نظرية العصر الجاهلى فى تفسير تاريخ مصر فى العصر العثماني فتح أم غزو: هذه هى المشكلة   بقلم : د. عماد هلال   العصر الجاهلى ليس هو ذلك العصر الذى

%d9%85%d8%b5%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%ab%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-750x422

نظرية العصر الجاهلى فى تفسير تاريخ مصر فى العصر العثماني
فتح أم غزو: هذه هى المشكلة

 

بقلم :
د. عماد هلال

 

العصر الجاهلى ليس هو ذلك العصر الذى سبق ظهور الإسلام وعَبَدَ العربُ فيه الأصنامَ، إنما هو ذلك العصر الذى يسبق أى عصر آخر، أو أية أسرة حاكمة، أو أى حاكم، كلهم يزعم أنه عصر التنوير والتحديث وأن العصر أو الحاكم الذى كان قبله هو العصر الجاهلي، وقد تمَّثل ذلك بوضوحٍ فى تاريخ مصر الحديث، فعندما غزا الفرنسيون مصر زعموا أنهم مَن بدأ التحديث والتنوير والعدل، وأن العصر العثمانى الذى كان قبلهم كان عصر تدهور وانحطاط وخوزقة وظلم وفساد، فلما أقام محمد على دولته أكد على ذلك، ولما احتل الإنجليز مصر زعموا أنهم من بنى مصر ا?حديثة، وصوَّر اللورد كرومر ملامح تلك الدولة الحديثة الوهمية فى كتابه Modern Egypt وأكد على أن ما كان قبل الإنجليز ليس إلا عصور سُخْرةٍ وكرباج وفقرٍ وأُميَّةٍ. وعندما قامت ثورة يوليو سنة 1952 أكدت على أنها التى بدأت بناء مصر الحديثة، وأن “العصر البائد” هو العصر الجاهلى بحق.
وفى كل الحالات كان العصر العثمانى قاسمًا مشتركًا فى كل تلك العصور الجاهلية المزعومة. وبالأمس كانت ذكرى مرور خمسمائة عام على دخول العثمانيين إلى مصر، ومرَّت علينا مرور الكرام، ولم يزد الأمر على مقالةٍ هنا وحديثٍ تليفزيونى هناك، بينما الدولة وأجهزتها المعنية بالتاريخ والثقافة والآثار فى سُباتٍ عميق، وكأنهم لا يعلمون أن العصر العثمانى يمثل نحو ثلثى تاريخ مصر الحديث زمنيًا. والحقيقة أن هذا التجاهل يبدو متعمدًا فثلاثة قرون طويلة حافلة نختصرها فى كتاب تاريخ مصر الحديث للثانوية العامة فى صفحةٍ ونصف تحت عنوان “مصر?قبيل الحملة الفرنسية”، لا حديث فيها إلا عن تدهور الزراعة والصناعة والتجارة، وفساد العملة، ومظالم الملتزمين؛ بينما الاحتلال الفرنسى الذى دام ثلاث سنواتٍ فقط خُرِّبت فيها مصر وهُدِّمت فيها أحياءٌ كاملة كحى بولاق مثلًا، نُفْرِدُ له عشر صفحاتٍ كاملاتٍ تحت عنوان “الحملة الفرنسية على مصر والشام” لا حديث فيها إلا عن تقدم أوروبا وتخلف مصر، وإصلاحات وهمية لنابليون، ومشروع مينو العظيم الذى كان مجرد حبرٍ على ورق، وعدالة مزعومة حَكمت على سليمان الحلبى بأبشع ما يتخيله العقل من عقوباتٍ بربرية: حرق يده ثم خوزقته ثم ترك ج?ته على الخازوق تأكلها جوارح الطير ثم عرض جمجمته فى متحف الحيوانات إلى اليوم.
والحقيقة أنه عندما سيطر العثمانيون على مصر لم ينظر المصريون إليهم على أنهم غزاة أو محتلون، فلم يختلفوا كثيرًا عن المماليك الذين كانوا يحكمونهم قبلًا لا من حيث الشكل ولا من حيث أسلوب الحكم، ولا تُسجِّل المصادر التاريخية أية ثورة مصرية ضد العثمانيين طوال ثلاثمائة سنة، وعندما ثار المصريون على الوالى خورشيد باشا لم يفكروا فى أن يخلعوا ربقة الدولة العثمانية، أو يتمردوا على السلطان الذى اعتبروه خليفة المسلمين؛ إنما ثاروا على الوالى الظالم، فاستبدلوه بوالٍ آخر هو محمد على باشا، وحتى محمد على عندما تمرد على السلطا? لم يجرؤ على إنكار تبعيته للدولة العثمانية أو ادعاء الاستقلال التام عنها؛ وإلا كان المصريون أول من يثور عليه. لقد ظل المصريون ينظرون باحترام وتقدير إلى الدولة العثمانية إلى اليوم الذى سقطت فيه سنة 1922م، وكان أبرز مَن مثل تلك النظرة الزعيم مصطفى كامل ومن بعده الزعيم محمد فريد، ولكن تيار القومية العربية الصاعد، منذ الثورة العربية سنة 1916م، ثم تَبَنِّى مصر لهذا التيار فى أربعينيات القرن الماضى وتَزَعُّم مصطفى النحاس له أتى بنتائج سلبية على النظرة إلى العصر العثماني، وأهمل المؤرخون المصريون ذلك العصر إهمالًا?يصل إلى حد الجريمة الأكاديمية، فكل ما كتبه أحمد فتحى زغلول وجرجى زيدان وشفيق غربال وصبرى السوربونى وأحمد عزت عبد الكريم ومحمد أنيس عن ذلك العصر ليس إلا شتائم، وهم فى الحقيقة لما كتبوا ما كتبوه لم يرجعوا إلى المصادر الأصلية، بل مجرد ترديد لأقوال المستشرقين والحكام أصحاب نظرية العصر الجاهلي.
وربما كانت البداية الحقيقية لكتابة تاريخ العصر العثمانى عندما كتب محمد أنيس مقالة مهمة عن “مدرسة التاريخ المصرى فى العصر العثماني” لفت فيها الأنظار إلى عشرات الكتب المهمة التى ألفها مؤرخون معاصرون، وكان أحمد عزت عبد الكريم أول من انتبه إلى هذا الخطأ الفاحش ولكن بعد فوات الأوان وتقدم السن، ولم يكن أمامه إلا توجيه بعض من تلاميذه لدراسة هذا العصر، فكانت النتيجة أن بدأت تتشكل منذ سبعينيات القرن الماضى ملامح مدرسة مصرية خاصة بالدراسات العثمانية، أكدت أن العصر العثمانى لم يكن عصر جهل وتخلف، ونمت هذه المدرسة وأصب?ت الآن تضم عشرات المؤرخين الأمريكيين والأوربيين والمصريين أذكر منهم على سبيل المثال: بيتر جران، وأندريه ريمون، ودانيال كريسليوس، ورؤوف عباس، وليلى عبد اللطيف، ونيللى حنا، وعبد الرحيم عبد الرحمن، وصلاح هريدي، ومحمد عفيفي، وتلاميذهم ومن سار على نهجهم، أنتجوا مئات الكتب والأبحاث عن العصر العثماني، وأظهروا جوانب كانت مجهولة أو متجاهلة من تاريخ مصر فى تلك الحقبة الطويلة، فثمة دراسات عن شبكات تجارية واسعة ممتدة من الهند شرقًا إلى نابلى ومرسيليا وبلاد المغرب الأقصى غربا، ودراسات أخرى عن طوائف الحرف وتنظيم الصناعا?، وثالثة عن الحياة العلمية والمؤسسات التعليمية والمصنفات الضخمة مثل معجم “تاج العروس” وغيره، ودراسات ليست أخيرة عن الصحة والأمراض والأوبئة وطرق مكافحتها، والزراعة والرى والجسور والسدود والضرائب والالتزام وغير ذلك.
هل يمكن أن يذكر كتاب التاريخ للثانوية العامة حقيقة أن مصر قبل الاحتلال الفرنسى كانت تشهد تَشَكُّل مشروعٍ حضارى كبير، ونمو شبكات تجارية واسعة، وتشكل طبقة رأسمالية كبيرة، وأن الاحتلال الفرنسى جاء فأجهض هذا المشروع وأعاد مصر مائة عام إلى الوراء؟ إن كتاب التاريخ الذى يردد مقولة ان السلطان سليم أخذ من مصر مئات الصناع والحرفيين والعلماء وأرسلهم إلى إسلامبول، حتى تعطلت فى مصر نحو خمسين حرفة، يتجاهل حقيقة أن هؤلاء عادوا إلى مصر فى غضون عام أو عامين، ويحمل كتاب التاريخ للثانوية العامة الدولة العثمانية مسؤولية تخلف ?صر وعدم قيام ثورة صناعية بها فى وقت لم تكن الثورة الصناعية قد قامت فى أوروبا أساسًا. ويبدو أننا على أبواب مرحلةٍ جديدة من التجاهل لهذه الحقبة الطويلة والمهمة من تاريخ مصر لا لشيءٍ إلا لسوء علاقات مصر الآن مع تركيا الأردوغانية، وكأن كتابة التاريخ يجب أن تتأثر بالواقع السياسى وتخدم عليه!
لقد كانت أولى مراحل كتابة التاريخ المنحاز مواكبة لدخول العثمانيين مصر، وتمثل ذلك بوضوح فى كتاب ابن إياس الشهير “بدائع الزهور فى وقائع الدهور” الذى نال تقديرًا كبيرًا من المؤرخين بصفته الشاهد الوحيد لأحداث دخول العثمانيين مصر، وتجاهل هؤلاء حقيقة أن ابن إياس هو حفيد أحد كبار أمراء المماليك، وكان من الطبيعى أن يتأسف على سقوط دولتهم ويبكى على أطلالها بكاءً مرًّا، فصور دخول العثمانيين إلى المحروسة على أنه أشنع من دخول المغول بغداد، ودخول بختنصر مصر، فروَّج كثيرًا من الإشعاعات عن العثمانيين منها ادعاؤه بارتكابهم?مذابح وجرائم مهولة، ومنها ادعاؤه بأنهم يشربون الخمور ولا يصلون فى المساجد وأنهم اعتادوا النهب والسلب… إلخ. والحقيقة أن ما ذكره ابن إياس عن العثمانيين بتشنيع وتهويل قد ذكره هو نفسه عن المماليك بدون تشنيع ولا تهويل، فكتابه مليء بذكر مظالم المماليك، وبالرغم من أنه ذكر أن سليم الأول لا يصلى إلا أنه ذكر على استحياء أنه لما دخل حلب توجه إلى المسجد وصلى الجمعة فيه، وكذلك فعل فى دمشق وفى القاهرة، بينما تحدث عن قنصوه الغورى أثناء خروجه للشام فذكر أنه لم يخرج لصلاة الجمعة لا فى دمشق لما وصلها، ولا فى حلب لما حط رح?له فيها، ويذكر أنهم عابوا عليه ذلك. وبعد هزيمة الغورى ومقتله لا يرصد إلا أن العثمانية داسوا المصاحف التى كانت حول السلطان الغوري، مع أنه لم يكن فى حلب، وكل كلامه عن أحداث الشام يبدأها بكلمات من نوعية: وأُشيع أن، وقيل إن، وزعموا.. إلخ، فيدَّعى مثلًا أن سليمًا قال: إذا دخلت مصر أحرق بيوتها قاطبة وألعب فى أهلها بالسيف. وهو قول لا يقوله سلطان عاقل يأمل فى أن يستسلم الناس له بدون قتال، ولو قاله لفعله، ولكنه لم يقل ولم يفعل.
يتحدث ابن إياس عن مصادرات المماليك كأنه أمر طبيعي، وكيف أن الغورى لما عزم على الخروج إلى الشام جمع أموالًا لا حصر من المصادرات والضرائب والمغارم، ولا يجد غضاضة فى ذكر ذلك، ولكنه يستغرب ما استولى عليه سليم من خزائن حلب نحو مائة ألف ألف دينار غير الجواهر والفصوص والسيوف المذهبة. ثم يتباكى على أن طومان باى لما تسلطن فى القاهرة استعرض الخزائن فوجدها فارغة لا درهم فيها ولا دينار، وهذا أمر طبيعى لأن الغورى أخذ معه كل شيء، ثم يدعى بعد ذلك أن سليمًا نهب من مصر ما حمولته ألف جمل من الأموال والذهب والفضة، فيقول: “أش?ع أن ابن عثمان خرج من مصر وبصبحته ألف جمل محملة ما بين ذهب وفضة”، وقد أخذ كل من أراد تشويه العصر العثمانى هذه العبارة بدون فحص ولا تدقيق ولا التأمل فى قوله سابقًا أن طومان باى لما تسلطن كانت مصر خاوية على عروشها، ولا النظر حتى إلى كلمة “أشيع” التى تتصدر عبارته.
لقد تعامل ابن إياس مع العثمانيين على أنهم قوم همج، ورائحتهم نتنة، فيقول عن السلطان سليم: “لم يكن له نظام يُعرف لا هو ولا وزراؤه ولا أمراؤه ولا عسكره، بل كانوا همجًا لا يُعرف الغلام من الأستاذ، ولما أقام ابن عثمان فى القلعة ربط الخيول من الحوش إلى باب الجامع، وصار زبل الخيل هناك بالكيمان على الأرض”. ويصف عسكره بأنهم “كانوا جيعانين العين نفسهم قذرة يأكلون الأكل وهم راكبون على خيولهم فى الأسواق وعندم عفاشة فى أنفسهم” هذه النظرة العنصرية فى الحقيقة كانت هى سبب هزيمة المماليك وسقوط دولتهم، فلآخر لحظة كان الممال?ك يعتقدون أنهم سوف يلقون بالعثمانيين فى البحر بالضبط كما كان جمال عبد الناصر يظن فى اليهود قبل سنة 1967. ولست أدرى كيف قبل ابن إياس أن يعيش بالقاهرة ست سنوات تحت حكم هؤلاء الهمج، وكيف سمحوا له بكتابة تاريخه هذا الذى يصفهم فيه بأقبح الصفات، ويسبهم بأفحش السباب؟
إن الذين ساروا على نهج ابن إياس الآن يتجاهلون حقيقة تغير الزمان واختلاف الظروف والأسباب، فمن ناحية ينكرون فضل العثمانيين فى حماية المنطقة العربية من الأطماع البرتغالية فى البحر الأحمر والخليج العربي، والإسبانية فى شمال افريقيا، ومن ناحية يقفزون أربعمائة عام ليحملوا العثمانيين مسؤولية احتلال الإنجليز والفرنسيين للبلاد العربية بعد الثورة العربية سنة 1916 متناسين أن العرب هم من تحالف مع قوى الاستعمار. إن هناك إجماعا بين مؤرخى العصر المملوكى على أن دولة المماليك كانت قد سقطت داخليًا قبل أن يغزوها العثمانيون، و?ن مظاهر التدهور كانت بادية فى كل مجالات الحياة، وأن سقوطها كان مؤكدًا، ولو لم يغزوها العثمانيون لغزاها الصفويون أو البرتغاليون.
إن اختصار التاريخ العثمانى الطويل فى مجرد مناقشة كلمتى “فتح أم غزو” لهو عبث يثيره قوم أرادوا أن يقتطعوا من تاريخ مصر أربعة قرون حافلة، فالدلالة اللغوية والاصطلاحية للكلمتين واضحة تمامًا، فالفتح هو دخول قوات غازية لبلد والسيطرة عليها والاستقرار فيها، أما الغزو فهو الهجمات السريعة أو الغارات التى لا تؤدى إلى النصر النهائى والاستقرار، ولذلك يقولون غزوة بدر وغزوة أحد، ولا يقولون غزوة مكة أو غزوة خيبر، بل يقولون: فتح مكة وفتح خيبر وفتح الشام وفتح مصر.
وحيث فتح العثمانيون مصر واستقروا فيها وسيطروا على مقدراتها لأربعة قرون فلا يمكن توصيفها بأنها كانت غارة، وأما توصيف هذه القرون بأنها “استعمار” فهو مغالطة أخرى تقول نيللى حنا إنه لا يمكن اعتبار الدولة العثمانية دولة استعمارية لثلاثة أسباب: الأول عدم سعيها لفرض اللغة التركية على المصريين، والثانى عدم سعيها لتغيير نمط النشاط الاقتصادى كما فعل الإنجليز مثلًا فى مصر عندما حولوها إلى مزرعة للقطن تمد مصانع النسيج البريطانية بما تحتاجه من خامات، والسبب الأخير هو أنها أوجدت حالة من التعايش بين الأديان حتى قلت حوادث?الفتن الطائفية بدرجة كبيرة، بينما عمل الاستعمار على إشعال نار الفتنة الطائفية كما هو معلوم. لذلك فإن استخدام كلمة “محتل” هو وصف غير دقيق. وبالرغم من تجاهل كتاب الثانوية العامة للعصر العثمانى إلا أن أحد مؤلفيه وهو الدكتور عاصم الدسوقى يرى أنه من الأفضل استخدام كلمة “دخول” لوصف دخول العثمانيين إلى مصر. فهل آن الأوان لنعيد النظر فى العصر العثماني، ونشجع دراسته أكاديميًّا أم سنظل نسير فى تيار التجاهل خمسمائة عام أخرى؟