أوضاع العلماء بعد السيطرة العثمانية بقلم: د.خالد زيادة   كانت آثار السيطرة العثمانية على البلاد العربية كبيرة وكثيرة ومن بينها الترتيبات التى اتُخذت بخصوص المحاكم الشرعية، الأمر الذى أثار مخاوف

version4_35774123

أوضاع العلماء بعد السيطرة العثمانية

بقلم:

د.خالد زيادة

 

كانت آثار السيطرة العثمانية على البلاد العربية كبيرة وكثيرة ومن بينها الترتيبات التى اتُخذت بخصوص المحاكم الشرعية، الأمر الذى أثار مخاوف العلماء من تقليص نفوذهم.
وهذا ما نقرؤه لدى المؤرخ ابن طولون فى كتابه”مفاكهة الخلان”، وما ذكره ابن إياس فى “ بدائع الزهور”.
جاءت الترتيبات سريعًا لتؤكد توجّس العلماء وخشيتهم. وقد قضى الترتيب الأول بتقليص عدد أفراد الجهاز الشرعي، فحُصر عدد شهود مدينة دمشق بثمانية. وخفض من مؤذنى الجامع الأموى حوالى الثلاثين. ووضع الحكام أيديهم على الأوقاف، وقصدوا من ذلك أذى الناس حسب ابن طولون.
وأبطل العثمانيون العمل بنظام القضاة على المذاهب الأربعة، فعيّنوا من طرفهم فى دمشق القاضى على بن الفنارى الحنفي، وعيّن له نوابًا من قضاة المذاهب الأخرى. وعلى هذا النحو، تقدم الأحناف على الشوافع وسائر أتباع المذاهب. وكادت الفتنة تقع فى الجامع الأموى بسبب الخلاف بين الأروام، أى الأتراك، الذين هم على المذهب الحنفى عادة، وبعض الشافعية. وتبعًا لذلك، فإن بعض التقاليد التى درج عليها العلماء فى مصر وبلاد الشام، أخذت تتبدل بسبب تقدم الأحناف على الشوافع.
وقد شاع أن القاضى ولى الدين بن الفرفور قد تحول إلى المذهب الحنفي، وأنه صلى صلاة العيد على قاعدة مذهب الحنفية، من سرعة الهبوط فى القومة فى الركوع والقومة فى السجود. وقد وصلت أخبار القاضى الشهير ابن الفرفور إلى القاهرة. إلا أن انتقاله إلى مذهب الحنفية بقى غير مؤكد.
والواقع أنه عاش محنة فراره من دمشق وسُجن حتى وفاته. إلا أن بعض حفدته من العلماء انتقلوا فعلا إلى مذهب الحنفية، حسب ما يخبرنا نجم الدين الغزّى الذى يترجم لهم فى مصنفيه:” الكواكب السائرة فى أعيان المائة العاشرة” و“لطف السمر وقطف الثمر”.
بدت القاهرة وكأنها بمنأى عمّا حدث فى دمشق، فقد احتفظ قضاة القضاة على المذاهب الأربعة بمناصبهم، واستمروا فى ممارسة عاداتهم التى درجوا عليها، كالصعود عند مطلع كل شهر إلى القلعة لتهنئة ملك الأمراء، بيد أن المراسم القديمة استطاعت أن تصمد فى مصر- القاهرة لعدة سنوات، فقد احتفظ القضاة بالشهود والوكلاء. وفى فترة الانتقال التى امتدت سنوات تولية خاير بيك لمصر، برزت قوة جديدة إلى المسرح واكتسبت نفوذًا خاطفًا، يلاحظ ابن إياس المنعة التى حصل عليها الخليفة العباسى المتوكل:
“فصار هو صاحب الحلّ والعقد والأمر النهي، وكانت رسالته ماشية فى القاهرة لا تُرد”.
وكذلك، فإن المباشرين المولجين بوظائف الإدارة احتفظوا بوظائفهم، واستعانوا بحرّاس من الجند العثماني. كان هؤلاء المباشرون ينحدرون من بيئة العلماء ويتسلمون مناصب الإدارة. ويلاحظ ابن إياس أن سنة 924هـ/1518م، كانت سنة مباركة على المباشرين الذين بمصر، وصاروا هم الملوك يتصرفون فى المملكة بما يختارونه من الأمور، ولا سيما ما فعلوه من جهات الشرقية والغربية. فوضعوا أيديهم على رزق الناس، ثم استدرجوا إلى أخذ أموال الأوقاف، وصار ليس على يدهم يد يفعلون ما يشاءون على هذا النمط.
إلا أن الأمور لم تستمر على هذا المنوال، فكانت الصدمة الأولى نقل الخليفة العباسى من القاهرة إلى استانبول، فكان ذلك من الحوادث المهولة، حسب تعبير ابن إياس. وكانت الأخبار ترد من دمشق أولا بأول: وأشيع ألا يحكم بالشام غير قاضى القضاة الحنفى كما هى العادة فى استانبول. وسرعان ما يستنتج ابن إياس: إن شوكة الشرع قد ضعفت.
كان ابن إياس، على الرغم من الإشارات التى يوردها، أقل تنبهًا إلى الانعطاف الذى أحدثه تغلّب العثمانيين على المماليك، من هنا محاولته إدخال الحدث فى سياق تاريخى طويل، جاعلا من تملك السلطان سليم لمصر مجرد انتصار عاهل على آخر:
“ فالسلطان سليم ثالث ملوك الروم «الأتراك»، بعد خشقدم وتمريغا”.
مستعيدًا بذلك ذكر سلاطين المماليك الذين هم من أصل تركي، فهل يتعلق الأمر بالتباس، أو أن المؤرخ ينشد استمرارية وتواصلا؟ إن جميع الالتباسات التى يعلوها تعاون طرف من المماليك مع العثمانيين ستزول حين يقرر ابن إياس الواقع الذى انطوت عليه المقتلة:
“ومن العجائب أن مصر صارت نيابة بعد أن كان سلطان مصر أعظم السلاطين”.
بعد حالة من الترقب، أخذ نفوذ العلماء فى مصر ينحدر بشكل سريع وثابت. ففى الوقت الذى كان فيه القضاة يحتفظون فيه بوظائفهم، عيّن العثمانيون شخصًا صار يجلس على باب المدرسة الصالحية يسمونه المحضر، وحوله جماعة من الانكشارية. فكان لا يُعرض امر من الأحكام الشرعية، حتى يُعرض عليه. ويذكر لنا ابن إياس فى عبارات متلاحقة فى صفحات الجزء الأخير من تاريخه، كيف كان يتم إبطال العادات القديمة التى كانت تعلن ما للعلماء من نفوذ وهيبة:
“بُطل ما كان يُعمل فى يوم العيد من تلك المواكب الجليلة والمثمرات والتشاريف السنية، بطل ما كان يخلع فى ذلك اليوم من الخلع على قضاة القضاة والأمراء والمباشرين وأرباب الوظائف قاطبة، وزال ذلك النظام العظيم فى مصر كأنه لم يكن أبدًا”.
إن النظام الراسخ الذى درج عليه العلماء كان يشهد لحظة تصدّعه. وقبل أن يعّين السلطان سليمان قضاة أتراكًا فى مصر، كان العثمانيون قد طلبوا عبر أمير الأمراء خايربيك، وفى مجال تنظيم الأحكام الشرعية، ألا يزيد عدد نواب القاضى عن سبعة، وأن يختصّ كل نائب بشاهدين فقط. وقد أدرك العلماء مدى ما ترمى إليه هذه الإجراءات من وضع حدٍ لنفوذهم ويذكر ابن إياس:
“لما سمع الناس ذلك اضطربت أحوالهم غاية الاضطراب ولا سيما نواب القضاة والشهود، وحصل لهم الضرر الشامل، وصارت المدرسة الصالحية ليس يلوح بها قاضٍ ولا شاهد معمّم، بعدما كانت قلعة العلماء”.
إن ألفاظ المؤرخ لا تدع مجالا للشك حول إدراك العلماء لما آل إليه وضعهم. ولم تنفع شكواهم إلى ملك الأمراء خاير بيك قبل وفاته بقليل، وقد عرف هو الآخر انعدام سلطته:
“ايش كنت أنا؟ الخوندكار رسم بهذا، وقال امشوا على أليسق العثماني”.
ولم يستطع العلماء تنفيذ تهديدهم بإغلاق المساجد والجوامع.
مع الإجراء الذى نصّ على تعيين القسام، أى قاضى العسكر، الذى أصبح المرجع فى الشئون الشرعية، تم التضييق الأخير على علماء مصر، فصار يتصرف بالأحكام عن المذاهب الأربعة، وجعل لنفسه نوابًا من العثمانية، وجعل لهم معاونين من قضاة مصر، وأمر بإبطال نظام النواب والشهود فى كل مصر. فى الوقت نفسه، أحكم العثمانيون قبضتهم على شئون الأوقاف وعائدات المدارس. وعند تعيين أول ولاة مصر من العثمانيين بدا نظام العلماء وكأنه يتهاوى، فلم يستقبل الوالى قضاة مصر، ولم يعدّهم من البشر. ورفض استقبال المباشرين وأحالهم على الدفتردار. وأبطل ج?يع نظام القلعة الذى كانت عليه قديمًا. وحسب ابن إياس، “فإن مصر صارت لا يعرف لها نظام”.
خالد زيادة

………………..
النص من كتاب:”الكاتب والسلطان”
عن الدار المصرية اللبنانية