“عرب وعثمانيون” الأيديولوجيا والتاريخ بقلم: د.محمد عفيفى   من أين نبدأ الحديث عن الوجود العثمانى فى مصر؟ هل نختار البداية الزمنية فى عام 1517 عندما دخل العثمانيون إلى القاهرة، التى كانت

%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%ab%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9

“عرب وعثمانيون” الأيديولوجيا والتاريخ

بقلم: د.محمد عفيفى

 

من أين نبدأ الحديث عن الوجود العثمانى فى مصر؟
هل نختار البداية الزمنية فى عام 1517 عندما دخل العثمانيون إلى القاهرة، التى كانت كما وصفها ابن خلدون من قبل «حاضرة الدنيا»، بوصفها عاصمة أقوى دولة فى زمنها، دولة سلاطين المماليك. لقد انتهت الدولة المملوكية، وأصبحت مصر ولاية عثمانية، حتى مع كونها من أهم الولايات العثمانية. وهنا يقف المؤرخ الكبير ابن إياس ناعيًا هذا المجد الزائل للقاهرة، ولدولة سلاطين المماليك قائلا:
«قامت تركيا بانقلابها الكمالى وأعلن مصطفى كمال باشا إلغاء الخلافة، وفصل الدولة عن الدين فى أمة كانت إلى بضع سنوات فى عرف الدنيا جميعًا مقر أمير المؤمنين».
وهى اللحظة المهمة والمفصلية التى يختارها حسين فوزي، المعبر عن التيار القومى المصري، بداية لكتابه المهم «سندباد مصري»، لحظة الجمعة الحزينة التى خطب فيها من على منابر القاهرة لآل عثمان، إعلانًا بزوال استقلال مصر من وجهة نظره وسقوط دولة سلاطين المماليك.
هل نتجاوز عن البداية الزمنية، ونختار بداية أخرى تفسر لماذا استمرت مصر عدة قرون ولاية عثمانية؟ سواء اخترنا نهاية العصر العثمانى فى عام 1798، وصول الحملة الفرنسية على مصر، أو عام 1805 وصول محمد على إلى الحكم، وبداية الدولة الحديثة فى مصر، أو حتى عام 1914، عام إعلان الحماية البريطانية على مصر، وسقوط تبعية مصر فى القانون الدولى للدولة العثمانية.
بماذا نفسر أن الجبرتى عندما كان يذكر هتاف العامة فى القاهرة، أيام الاضطرابات أو «الثورات الشعبية» (يا رب يا متجلى اهلِك العثمانلِّي)؟ كان يقصد بالعثمانلى الجُند، وليس السلطان العثمانى أو التبعية العثمانية. كيف نفسر إهداء الجبرتى كتابه «مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس»، الذى ألفه فى أعقاب خروج الحملة الفرنسية من مصر، إلى الباشا العثماني، وعودة مصر من جديد إلى الدولة العثمانية؟
هل نبدأ بداية أخرى، وعند لحظة مختلفة ومفصلية فى التاريخ المصري، وهى فشل الثورة العرابية وما أعقبها من دخول الاحتلال البريطانى إلى مصر فى عام 1882؟ لقد درسنا فى الكتب المدرسية أن من أسباب فشل ثورة أحمد عرابي، إعلان السلطان العثمانى عصيان عرابي. فهل كان للسلطان العثمانى النفوذ المعنوى الكبير فى مصر آنذاك لهذه الدرجة؟!
هل نبدأ مع مطلع القرن العشرين والزعيم الوطنى محمد فريد يضع كتابه الشهير «تاريخ الدولة العلية» فى مدح الدولة العثمانية، وسلطانها خليفة المسلمين عبد الحميد الثاني؟ وحتى وهو فى المنفى، ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، كان حلم محمد فريد أن تنجح الحملة العثمانية على مصر فى عبور قناة السويس، وتعود مصر إلى الدولة العثمانية.
هل نبدأ من اللحظة الدرامية التى صورها نجيب محفوظ فى روايته «بين القصرين» لخيبة أمل الشاب فهمى ابن السيد أحمد عبد الجواد، هذا الشاب الذى سيصبح أحد شهداء ثورة 1919، يقول فهمى بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وهزيمة الدولة العثمانية:
«غُلِب الألمان! من كان يتصور هذا؟ لا أمل بعد اليوم فى أن يعود عباس أو محمد فريد، كذلك أمال الخلافة قد ضاعت. لا يزال نجم الانجليز فى صعود ونجمنا فى أفول، فله الأمر».
هل نبدأ من اللحظة الخطيرة والمهمة فى تاريخ مصر، عام 1928 عندما أعلن الشاب حسن البنا عن تشكيل جماعة «الإخوان المسلمين»، ردًا على إلغاء الخلافة العثمانية فى عام 1924، ليصبح حلم إعادة الخلافة هو الهدف المنشود لها، إذ يصف حسن البنا الدولة العثمانية قائلا:
«قامت تركيا بانقلابها الكمالى وأعلن مصطفى كمال باشا إلغاء الخلافة، وفصل الدولة عن الدين فى أمة كانت إلى بضع سنوات فى عرف الدنيا جميعًا مقر أمير المؤمنين».
هل نختار لحظة أخرى مهمة فى التاريخ المصرى الحديث، بل لعلها البداية الأكثر واقعية لهذا التاريخ، ونقصد بها عام 1805 ووصول محمد عليّ إلى الحكم، وتأسيس الدولة الحديثة فى مصر، ألم تحتفل مصر كلها فى عام 2005 بذكرى مائتى عام على تأسيس الدولة الحديثة فى مصر، تخليدًا لهذه اللحظة الفارقة؟
ولكن هناك من يرى أن محمد عليّ لم يكن إلا واليًا عثمانيًا، وأنه حتى فى حربه مع السلطان العثماني، كان هدفه استانبول وليس القاهرة، وإخراج «طبعة جديدة» من الدولة العثمانية.
هذا الجدل الكبير الذى يدور فى أذهان المصريين الآن ونحن نصل إلى ذكرى مرور خمسمائة سنة على وصول العثمانيين إلى مصر، هو جدل ليس بجديد على مصر بل وعلى المنطقة كلها، فعلى سبيل المثال لا الحصر فى عام 1999 خصصت مجلة «الاجتهاد» اللبنانية المعنية آنذاك بإعادة قراءة الفكر الإسلامي، ومحاولة تقديم اجتهادات عصرية، عدة أعداد من المجلة لمناقشة موضوع «الدولة العثمانية» ذلك اللغز الغامض الكبير الذى يطرح على الساحتين العربية والإسلامية دومًا فى لحظات الترقب وانتظار الجديد، إما من خلال البكاء على الأطلال والتحسر على الفردوس ?لمفقود «الخلافة العثمانية» من جانب التيار الإسلامي، أو من خلال التشفى فى الماضى البغيض العثماني، الذى يشترك مع الاستعمار، أو لعله هو نفسه استعمار تحت ستار الدين، يشترك مع الاستعمار، فى زرع التخلف والجهل فى الوطن العربي، وهذه هى رؤية التيار القومي.
وفى تقديمه القصير للعدد المخصص فى مجلة الاجتهاد عن «المجال العربى فى السلطنة العثمانية»، يلخص المفكر اللبنانى الكبير رضوان السيد بذكاء شديد الاتجاهات السابق الإشارة إليها قائلا:
«لقد بدا العثمانيون فى الكتابات القومية العربية علة العلل فى الانحطاط العربي، كما بدوا فرسان الجهاد رمز قوة الإسلام ومجده فى كتابات الإسلاميين فى العقود الثلاثة الأخيرة».
إنها الأيديولوجيا عندما تحكم التاريخ يا سادة!!