غزو مصر فى الخطاب العثمانى القراءة الشعبية لأسطورة الفتح المقدس عند أوليا جلبى   بقلم: د.ناصر إبراهيم   يشكل مرور 500 عام على غزو العثمانيين للمشرق العربى مناسبة تاريخية مهمة،

5_135

غزو مصر فى الخطاب العثمانى
القراءة الشعبية لأسطورة الفتح المقدس عند أوليا جلبى

 

بقلم:
د.ناصر إبراهيم

 

يشكل مرور 500 عام على غزو العثمانيين للمشرق العربى مناسبة تاريخية مهمة، تستدعى من جديد الاهتمام بعمل مقاربات حول قراءة ومغزى هذا الحدث المفصلى الذى زلزل منطقة الشرق الأوسط برمته، وربطه بسياق ما مرت به الإمبراطورية العثمانية، قوة وضعفا، لأكثر من أربعة قرون خلت، كانت هى عمر بقائها فى المجال العربي.
وثمة تفسيرات متعددة، يمكن تصنيفها فى تيارين كبيرين «مع وجود تباينات داخل كل منهما»، الأول تناول الحدث من منظور تيار الإسلام السياسى الذى يعتبر الحدث فاتحة جديدة لاستعادة العثمانيين لهيبة الدولة الإسلامية ودورها فى السياق العالمي، وأن العثمانيين أحيوا مسألة الخلافة وأكسبوها قوة الفعل بعد أن اختزلت فى قيمة رمزية روحية، يمثلها بقاء الخليفة العباسى بالقاهرة، فأمكن للعثمانيين بعثها من جديد، فى إطار امبراطورية مترامية الأطراف، جعلت الغرب المسيحى يخشى صولتها ويعمل لها ألف حساب، ويدللون على ذلك بأن الموجة الاستعما?ية انصرفت إلى آسيا والشرق الأقصى وإفريقيا وما وراء البحار، فيما حالت قوة بنى عثمان من اختراقهم حياض بلاد الإسلام وفى القلب منها مجالنا العربي. وأن انقلاب الحظ ضد العثمانيين لا يقلل من دورهم، فقد بذلوا ما كان بوسعهم، وأن المخططات الامبريالية كانت أكبر من أن يتصدوا لها فى أواخر أيامهم، ومن ثم لا يتحملون وزر سقوط البلاد العربية فى براثن الاحتلال والتبعية والتشرذم. وأن الدولة العثمانية فى النهاية قدمت نموذجا واضحا لآخر دولة إسلامية عالمية.
فى حين مثَّل التيار الثانى المدرسة القومية، التى قدمت قراءة مختلفة لمغزى الحدث: فمن منظور هذه المدرسة أن الاجتياح العثمانى تسبب فى تقويض أركان الإمبراطورية المملوكية التى كان لها دور كبير فى تاريخ الإسلام «ضد المغول والصليبيين»، كما أنه قزَّم من مكانة مصر ودورها الإقليمي، وحولها إلى مجرد ولاية تابعة تدور فى فلك بنى عثمان بعد أن كانت تحكم المشرق العربى برمته، فى حدود واسعة تمتد إلى الفرات وحلب شمالا وإلى الحجاز وبلاد اليمن جنوبا، وأن العثمانيين فى سياق التبعية ضربوا سياجا من العزلة على المجال العربى بكامله،?ما حال دون مجاراة حركة التحديث التى اجتاحت الغرب الأوروبي، وفقدت المنطقة من ثم حيويتها لتصحوا على مدافع الحملة الفرنسية التى هزت مصر والمشرق العربى هزة عنيفة، وأن المنطقة قيد لها دهاء التاريخ بطلا من غير أهلها «هو محمد على باشا»، استنهض قواها الحيوية الكامنة فيها، وواصل دورا كانت له جذور حداثية فى القرنين الـ17م و18م، ليشيد نهضة حديثة لمصر، امتدت آثارها خارج حدودها، إلى حد جعل استانبول نفسها تسعى إلى محاكاة بعض أبعادها.
ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن محصلة تجربة التحديث تلك سدت فجوة التخلف بيننا وبين الغرب، واتاحت لمصر أن تسترد مكانتها ودورها الإقليمي، وأن العثمانيين بتحالفهم مع القوى الإمبريالية أعاقوا تجربة النهضة العربية، وتسببوا فى ضربها فى مقتل بتوقيع معاهدة لندن 1840، ما أفقد مصر القدرة على الاستمرارية، وجعلها هدفا لمخططات إمبريالية، قادت فى النهاية إلى وقوعها فى شباك التبعية فالاحتلال «1882» الذى دام سبعين عاما حتى نجحت ثورة يوليو1952 فى استعادة استقلالها ونفوذها فى مجالها العربى من جديد.
تظل هذه التفسيرات بصفة عامة مجسدة للقراءة العربية للحدث، وبصرف النظر عما شابها من مغالاة «فى الجانبين» واتخاذ المنحى التبريرى هدفا للتفسير، فإنه من الملاحظ أن أبعاد المنظور العثمانى للتجربة لا يتعاطى مع محصلتها بصورة علمية دقيقة سوى القليل من الأكاديميين، كما يغيب فى الدراسات عندنا «على مستوى الجامعات العربية» مناقشة الطرح الفكرى للمدرسة التركية بشقيها الكلاسيكى والحديث.
فى هذا المقال سوف نحاول تقديم مقاربة عثمانية للحدث من خلال مثقف عثمانى معاصر، هو أوليا جلبى «1611-1682»، ذاع صيته كأهم رحالة طاف العالم فى القرن الـ17م، وخلَّف موسوعة ضخمة فى الأدب الرحلى من عشرة مجلدات، خصص منها المجلد العاشر والأخير لمصر وحدها، وهو المعروف بكتاب «سياحتنامة مصر».
جاء هذا الكتاب نتاجا لنحو عقد من الزمان قضاه بين جنبات مصر المحروسة، يشاهد ويعاين ويدون، ويجمع الروايات، ويتصفح المصادر التاريخية المتوفرة فى عهده، ويطرح الأسئلة على مسئولى دولاب السلطة، ويطالع الدفاتر الديوانية، ينقل عنها ويضاهيها بما رصده من معطيات. ومن كل هذا الركام الضخم والمتنوع من المعلومات، بلور رؤيته فى التأريخ لعلاقة العثمانيين بالمجال العربى وفى القلب مصر التى كانت أهم ولاية عثمانية فى زمانه.
ويجمع المتخصصون على أن كتاب سياحتنامة يعد أهم مصدر أدبى عثمانى وصلنا من الحقبة العثمانية، ولما كان أوليا جلبى ممثلا للنخبة العثمانية؛ لقرابته من الخواص السلطانية وتداخل عائلته بالبلاط السلطاني، فإنه يمكن القول بأن طريقته فى الكتابة، وأفكاره الذهنية التى سجلها فى مدوناته اليومية، تكشف بعدا مهما فى المنظور العثمانى لقراءة حادثة غزو المشرق العربي.
والقراءة المجهرية للأفكار التى حواها كتابه، تظهر مدى سيطرة فكرة تبرير الغزو العثمانى على صياغته للكتاب: فقد كانت المعضلة الأساسية التى واجهت أوليا جلبى كيف يمكنه تفسير شرعية اجتياح آل عثمان بلاد إسلامية؟ لم يكن السؤال سهلا بل كان شائكا، لكنه قرر طرحه والخوض فى معالجته؛ محاولا رسم صورة معينة لا تدين آل عثمان. وبدا الأمر بالنسبة له وكأنه مهمة قومية؛ يتصدى فيها للدفاع عن الدولة التى يفخر بمجدها وبتوسعاتها عبر ثلاث قارات. بيد أنه لم يستطع إخفاء قلقه وتخوفه على الدولة واستمرارية بقائها، خاصة أنه عاصر بدء توالى ?لهزائم التى لحقت بها منذ سبعينات القرن السابع عشر.
فى كتابه توقف طويلا على تمدد نفوذ البيوت المملوكية، وتحويلهم سلطة آل عثمان إلى سلطة أسمية، بدت معها قوة الباشا العثمانى ضعيفة قابعة وراء أسوار القلعة، تتكفف نفقات معيشتها، وتتحصل مخصصاتها بالكاد! وهو ما أنكره على المماليك، وجعله يُعرّض بهم بطول فصول كتابه، ومركزا على دحض مسألة ادعائهم بأن مصر كانت لهم، وأن العثمانيين هم «الدخلاء الغزاة» الذين حطموا سلطنتهم التى دامت قرابة قرنين ونصف القرن.
فى هذا السياق وجد أوليا جلبى نفسه يُعيد طرح إشكالية الغزو العثمانى وتفنيد الأسس التى استند إليها المماليك، ما جعل تقرير رحلته يتجاوز وظيفة الوصف كرحالة إلى الدفاع عن شرعية أطروحة التدخل. ورغم إدراكه صعوبة الموقف الدينى من غزو دولة إسلامية لأخرى؛ إلا أنه شحذ ذهنه لخلق تبريرات حتمية زوال الدولة المملوكية؛ إذ عدَّ سقوطها حدثا منطقيا ومتكررا فى التاريخ المصرى العام. وراح يرصد عشرات الدول التى توالت على سدة حكم مصر، لكن هذا التداول المنطقى يتوقف قانونه عند آل عثمان لأنهم وفقا لقناعته آخر دولة فى التاريخ! وهنا ي?جانب سير الوقائع التاريخية للغزو، مستبدلا بها قصصا ورؤى أحلام منسوجة من محض الخيال الشعبي.
ومن شأن هذا النهج أن يؤدى إلى تصدير المرويات المتخيلة لبنية النص على حساب تخفيض درجة الاعتماد على وقائع التاريخ التى لا تشكل سوى إطار يكتنز داخله سيرورة «الحكى الشعبي» التى أجهد ذهنه ليجعلها تبدو وكأنها جزءا من سياق تاريخي!
يمكننا فى الحقيقة تخير ثلاثة مشاهد أو أربعة ذات مغزى، الأول منها: يتعلق بـ«قصة أخذ العهد والبشارة من النبى بفتح مصر»؛ فقبل الغزو قرر سليم الأول زيارة الحرمين الشريفين متخفيا، وأنه عند قيامه بزيارة المسجد النبوي، وقف باكيا جراء ما صار إليه حال مكة والمدينة، ليعلن أنه أخذ على نفسه عهدا موثقا أمام قبر الرسول، لئن بارك له فتح مصر، ليوقفن كامل أراضيها على الحرمين الشريفين، وليرسلن الأموال والكساوى والعطايا، وليعملن على إعلاء شأن الناموس المحمدي، وانقاذه من إهمال «الكفرة الجراكسة»! وبحسب رواية القصة جاءته بشارتي?، الأولى من شيخ مسن كان جالسا تحت شباك قبر النبي، بشره بالنصر وهو لا يعرفه!، والثانية صوت رجَّ آذانه من بعيد، بشره بالذهاب إلى مصر؛ حيث وعده النبى بالنصر المبين. بدا ذلك بمثابة «مباركة مقدسة للفتح».
القصة الثانية، لـ«كرتباى الفدائي» الذى حاول الانتقام من سليم الأول بالتسلل إلى « قصره ليقتله، عبر اقتحام غرفة نومه؛ غير أنه وقع فى يد الحرس. ومغزى القصة يبدأ بعيد فشل كرتباي: إذ يتم تخيل حوار دار بين السلطان العثمانى والأمير المملوكي، صاغ من خلاله الجزء الأهم فى المنظور المملوكي: «لقد هجمت يا سليم على ولايتنا، وسطوت على بلادنا، واستوليت على أهلنا وعيالنا، بعد قتل آلاف من عباد الله، وتشتيت ألوف ومئات آخرين.. واغتصاب الأملاك والأموال». وهنا يدخل النبى كجزء أساسى فى هذه السردية، موجها خطابه إلى كرتباي: «لقد ا?تضت إرادة الله وحكمته البالغة زوال دولة الجراكسة، وقيام دولة آل عثمان، لذلك صار «سليم» فى حمايتى وحراستى فلا تتعرض له ولا تؤذه أبدا»! ويتضافر مع مفهوم الإرادة الإلهية الحامية، نظرية إمارة التغلب التى تبرر واقعيا الهيمنة العثمانية؛ فبحسب قوله: «مصر ليست مملوكة لأحد.. وهى لمن غلب».
تأتى القصة الثالثة فى شكل رؤية/ حلم، رواه أحد سلاطين عثمانيين لعلماء ومشايخ الإسلام، وكعادته يدفع بظهور النبى محمد كقاض يفصل بين المماليك والعثمانيين، ومع افتعال حوار أقرب إلى المناظرة، تتفجر الأفكار والتصورات المتناقضة: المماليك يؤكدون للنبى بأن الغزو تسبب فيه من ترويع الآمنين، وتخريب الأوقاف وضم حصيلتها إلى مال الدولة؛ ومن ثم طالبوا النبى بإزالة آل عثمان عن ملك مصر، فيما يرد الطرف الثانى «آل عثمان» مدافعا عن نفسه، بأنه نشر العمران وأن خراب الأوقاف أثر الزمن وتقلب الأيام، وأن آل عثمان قائمون على خدمة الحر?ين الشريفين، يتحرون العدالة، هنالك قضى النبى «ببقاء ملك مصر بإرادة الله بين يدى آل عثمان حتى قيام أشراط الساعة»!
آخر الأمثلة التى نسوقها هنا من بين متخيلاته الشعبية، رواية شهيرة معروفة «بالكشف الصمداني» التى تُحاك على غرار قصة حادثة «سارية الجبل» التراثية؛ وتتمثل هنا فى صورة نداء استغاثة من كبار العلماء، كالشيخ أبو السعود الجارحى والشيخ مرزوق الكفافي، المشهورين بقامتهما العلمية، يطلقان النداء، من مسافات بعيدة وهما خارج إستانبول: «يا سليم تعال.. يا سليم تعال لإنقاذ أهل مصر وعلمائها. وتظهر هذه الرواية أن نداء الاستغاثة سمعه – عبر الآفاق من مسافات بعيدة – كل من السلطان سليم وقائد جيشه سنان باشا، فاعتبرت نبوءة حاسمة، فقا? السلطان سليم من فوره يصرخ على جنوده «عجلوا بالزحف إلى مصر».
وبالتحقيق لا نجد لاستغاثة العلماء بالسلطان العثمانى ما يثبتها تاريخيا، لكن أوليا جلبى فيما يبدو من موقع «الأنا المنتصرة»؛ يعطى لنفسه الزعم بأن العلماء المصريين أرسلوا إلى مشايخ الإسلام باستانبول 40 فتوى تجيز «إباحة قتل حكام مصر»، وأنهم كانوا يحثون السلطان سليم على الإسراع إليهم لتحقيق «الخلاص»، مما لم تثبته أية قرائن تاريخية، بل على النقيض، ترصد الأدبيات المحلية خروج العلماء فى صحبة جيش الغورى الى بلاد الشام لأجل شد أزر الجند، فيما انخرط غيرهم فى تقوية الجبهة الداخلية، ومؤازرتها فى مواجهة زحف العثمانيين عل? مصر بعيد هزيمة مرج دابق.
مع تقليب صفحات الكتاب نرصد مبررات أخرى قدمها حول ذات الإشكالية؛ فقد راح يؤكد تنازل الخليفة العباسى للسلطان عن الخلافة، وأن «سليما» كان أول من حمل لقب «خادم الحرمين الشريفين»، وأن مصر بوصفها ولاية مهمة ودورها البارز فى خدمة الإسلام، يصعب بقاؤها بيد سلطة ضعيفة، لما يمثله هذا من خطر على الإسلام، ومن ثم فحمايتها من المد الشيعى «ضرورة شرعية»؛ زاعما أن وجود اتصالات سياسية بين المماليك والصفويين فى فارس يهدد بحصر الإسلام السنى عن مصر والمشرق العربي، وهذا يفسر لماذا وصف المماليك «بالرافضة أو الروافض الفاسدين»، بل ?م يتورع عن وسمهم «بالكفرة الجراكسة الملعونين». وفى سياقات أخرى تمادى فى تحقيرهم.