرف الدرويش الكبير، «راعى المياه» وراعى الأمل

16114471_10212064924445301_216952191021653569_n

 

999-150x150

بقلم :

سيد محمود

 

 

لا أحد مثلنا يعرف الشاعر فتحى عبد الله، الذى يرقد مريضا بإحدى مستشفيات الزقازيق، لا أحد يعرف الدرويش الكبير، «راعى المياه» وراعى الأمل الذى استقبل بإنسانيته التى لم تتلوث عشرات المواهب الشابة.

لم يطلب فتحى عبد الله طوال حياته التى قضى أغلبها محررا بهيئة الكتاب أكثر من الشعر ولم يتجاوز حلمه حدود القصيدة التى يكتبها، ظل شاعرا نقيا وفيا لصوته الخاص رغم انغماسه فى نقاشات أظن أنها لم تنته حول الشعرية الجديدة وما ينبغى للشاعر أن يكتبه، كيف يمكن النجاة من شعرية أدونيس وقصيدة أنسى الحاج ومحمد الماغوط وسعدى يوسف وكيف يمكن فهم صلاح عبد الصبور وتذوق عفيفى مطر الذى كان شيخا له وراية.

خاض فتحى عبد الله فى جدل طويل مع رفاقه من جيل الثمانينات حول شكل القصيدة وطموحها، وتمرد على الجميع، ورضى بهامش اخترعه وعاش به على أطراف المدينة مثل أولياء الله الصالحين مستمتعا بالمقاهى الصغيرة التى تطرد الوحشة، ورأى فى الكتابة هجرة وخلاصا، فهى الخلاء الذى اتسع لمناجاته ولتمرد رافقه ولم يتخل عنه أبدا.

وفى السنوات التى عمل فيها بمجلة القاهرة تحت قيادة الدكتور غالى شكرى وإلى جوار الشاعرين أحمد طه ومهدى مصطفى والقاص عبده جبير وجد المساحة التى تتسع لوعيه النقدى الجذرى ومعرفته العميقة بتاريخ مصر فى مراحله المختلفة، وفى كل حوارتنا طوال ما يقرب من ربع قرن وهى حوارات طافت بقضايا وموضوعات كثيرة كان دائما فى موضع المعلم وكنت فى موضع المريد، شاعرا أننى أمام سبيكة إنسانية نادرة ومثقف موسوعى له قدرة مذهلة على هضم معارف عديدة وصهرها فى لغة نقدية بسيطة وسهلة لم تثقل كاهل قصيدته، التى ظلت وفية لوعيه النضر وفطرته العذبة التى لم تتطرف فى خصومة أو تبتذل معركة.

وبسبب هذه الصفات كلها، كان طبيعيا أن يطلق رفاقه من الكتاب والفنانين المناشدات الموجهة لوزير الثقافة ليتدخل بنفسه لعلاج الشاعر الذى يعرفه حق المعرفة وإلى جوار هذه المناشدات دعوات للمطالبة بعلاجه على نفقة الدولة، وهى دعوات ينبغى لها أن تتوقف ليجد الكتاب والمثقفون صيغة أكثر إنسانية للعلاج تمنع عنهم شر الحاجة وألم السؤال، فقبل أيام مات أحمد الشيخ وقبله أبو المعاطى أبو النجا والقائمة طويلة بصورة تجعل من الاقتراح بتأسيس صندوق أو مستشفى لعلاج المبدعين أمرا عاجلا حان أوان التفكير فيه وحتى يحدث ذلك لن نتوقف عن المطالبة بعلاج «راعى المياه».