العثمانيون والشرعية «العملية»   بقلم: د. مجدى جرجس   تشكلت ملامح نظام الحكم فى الدولة الإسلامية فى عصر النبى محمد. ومثل عصر الخلفاء حجر الأساس فى هذه المنظومة، حيث يحكم الخلفاء

7cfd442e-f6f9-4a18-978d-f5433162f52f_16x9_600x338

العثمانيون والشرعية «العملية»

 

بقلم: د. مجدى جرجس

 

تشكلت ملامح نظام الحكم فى الدولة الإسلامية فى عصر النبى محمد. ومثل عصر الخلفاء حجر الأساس فى هذه المنظومة، حيث يحكم الخلفاء دون وحى منزل، ووفق آليات مختلفة، وصار منصب الخليفة يمثل عصب ومركز النظام السياسى الإسلامى؛ فهو المصدر الوحيد للسلطات، وهو الذى يضفى الشرعية على كل المناصب والوظائف الأخرى. وسار الأمر على هذا النحو بدءًا من عصر الخلفاء الراشدين؛ حيث تركزت كل السلطات بيد الخليفة، فكان هو المعنى فقط بتعيين الولاة والحكام وعمال الخراج والقضاة وقادة الجيوش.. إلخ. ومن ثم لا تصح أى ولاية دون موافقة الخليفة. ?سار خلفاء بنى أمية وبنى العباس على هذا النهج، مع تعديلات طفيفة استلزمها اتساع رقعة الدولة الإسلامية وترامى أطرافها، وتعقيد النظم الإدارية والسياسية. واستمر الأمر على هذه الحال إلى أن دب الضعف فى أوصال الخلافة العباسية فى منتصف القرن التاسع الميلادى، وصار الضباط الترك هم المسيرون لأمور الخلافة، وتسحبت السلطة بالتدريج من أيدى الخلفاء إلى مراكز قوى أخرى داخل الدولة العباسية، وجُرد الخليفة من معظم سلطاته الفعلية. وبالرغم من ذلك، كان وجود الخليفة ضروريا لإضفاء الشرعية على شكل ونظام الحكم، وظل –أسميا- المصدر الو?يد للشرعية، ولا تصح أى ولاية دون موافقته. ونشأت دويلات وأسر حاكمة عديدة سيطرت على كل أجزاء الدولة العباسية، فى وجود الخليفة ببغداد، بل وصل الأمر إلى ان إحدى الدويلات كانت تسيطر على بغداد نفسها. إلا أن جميع حكام الأقاليم ومؤسسى هذه الدويلات حرصوا على الإبقاء على منصب الخليفة، كرمز للسلطة، ومصدر لشرعية أى حاكم. وصار هذا هو التقليد المعول عليه فى نظام الحكم فى الدولة الإسلامية.
تطور الأمر فى العصر المملوكى؛ فبعد سقوط بغداد فى أيدى المغول عام 1258م، وقتل معظم أفراد البيت العباسى، أُسقط فى يد الحكام الجدد؛ إذ واجه المماليك مأزقين: الأول هو كيفية تبرير حكمهم وهم مماليك «غير أحرار»، ثانيا من يوفر الشرعية لحكمهم؟ حسموا المشكلة الأولى بالحصول على صكوك حرية. وظلت المشكلة الثانية قائمة، وهى عدم وجود خلافة! لذلك كان حرص المماليك على إحياء الخلافة العباسية بالقاهرة. وبالفعل تولى أحد أمراء البيت العباسى مقاليد الخلافة بالقاهرة عام 1262م، ولكن تحت رعاية كاملة من السلاطين المماليك، واقتصر دور?الخليفة على تفويض السلاطين المماليك تفويضا كاملا فى إدارة أمور البلاد والعباد، وصار منصب الخليفة منصبا شرفيا، دون أى سلطة حقيقية، واقتصر وجوده على الاحتفالات العامة والمراسم البروتوكولية. ولكن ظل وجوده ضروريا لإضفاء الشرعية على نظام حكم المماليك! واستمر ذلك إلى نهاية دولة المماليك عام 1517م. فبالرغم من شكلية ورمزية منصب الخليفة، إلا أنه لا يتصور اختفائه عن المشهد إذا أردنا أن نصف الحكم القائم بأنه «إسلامى».
ماذا حدث مع العثمانيين؟
أسس العثمانيون حكمهم فى آسيا بعيدا عن مركز الخلافة الإسلامية، وأعلنوا قيام دولة إسلامية سنية، دون أن يهتموا بالحصول على شرعية لدولتهم من الخليفة العباسى، تلك الشرعية التى درج الحكام المسلمون على السعى إليها. توسع العثمانيون فى مناطق عديدة وصولا إلى عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، القسطنطينية. ومنذ ذلك الحين سطع نجم العثمانيين، كإمبراطورية إسلامية سنية. ثم اتجهوا بعد ذلك إلى العالم العربى قلب العالم الإسلامى، فقصدوا الشام ثم مصر وأخيرا العراق. وأعلنوا الحرب على الدولة المملوكية، وخرج الخليفة العباسى، مع من خر?، تأييدا للسلطان الغورى. أى أن العثمانيون حاربوا جيشا بين صفوفه خليفة المسلمين. وفى عام 1517م، نجح العثمانيين فى هزيمة المماليك والقبض على الخليفة، وكان أول لقاء بين السلطان العثمانى والخليفة العباسى، ودار هذا الحوار «قال له: أصلكم من أين؟، فقال له: من بغداد، فقال له ابن عثمان: نعيدكم إلى بغداد كما كنتم… ووكل به ألا يهرب من حلب». وعندما تمكن العثمانيون من دخول القاهرة، مركز الخلافة العباسية، عاد الخليفة من محبسه. ولم تذكر لنا المصادر التاريخية المعاصرة أن السلطان العثمانى طلب من الخليفة تفويضا بالحكم، أو?شرعية يدثر بها أمام المسلمين كعادة من سبقوه من الحكام، أو أن الخليفة بادر من نفسه ومنحه هذا التفويض. وبعدما رتب السلطان أمور مصر، وقرر العودة إلى اسطنبول اصطحب الخليفة معه. وفهم المصريون هذا الأمر على أنه انتقال مركز الخلافة إلى اسطنبول، فيقول ابن إياس: «فحصل للناس على فقد أمير المؤمنين من مصر غاية الأسف، وقالوا: قد انقطعت الخلافة من مصر وصارت باسطنبول». ولكن تبين بعد ذلك أن إقامة الخليفة بالأناضول كانت بمثابة احتجاز وحبس؛ فبعد تولى السلطان سليمان القانونى مقاليد العرش عام 1520م «أرسل أحضر الخليفة من المكا? الذى كان والده سجنه به، فأحضره إلى اسطنبول كما كان، ورتب له فى كل يوم ستين درهما»، حسبما يذكر ابن إياس، المؤرخ المعاصر. على أنه تواترت روايات متأخرة تقول بأن آخر الخلفاء العباسيين قد تنازل عن الخلافة إلى السلطان سليم الأول. وإذا حدث ذلك فإن هذه الوثيقة كانت جديرة بالحفظ والذيوع، ولكن لم يحدث أبدا أن ذكر مصدرا نص هذه الوثيقة. أيا كان الأمر، فالذى حدث هو نهاية الخلافة العباسية؛ دون أن يهتم العثمانيون بتبرير ذلك، أو محاولة تمهيد وقعها على الجموع. وواقع الأمر أن لقب «أمير المؤمنين»، أو «خليفة المسلمين» قد أضي? فعليا إلى ألقاب السلاطين العثمانيين بعد زوال الخلافة العباسية. ولكن هذا اللقب لم يكن هو اللقب الافتتاحى أو الأساسى فى ألقاب السلاطين العثمانيين. كان لقب «السلطان» هو الأبرز والدائم بين ألقاب سلاطين بنى عثمان، واستخدم لقب «الخليفة» لاحقا وفى ظروف معينة. وليس القصد هنا أن نناقش الأطروحات الفقهية والآراء المختلفة التى تناولت أمر الخلافة العثمانية، سواء تلك التى عارضت وصف الحكم العثمانى بالخلافة، أو تلك التى وصفته بذلك. ومعظم الاتجاهات اعتمدت فى تفسيراتها على آراء فقهية أو توجهات ايديولوجية.
وظنى أن فهم الظواهر والأحداث لا يستقيم دون فهم سياقاتها التاريخية، ولا يصح أن ننزع حدثا أو ظاهرة ما من سياقها ونسقط عليها أحكاما معاصرة. فلا ينبغى ان نتناول قضية الشرعية الدينية للحكم العثمانى من منظور فقهى معاصر، أو مدفوعين بتوجهات وأحكام مسبقة نحاول التدليل عليها. فعلى سبيل المثال، لا يصح أن نناقش قضية مثل قضية حقوق الإنسان فى العصور الوسطى بمنظور ومفاهيم العصر الحالى.
واعتقد أن تفسير التاريخ العثمانى لا يصح دون وضعه فى سياقه الدولى والإقليمى فى القرن السادس عشر. من ناحية أخرى، يجب فهم الأطر العامة التى شكلت نظام الحكم العثمانى. وأظن أن إحدى السمات البارزة فى فلسفة الحكم العثمانى هى «العملية»، وهذه السمة بالذات ميزت السياسات العثمانية فى شتى المناحى، وهى سياسات أحدثت تحولات عميقة فى الشرق الأوسط. ومن ثم يمكن هنا أن نتحدث عن مفهوم «الشرعية العملية» كمفتاح لفهم تعامل العثمانيين مع قضية الحكم؛ شأنها شأن معظم قضايا العصر العثمانى.
لقد أسس العثمانيون حكمهم خارج نطاق سلطة الخليفة، ودون تفويض منه، وتوسعوا بسواعد جيوشهم، وهى الطريقة العملية الناجحة للسيطرة والشرعية، ولم يبالوا برد فعل الخليفة، أو حتى يتواصلوا معه قبل اجتياح مقر إقامته القاهرة! ربما لأنهم يدركون شكلية سلطته، وشكلية وجوده، وهذه الشكلية لا تتسق مع جوهر فلسفة نظامهم «العملية». الأمر الآخر، كيف يسلم العثمانيون رقابهم إلى شخص آخر قد يتغير عليهم، أو قد يستعيد نفوذه «الشرعى» فى لحظة ما.
قد يُفهم الأمر على حسب زاوية الرؤية؛ اذا أردنا أن نتهم العثمانيين فسنقول أبطلوا نظام الخلافة، وإذا أردنا أن نمتدحهم سنقول حافظوا على كرامة الخلافة بأن أوقفوا هزلية المشهد وامتهان كرامة الخلفاء. وكلتا الرؤيتين عاطفيتين، لا تتسقان مع إعمال منهج علمى لبحث الأمر. ربما تفحص جوانب أخرى فى العصر العثمانى قد تفضى إلى صورة أوضح لفهمهم وتعاملهم مع قضية الشرعية. ما زال العثمانيون يصفون حكمهم بالشرعى والإسلامى، فقط تخطوا «الشكلية» وأسسوا شرعية «عملية» مصدرها السلطان، وعظموا من دور شخصية دينية أخرى وهو «المفتى»، فصار ا?مفتى هو من يصبغ الشرعية ليس على نظام الحكم فحسب، بل يوفر غطاء «شرعيا» لكل السياسات والقرارات العثمانية.
تجلى هذا الأمر بوضوح فى نظام العدالة العثمانى. حيث اتجه العثمانيون إلى توسيع نطاق وتقوية سلطة مؤسسة العدالة «المحكمة الشرعية»، وهم من وضعوا هذا العنوان لمؤسسة العدالة «المحكمة الشرعية». وهذا مستوى آخر من «الشرعية» «العملية» أيضا، حتى يرى كل ذى عين كيف أن الشريعة صارت متغلغلة فى السلوك اليومى للرعية، وهى الحكم بين كل طبقاته. وهذا يُعنى، مؤقتا، اهتمام العثمانيين بأمر «الشرعية» ولكن بطريقتهم. سأتوقف هنا أمام نظم وتشريعات جديدة، أثارت جدلا فى وقتها، ولكنها تبين مفهوم «العملية» فى فلسفة الحكم العثمانى. أول هذه ?لأمور، هى فرضهم على الناس تسجيل عقود الزواج فى المحاكم الشرعية، ودفع رسوم مقابل ذلك، ولاقى الأمر مقاومة ونقدا شديدا فى سوريا ومصر، حيث اعتبر هذا الأمر بدعة وفتنة لا تتفق مع المفهوم الإسلامى لعقد الزواج، ووصل الأمر إلى وصفه بالكفر «يسق الكفر». الأمر الثانى وهو سماحهم بالفائدة على القروض، وهذا الأمر شاع فى كل أنحاء الدولة العثمانية، وصيغت هذه العقود بطرق مختلفة فى كل إقليم. ولكن طبق هذا الأمر فى شتى بقاع الدولة العثمانية، وبعقود شرعية وافق عليها الفقهاء من كل المذاهب. يمكن فهم أمر الفائدة على القروض من منظور?«شرعى أم غير شرعى». ولكن فهمنا لمنظومة التجارة العالمية فى ذلك الوقت والتحديات التى تواجه التجار المسلمين المتعلقة بنظام التمويل فى مواجهة نظم التمويل الأوروبية الربوية، قد يجعلنا ننظر إلى هذا الأمر على أنه إيجاد وسائل شرعية «عملية» لدعم التجار المسلمين. أو أنه اجتهاد جديد لفقهاء مسلمين أعملوا فكرهم لمواجهة تحديات جسيمة. أمر آخر وهو موضوع إجبار الفلاحين على العمل تحت ظروف قاسية لصالح كبار الملتزمين، واستصدار فتاوى تجيز هذا التعسف، وإهمال حقوق المسلم فى حرية التنقل والعمل! وهو أمر قوبل ايضا بانتقاد بعض العل?اء آنذاك، ولكن يمكن فهم الأمر فى إطار تشجيع رأس المال، وخلق رأسمالية جديدة، وغض النظر مؤقتا عن مصالح فئات وتغليب المصلحة العامة، وهو مقصد شرعى أيضا. أمر آخر يرتبط بالشرعية العملية، وهو استبدال الحدود بالغرامات المالية فى أمر السرقات والزنا. هذه بعض نماذج لتطبيق فهوم الشرعية «العملية» فى العصر العثمانى، لا يتسع المقام للتوقف أمام كل نموذج بالشرح والتفصيل، أو ذكر نماذج أخرى.
خلاصة القول ان العثمانيين لم يتخلوا عن مفهوم الشرعية، بل ظهر اهتمامهم بها على كل المستويات. ولكن كان لهم مفهومهم الخاص عن الشرعية، وتجلى هذا المفهوم فى كل نظمهم وتشريعاتهم. الجانب المهم، أنه ليس من وظيفة المؤرخ أن يصدر أحكاما قيمية أو أخلاقية على عصر ما، فقط وظيفته محاولة إيجاد تفسير وفهم. والتاريخ العثمانى شاهد قوى على عوار مهنة التاريخ بمصر، بل وعلى عوار مفهوم الدراسات الإنسانية فى جامعاتنا ومؤسسات التعليم والبحث المختلفة. ومن ثم يظل سؤال «شرعى أم غير شرعى؟»، حرام أم حلال؟ سؤال ساذج وسطحى، ويفرغ التاريخ ?ن منهجيته ووصفه بالعلم.