بقلم : د. شاكر عبد الحميد   تسرد هذه الرواية حكاية هانى محفوظ وتاريخ حياته؛ حتى تجاوز الأربعين من عمره، وتاريخ أسرته أيضًا، ميوله المثلية وكيف تطورت مشاعره

محمد عبد النبي

 

 

بقلم :

د. شاكر عبد الحميد

 

تسرد هذه الرواية حكاية هانى محفوظ وتاريخ حياته؛ حتى تجاوز الأربعين من عمره، وتاريخ أسرته أيضًا، ميوله المثلية وكيف تطورت مشاعره الخاصة تجاه من يجتذبون اهتمامه من الذكور ومن ثنايا ذلك ترد حكايات ومآسٍ وأحلام وكوابيس.

والرواية أشبه بحالة من البوح فى محاولة استكشاف هذه الهُويَّة الخاصة، كيف تطورت أو تفكَّكت، وكذلك كيف كانت ترى العالم. وبداية الرواية هى تقريبًا نهايتها، حيث بدأت بإمساكه بيد صديقه عبد العزيز ثم القبض عليهما وإدخالهما ضمن القضية المعروفة باسم الباخرة كوين بوت.

فى الرواية وصف لحالة هانى محفوظ فى السجن بعد أن تم القبض عليه وكذلك حالته بعد الإفراج عنه، وفيما بين هاتين المرحلتين تنفتح بوابات ذاكرته، يتذكر طفولته ومراهقته وشبابه، يتذكر جده محمد محفوظ المولَع بالفن والفنانين والذى تكتشفه صاحبة أتيليه لحياكة ملابس النساء ثم تتبناه وتساعده وتزوجه من إحدى عاملاتها ثم تموت وتُوصِى له بملكية ذلك الأتيليه، والكاتب هنا يتخيل أو يكتب نصًا متخيلا عن الجد الذى تحوَّل من «صبى فى مقهى إلى بائع قراطيس حب العزيز أمام المسارح والسينمات وهكذا حتى تلتقطه الست بيبا «خياطة الطبقة الراقية وسيدات المجتمع».

وعبر الرواية تأتى حكايات ومشاهد عديدة عن نفسه «ذلك الطفل الوحيد الذى لم يحظَ يومًا بأخ عن أبيه» وعن أمه التى أصبحت مُمثِّلة معروفة بعد ذلك، وعن زواجه وعن ابنته التى تسمت باسم أمه (بدرية)، وعن علاقاته بالكثير من الشخصيات: رأفت، وعبد العزيز، وكريم سعدون، ومحمد سكر، وغيرهم.

أعتقد أن التكنيك المهيمن على الرواية تكنيك يأخذ بالفعل ذلك الشكل الذى يلخصه عنوان الرواية «فى غرفة العنكبوت» حيث تتشابك عبر الرواية خيوط كثيرة متداخلة من الواقع والخيال، والكوابيس، والشعور واللاشعور، والسلوكيات الغريزية المتحكَّم فيها، وكذلك تلك الغرائز الجامحة غير المتحكَّم فيها. وهكذا نجد لدينا أنواعًا عدة من عمليات النسخ والغزل التى تُشكِّل هذا النسيج النهائى لعنكبوت هذه الراوية أو عالمها الخاص، إنها حالة من التعقد والتركيب والحيرة المعرفية والنفسية والوجودية والريبة الدائمة والشك المُقِيم وفقدان اليقين الملازم لكل شىء.

779

هكذا نجد لدينا ذلك التعقد فى طريقة بناء الرواية، وذلك التراوح بين الماضى والحاضر، وتداخل الأزمنة، والحكايات داخل الحكايات، وتاريخ العائلة وعلاقاتها، وعلاقاته، هانى محفوظ أيضًا، المتكررة مع الآخرين، والتى ما ان تتعقد حتى تنفك، ثم ما تلبث أن تتعقد مرة أخرى من خلال علاقة ما أو علاقة أخرى.

ويحدث هذا التعقيد لنسيج الرواية أيضًا من خلال التوهمات والأحلام والكوابيس والتخيل لأحداث وحوارات لم تحدث أو أنها قد حدثت، لكن ليس بالطريقة نفسها، هكذا نجد صورًا ومواقف متخيلة عديدة للشخصيات من خلال الحفيد (هانى محفوظ) للجد والأب والأم والخالة وغيرهم.

ويحدث ذلك التعقد أو التعقيد أيضًا من تداخل الأزمنة والأمكنة، والمشى عبر شوارع القاهرة، والإقامة فى فنادقها، وحالات هذه المدينة أثناء الليل وأثناء النهار وخلال رحلات التجول والتلصص والصيد.

وربما كانت رمزية العنكبوت وتعقيدات خيوطه الأسطورية أمرًا جديرًا بأن نشير إليه هنا، ولو على نحو عابر، فالعنكبوت هنا رمز يظهر فى الواقع، وفى الأحلام والكوابيس، لكنه رمز لهذا العالم الذى وجد هانى محفوظ نفسه فيه.

العنكبوت رمز للأم العظيمة، بذلك المعنى الذى حاول البطل فى بحثه خلال بحثه عن أمه أو عن أبيه أن يجده خلال حياتهما أو بعد موتهما.

والأم العظيمة، نموذج أولى Archetype إذا استخدمنا مصطلحات يونج، أنثوي، هى أصل الحياة، والمُعبِّرة عن مبدأ الاحتواء، وهى ترمز أيضًا للحياة الكونية الكلية التى تجمع بين الموت والحياة والذكر والأنثى والأنيما (البعد اللاشعورى المرتبط بالجانب الأنثوى الموجود داخل الرجل)، والأنيموس (الجانب اللاشعورى الخاص بما هو ذكورى داخل الأنثى) وهى أيضًا رمز للأندروجينى الخنثوى أو الهيرمافروديت الذى يجمع بين الذكرى والأنثوى فى جسد واحد أو من خلال سلوكيات وميول مشتركة تجمع بين هذين النوعين والأم العظيمة مركز أيضًا للروح فى بحثها عن المعنى وعن الهدأة والسكينة والخلود، والولادة والموت والبعث والتجدد المستمر، بالماء والخصوبة، والصحراء والجفاف، والكلية والاكتفاء الذاتى، والقلب والتحول، والتدمير للذات والعالم، وهى أيضًا ملكة عالم الموتى وحاملة أسرار، وكل الأمهات العظيمة فى الملاحم والأساطير يقمن بعمليات الغزل والنسيج لخيوط لا تنتهى، هكذا كانت بنيلوبى فى أوديسة هوميروس.

هكذا يقوم الغازل والناسج والكاتب بعملهم فى حركة دوامية لا تنتهى، فهم ينسجون شبكة العنكبوت الخاصة بدوامة الحياة، ويُنظِّمون، على نحو خفي، خيوط هذه الحياة وكذلك خيوط القدر المتعلق بها، يقومون بتعقيد الخيوط على نحو مُحْكَم حتى يوقعون كل كائن يقترب من هذه الخيوط فى حبائلهم، ولكنهم يتركون أيضًا فرصة للتحرر والانطلاق والحرية.

هكذا تكون الأم العظيمة وتكون خيوط العنكبوت أيضًا ذات طبيعة مزدوجة أيضًا، تتعلق بالحياة وتتعلق بالموت، تتعلق بالبناء وتتعلق بالهدم، وقد تكون هذه الخيوط هى خيوط عملية الكتابة نفسها التى تتعقد حينًا وتنفك أحيانًا أخرى. وتُمثِّل هذه الخيوط التى تنسجها الأم العظيمة وظيفة أيضًا؛ تلك الوظيفة الخاصة بالحماية والدفء والإيواء، وكذلك تلك السلوكيات كلها الخاصة بالتفكك والتحلُّل والتبدُّد والالتهام للروح والجسد والوقت؛ إنها ترتبط بالحياة، كما قلنا، لكنها قد تُمثِّل أيضًا ذلك القبر الخاص بهذه الحياة أيضًا وأنها خيوط تحاول الذات التى تحمى نفسها من خلالها، لكنها قد تكون خيوطًا واهية.

يظهر هذا العنكبوت فى الرواية فى غرفة الراوى ويظهر كذلك فى أحلامه، يراه رأى العين ويتخيله موجودًا معه دائمًا كعين كبيرة من بين تلك العيون كلها التى تراقبه وترصد حركاته وسكناته.

الأم العظيمة الموجودة فى هذه الرواية هى الأم الفعلية للراوى أو السارد الرئيسى وهكذا كان يلجأ إليها فى كل صغيرة وكبيرة فى حياته، ما عدا «سره الخاص» الذى حاول أن يخفيه عنها، ولكنها كانت وفيما يبدو تعرف الأمر وتتفهمه وتتعامل معه هكذا كانت تلك الأم تُمثِّل له ما يسميه إريك إريكسون الثقة الأساسية Basic Trust تلك التى فقدها فى علاقته مع أبيه، ووجدها فى علاقته مع أمه، لكنها كانت تلك العلاقة هى نفسها التى أسهمت من خلال الحماية الزائدة له، ومن خلال تدليله، وطريقة تربيته كطفل وحيد فى أن يظل فى حالة بحث دائم عن بدائل للأم وبدائل للأب معًا، أملا فى أن يصل إلى نوع من الثقة الأساسية أو الأرض الثابتة أو إلى نوع من اليقين يساعده على مواصلة هذه الحياة، أو الوصول إلى نوع ما من التماسك لهويته التى قد أصابها التفكك، وقد كان ذلك اليقين – أو تلك الثقة الأساسية – متجسدًا على نحو خاص من خلال السرد الجميل أو الكتابة.

هكذا نجد وصف هانى محفوظ لطفولته حين كان فيما بين الخامسة والسادسة من عمره أشبه بـ«دمية مرسومة» مثل تلك «التى يعلقونها فى واجهات المتاجر أو يصوِّرونها فى إعلانات اللعب والألبان، تخاف عليَّ أمى فتعلق لى خرزة زرقاء وتدس حجابًا تحت ثيابى كان يُوجعنى كأنه فيه حصاة كبيرة وعندما كان يمرض بالحمى أو غيرها كانت تحرق له البخور وتقص العرائس الورقية وتشكها بالإبرة من أعين الناس، جميع الناس واحدًا بعد الآخر بأسمائهم».

هكذا ظل يتصور نفسه دمية خزفية لامعة، «بشعر فاحم غزير وناعم، ينسدل على جبينى وكتفي» كان يلعب بقصاصات القماش الملوَّنة ويتصفح مجلات الموضة ويسرح مع تماثيل المانيكان والتى كان يتخيلها «نساء مسحورات خارجة من حواديت أمي» كان يقلد جده فى عمله ثم بدأ يقلد أمه بينما كان طفلا يعيش بين سيقان النساء اللاتى كن يجئن إلى جده أو أمه فى ذلك الأتيليه (والأم أصبحت بعد ذلك ممثلة معروفة) وصار لها عشاق ومعجبون، ومرض الجد، ومات، والأب كان موجودًا وغير موجود فى الوقت نفسه وهكذا يقول هانى محفوظ عن ذكرياته الأولى مع أبيه «سرعان ما بدأت أعتاد غياب جدي، وتطلعتُ نحو أبى منتظرًا أن يقدِّم لى بديلا أو تعويضًا ما، كان ينسانى أيامًا، ثم ينتبه لوجودى فجأة، كأننى طفل الجيران، موجود فى بيته بالصدفة، فيعرض عليَّ أن أذهب معه إلى المقهى أو أصحبه إلى العمل». لكنه كان يُفضِّل الذهاب إلى أتيليه جده حيث كان يحب ذلك التوتر الأنثوى السارى فى المكان.

وقد كان هناك ولع ما لدى الأب بالتمثيل، وفى إحدى المرات ذهب إلى استديو جلال والتقى هناك بممثلة ثانوية هى التى أصبحت زوجته وأم هانى محفوظ بعد ذلك وفى أتيليه جده بدأت أولى نوازعه الخاصة من خلال نظرة عبر نافذة فى أتيليه جده حيث كانت هناك مبولة يتبول فيها بعض العاملين فى ورش العمارة ومن تلك النافذة بدأت علاقته برأفت وتتابعت بعده العلاقات.

كانت حياة هانى محفوظ، كما قلنا، وكذلك حياة أسرته أشبه بخيوط العنكبوت وكانت ذكرياته وتجاربه تمثل خيوطًا ظلَّت تتعقد وتتعقد وأسلمته إلى الكثير من الجروح. هكذا ارتدى نظارة سوداء محاولا أن يُخفى نفسه وراءها عن العالم، وتجاهل نظرات الناس فى الشوارع والأماكن العامة والخاصة، وهيمنت عليه كثيرًا رغبة عميقة فى التخفى والإخفاء والاختفاء، لكنه كثيرًا ما كان يبدو وكأنه يتبنى حكمة سنيكا القائلة «فاز باللذة من أحسن التخفي»، كان يهرب إلى النوم والمنومات، وكان يتخيل نفسه أحيانًا عنكبوتًا، أو حشرة مثل جريجور سامسا فى قصة كافكا المعروفة «تحولات، أو المسخ».

وما بين حياته، قبل أن يتم القبض عليه فى الشارع مُمسكًا، بيد عبد العزيز ثم تلك الفترة المخيفة الرهيبة التى قضاها فى السجن؛ تأتى ذكريات ورؤى كثيرة وأحلام وكوابيس ووقائع وعلاقات، بل إنه يتزوج وينجب أيضًا ثم يطلق زوجته «شيرين» بعد أن يتم القبض عليه، يلجأ إلى العلاج النفسى ثم يحاول أن يعالج نفسه بالكتابة، أحيانًا يستغرق فى الشراب ويستسلم لنداءات الغريزة وأحيانًا أخرى يزهد فى كل شىء.

في غرفة العنكبوت

وتظل هناك شبكة، بل شبكات، من الأسئلة المطروحة والمشرعة دومًا دون إجابات، وهى فى مجملها أسئلة تتعلق بهويته: من أنا؟ من كنت؟ ومن أكون؟ والهُويَّة هنا، فى مجملها شخصية مُفكَّكة هشة تحاول أن تتماسك بالكتابة أو بالعلاقات، وقد كانت صورتا الأب والأم تردان دومًا عبر الحياة، وعبر الذاكرة، وعبر التخيل، أيضًا حتى أننا نظن أحيانًا أن هانى محفوظ هنا كما لو كان يُعانى عقدة أوديب معكوسة أو مضاعفة، فهو يحب الأب (أشبه بالكترا) ويحب الأم أيضًا، لكن حبه لأبيه يمتزج به نوع من الكراهية الضمنية أو المضمرة له، وكأنه كان يريد أن يقتله فى الحياة بسبب انشغاله عنه وتجاهله له، ومن ثم فقد فعل بإرادته، أو دون إرادته، كل ما أمكنه أن يفعله كى يُدمِّر تلك الصورة الراسخة لأب كبير متجاهل وغافل ومستغرق فى عالمه ودنياه الخاصة، وإنه لأب أشبه بإله أرسطو الذى يُغيِّر ولا يتغير، يُحرِّك ولا يتحرَّك.

ويستمر العنكبوت ينسج خيوطه، وتستمر الذات منقسمة ومُفكَّكة، بين إحساسات ومشاعر وتجارب تهاجمها دومًا ولا تكف عن مناوشتها وإقلاقها، حتى أنها تقع كثيرًا فى براثن حالاتٍ متتابعةٍ من فقدان الشعور بالهُويَّة Depersonalization حيث نجد مظاهر تدل على حدوث تشوهات فى الوعى، وفى إدراك الشخص لجسمه وسلوكه، فيدرك ذاته باعتبارها غريبة عنه، وعن أفكاره، ومشاعره، وكذلك عن الآخرين المحيطين وعن المواقف المألوفة فى حياته أيضًا.

هكذا يفقد هانى محفوظ صلاته الحقيقية بالواقع وبالآخرين، فيشعر بأنه أصبح يشبه آلة تقوم بنشاطاتها بطريقة ميكانيكية مملة ورتيبة فى معظم الأحيان، ثم تتسع حالة الإدراك للذات هذه فتتحول أيضًا إلى حالة من الشعور باختلال الواقع Derealization، فتبدو البيئة بالنسبة إليه غريبة غير واقعيه ومُفكَّكة ومُختلَّة والمجتمع خالٍ من كل معنى حميم، مع نزوع ما نحو الاكتئاب والانسحاب من الواقع، وكذلك اختلالات فى التفكير والوجدان والسلوك، وإحساس دائم بحضور شخص ما، أو شىء ما، معه يصاحبه فى حله وترحاله، فى يومه وليله، كما كان حال العنكبوت فى هذه الرواية.

أحيانًا، ما يتم، خلال الأساطير، تمثيل الجانب المرعب من رمز الأم العظيمة (الأرض أو الحياة، أو الحياة على الأرض) من خلال عنكبوت ضخم، لكن هذا العنكبوت الضخم، هذا النسَّاج الضخم هو أيضًا خالق كبير، مبدع كبير يغزل خيوط الحياة، يستخرجها من الموت، الموت الموجود فى شرنقة الحياة، وهذه الخيوط ليست مستمدة من الخارج أو مُستعارة من مصدر بعيد عنه، بل من داخله هو، من حياته هو، من نشاطه هو، ومن ثم فإنه يقوم بتشكيل هذه الخيوط وصياغتها كى تُمثِّل نظامًا للعالم، وانه لعالم ملىء بالحيرة والشك وفقدان اليقين كما قلنا، ملىء بالصدمات والانكسارات والجروح، كما قلنا أيضًا، لكن ومن داخله أيضًا تخرج خيوط خاصة بالكتابة والحياة، هكذا تبدو خيوط الكتابة وكأنها تشع من داخل ذات موجودة فى مركز العنكبوت، وإنها لذات مُفكَّكة هشة هامشية وحدِّيَّة أيضًا Borderline Personality حيث توجد الشخصية هنا داخل منطقة حدود متوترة ما بين الواقع والخيال، والحقيقة والحلم، والعتمة والمرض؛ لكنها ذات تحاول أيضًا أن تكون خيوطها، أى كتابتها وسيلة للحرية وإضفاء المعنى على هذه الحياة بكل ما يعتمل فيها من شر وامتهان وعذاب.

كثيرًا ما كان هانى محفوظ يتصور نفسه وكأنه مُمثِّل يؤدى دورًا فى الحياة، أحيانًا ما سيطرت عليه أحلام يقظة ورغبات وتوهمات سرعان ما كان يعود من خلالها إلى الواقع والحياة، أحيانًا ما كان يرى العالم أشبه بمجموعة من الصور واللوحات، أو أنه كان ينظر إليه من خلال سطوح عاكسة ومرايا، وكثيرًا ما قد تصبح الحدود لديه غير متمايزة، حيث يتداخل العالمان النقيضان (الواقع والحلم مثلا) وتنهار الحدود بينهما، لتصبح أشبه بخيوط العنكبوت، وتكون هذه الحدود فى الحياة أشبه بوسيلة دفاعية وتكيُّفيَّة، لكن هذه الشخصية سرعان ما تفقد أيضًا حدودها الدفاعية، فتبحث عن بدائل لها من خلال الآخرين، أو الأحلام، أو الكتابة، أو الإنشاء لمخططات وأطر معرفية جديدة موجودة على حدود التهويمات والهلاوس والهذاءات.

بعد خروجه من السجن عجز عن الكلام وكذلك عن البكاء، فقد الرغبة فى كل شيء، وبعد موت أمه شعر بأن أعضاء جسده قد انفصلت عنه، وتفاقمت لديه حالة الشعور باختلال الذات واختلال الواقع «بعد موتها، ظللتُ أجرجر جسدى وأجبره على الحياة، فيستحم، ويأكل ويشرب، ويذهب إلى العمل والمشاوير ارتجل فقط، ملفقًا حياة بلا مذاق».

ظل هانى محفوظ يحلم أحلامًا كثيرة بعضها يتعلق بجده، أو بأمه، أو بذاته أو بآخرين، وفى حلم يرد فى بداية الراوية يرى جده الذى اعتقد أنه قد قتله، وهو ابن ست سنوات، لكنه حين يراه فى الحلم يراه يوقظه ويُقبِّله «ويمس شعري، قبل أن يفتح النافذة ويخرج منها ويصعد للأعلى، حتى يختفى طرف جلبابه المخطَّط وقدماه الحافيتان فى ظلام الشارع. هذا حلم يتعلق بالطيران، طيران جده أو تحليقه أو موته إنه حلم يتعلق بالحياة والموت والحواس الحاضرة عبر الرواية على أنحاء شتى، وهو حلم يُذكِّرنا «على نحو ما» بحلم دافنشى عندما كان يكتب مقالا عن «طيران النسور» ثم توقف فجأة ليحكى حادثة جرت له فى طفولته فقال «يبدو أنه قد قُدِّر عليَّ أن اهتم بالنسور، لأننى أتذكر واحدة من ذكرياتى المبكِّرة جدًا، فبينما كنتُ فى مهدى هبط نسرُ عليَّ وفتح فمى بذيله ثم لطمنى به عدة مرات على شفتي».

وطبعًا فرويد فسَّر الحُلم على أنه مرتبط برمزية النسر أو الصقر فى الميثولوجيا المصرية القديمة، وكذلك ارتباط الطيران بالجنس عامة، أو المثلية الجنسية خاصة، وهو التفسير الذى رفضه يُونج عندما ربط بين أحلام الطيران والطموح والإبداع وكذلك فعل جاستون باشلار. وفى حلم آخر يجىء قرب نهاية الرواية يتخيل نفسه، بعد أن تجاوز الأربعين من عمره وكأنه طفل حديث الولادة، رضيع يحتفلون بمناسبة سبوعه وقد كان موجودًا خلال الحلم وسط نساء يحتفلن بهذه المناسبة ويتصايحن نحوه قائلات بأن يسمع كلام أمه ولا يسمع كلام أبيه، وكانت هناك أربطة كثيرة ملتفة حوله كأنها ضمادات للجروح وكأنها أيضًا كفن، إنها أنسجة عنكبوت أخرى لكنها فى شكل أقمشة بيضاء خفيفة للغاية، لكنها كانت بالنسبة إليه أيضًا تُشبه الكفن الصغير، هكذا يقول عن حلمه هذا إنه قد أصابه الذعر، فراح يفتش داخل هذه الأقمشة الملفوفة أو القماطات بجنون لكن «كلما فككت قماطًا ظهر من تحته المزيد من الأقمطة الأصغر، كأنها تتوالد من بعضها بعضًا، لا شيء بداخلها، صار هذا مُؤكَّدًا، ولن أصل أبدًا إلى النواة الصغيرة الخفية التى يحمونها بكل تلك الأقمشة واللفافات، أردتُ أن أصرخ فى النساء المحتفِلات، مُعلِنًا الحقيقة، أنه لا يوجد شىء فى هذا المنخل إلا الهلاهيل، وأننى هنا بينهن رجل تجاوز الأربعين، وأن هذا ليس «سبوعي»، وأن أمى لم تلد طفلا غيري، لكن صوتى خاننى من جديد.

ترمز هذه الأغطية واللفافات إلى تلك الحماية الزائدة التى أدت إلى ذلك التدمير المتواصل للذات وترمز أيضًا إلى شبكة العنكبوت التى وقع هانى محفوظ فى حبائلها وكذلك إلى غرفة العنكبوت التى كانت جدرانها تطبق عليه شيئًا فشيئا وأيضًا إلى طبقات الصمت الزاحفة على وعيه ووجدانه والتى أصابته فى النهاية بما يشبه الخرس لكنه كان يحاول دائمًا أن يقلب الصمت إلى كلام وأن يحوِّل خيوط العنكبوت إلى سرد وكتابة جميلة وكأنه هنا أشبه بمريض فرويد الذى قال عنه «إنه إذا صمت بلسانه، ثرثر بأصابعه».

وهكذا ما بين حُلم طيران الجد أو صعوده إلى أعلى أو موته، وبين حُلم هانى محفوظ بأنه قد تحول إلى وهم أو سراب أو ميت أو خيوط عنكبوت أو شخصية منقسمة موجودة بين طفولتها ورشدها، موجود بين أقمشة ملتفة تشبه خيوط العنكبوت كلما فك منها قماطًا وجد قماطًا آخر، استمرت حياته وتطورت عبر هذه الرواية وخارج غرفة العنكبوت.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 833 الثلاثاء 21 يونيو 2016