mhagag حكاية نصر حامد أبو زيد حكاية صوت مختلف في مجتمع الصوت الواحد، الفكر الحر عندما يصطدم بواقع مأزوم. والقضية لمن يريد الاستزادة عرضها هو نفسه في كتابيه “التفكير في

54f58bd0b6a3a1361680078
lll

معتز حجاج

mhagag

حكاية نصر حامد أبو زيد حكاية صوت مختلف في مجتمع الصوت الواحد، الفكر الحر عندما يصطدم بواقع مأزوم. والقضية لمن يريد الاستزادة عرضها هو نفسه في كتابيه “التفكير في زمن التكفير” و”القول المفيد في قضية أبو زيد”، وفي محاورات صحفية مرئية ومقروءة، أما ما نبتغيه في هذا المقال هو التعرض لأفكاره بالنقد ونقد نقده.

في محاضرته “القرآن والإسلام ومحمد” المنشورة بمجلة عالم الكتاب يقول نصر عن أطروحاته: “لقد قمت بتطوير منهج تاريخي محدد لفهم الإسلام وتأويل القرآن.. ومع ذلك، فإنه يجب علي أن أؤكد أن هذا هو فهمي للإسلام، وهو فهم تكون وتشكل في زمن محدد، وفي ظل ظروف محددة، وبالتالي فإنه ليس فهماً مطلقاً أو من شأنه أن يستمر إلى الأبد”.

وانطلاقاً من فرضية الباحث، ودعواه المتكررة في أكثر من لقاء “أريدك أن تصعد على أكتافي لترى أبعد مما أرى هنا والآن”، سنحاول صعود أكتاف شوامخ رغم ضيق السطور، ولكن علينا البدء بالمقدمات، ماذا فعل نصر؟ إنه حلقة في سلسلة طويلة من مفكرين حاولوا نزع الأسطرة عن النصوص المقدسة، وأعني بها القرآن وما نتج حوله من نصوص بشرية قدست مع الزمن، وإخضاعها لمناهج العلوم الحديثة، بدأت بـكتاب “في الشعر الجاهلي” للدكتور طه حسين، إلى أن وصلت لنصر. لكنه اقترب أكثر، اقترب من القرآن محاولاً تحديد طبيعة الوحي ومنطقه في فرض وتثبيت نفسه.

إن مشروع نصر يرتكز على ثلاثة محاور قدمها من خلال دراساته في قضية التأويل عند المعتزلة والصوفية والشافعي ونقد الخطاب الديني المعاصر، استخدم فيها العلوم الحديثة في تحليل الخطاب. المحور الأول هو تاريخانية النص القرآني، أي أنه “نص ثقافي” تشكل في الواقع، القرن السابع الميلادي في شبه الجزيرة العربية، وهو يفصل بين مصدره الإلهي وطبيعته البشرية، حيث أن النص “تأنسن” منذ أن تحول لمعنى في أفهام البشر، ولا يستثنى من هذا الرسول نفسه، فهو بشر يحمل ثقافة زمنه وعصره، وبهذا ينسف مسلمة التيار الديني المعاصر بتعالي القرآن على التاريخ وصلاحيته بحرفية نصوصه لكل زمان ومكان. والمحور الثاني هو الكشف عن آليات استخراج الدلالة في التراث، ويفترض أولاً بأنه رغم تعدد المجالات في التراث، فقهي، نحوي، بلاغي وفلسفي، ترتبط جميعاً برباط واحد، النزاع على تأويل القرآن، وهذا النزاع لا ينطلق من فراغ بل يحاول أن يجيب على أسئلة الواقع، منغمس في الصراع السياسي والشعوبي والاقتصادي والديني، فإن البلاغي المعتزلي على سبيل المثال حينما يقول بأولوية المواضعة على المدلول حتى يكون الدال مفهوماً، يستجيب في مجاله لصراع خلق القرآن، الذي لا يجوز بأن يكون هناك قديمان، الله والقرآن المحفوظ في اللوح، إذن فالقرآن مخلوق. أما المحور الثالث هو آلية توظيف المقدس في الخطاب الديني المعاصر، وفي هذا الصدد يكشف نصر عن الذرائعية السياسية له، فعندما يتعالى النص على التاريخ لا بد أن يكون دلالته محسومة، ولكن لها مفاتيح، وتلك المفاتيح في جيب ثلة من رجال الدين وحدهم. لقد وضع نصر يده في جيوب الدعاة وأخرجها خالي الوفاض أمام الجميع، وتلك خطيئته التي لم ولن يغفروها له.

ورغم ذلك لا يخلو مشروع نصر من تناقض، فحسب منهجه النص فضاء يتوسط ثلاث، المؤلف والواقع والقارئ، وله أكثر من دلالة، إحداها مصرح به وأخرى مسكوت عنها، ومن خلال جدل الثلاث تتحدد الدلالات، وهو بهذا المعنى مساحة قابلة للتأويل وإعادة التأويل، لكن نصر يعود فيناقض نفسه، إذ هو يقول بأن للنص جوهر، وما عمله كله إلا محاولة للكشف عنه، وبهذا يقف في صف خصومه الذين يزعمون بجوهر للنص ثابت متعالي على التاريخ، ومن ثم يزعمون امتلاكه، أي يغلب المتعالي على النص، ثم يذهب إلى نقيض النقيض في دراسة الشافعي فيجعل فكره كله انعكاساً للصراع الشعوبي في زمنه، أي تغليب الواقع على كينونة النص.

أما حنفي فقد وضع يده على علة خطيرة في أطروحة الأمام الشافعي، حيث توصل إلى أن كثير من استنتاجاته جاءت مبالغاً فيها

ورغم أن قضية الباحث وضعت أعماله تحت المجهر، ليس فقط مجهر الخصم الذي يبحث عن خطأ مطبعي يجعل منه فضيحة علمية، بل وحتى أنصاره الذين جعلوا منه رمز الحرية، إلا أن أطروحته لم تخضع لنقد جاد، ففي السجال السياسي تتخندق الفرق لصالح الباحث فيفقد موضوعه استقلاله، وأيضاً لصعوبة المادة العلمية، وأخيراً لاختلاف المنطلقات، وأخص بالذكر هنا أفضل الانتقادات المقدمة من مشربين على النقيض، نقد حسن حنفي في فصله المعنون بـ”علوم التأويل بين الخاصة والعامة” في كتابه “حوار الأجيال”، ونقد علي حرب في فصل “خطاب يناهض الأصولية ولكن يقف على أرضها” من كتاب “النص والحقيقة”، وفصل “محنة نصر أبو زيد” من كتاب “الاستيلاب والارتداد”.

أما حنفي فقد وضع يده على علة خطيرة في أطروحة الأمام الشافعي، حيث توصل إلى أن كثير من استنتاجاته جاءت مبالغاً فيها، وأن هموم المواطن في نصر تغلبت على الباحث، فحول الشافعي لحائط يسدد له لكماته الموجهة للتيار الديني المعاصر، ولكنه لا يستطيع تجاهل أن الباحث كان أحد نقاد مشروعه اليسار الإسلامي والذي نعته بالتلفيقي، حتى أنه يكرر هذا الموضوع كل صفحة تقريباً، ويبدأ في كثير من نقده من موقف سياسي، وليس مقارنة المقدمات بالنتائج.. أما حرب فقد تعرض لقول نصر بأن “المنهج اللغوي هو المنهج الوحيد الإنساني لفهم الرسالة”، وهي فرضية غير معقولة، فكل منهج يكشف في المبحوث أشياءً لا يكشفها منهج آخر. ثم كشف عن الفكر الغيبي الكامن في الباحث حينما صرح بأن القداسة رفعت عن النصوص منذ كتاب طه حسين، فلما كانت قضيته إذن؟! لكنه يقع في التعسف حينما يحاول إبراز تعارض نصر في مقولته بأن “إلهية مصدر النص لا تتعارض مع طبيعته البشرية”، لأنه تناقض واهي ظاهري، فإن تسليم نصر بالمصدرية الإلهية للقرآن لم تشوش على أدواته التي أخضع النص لها، والناقد بزعمه لا ينقد المنهج بالمنهج بل يريد تغيير الموضوع كله من الأساس.

لقد فتح نصر باب النص على كل التأويلات الممكنة، واقتحم مجالاً كان قبله موصداً، ومن الخطأ التعامل مع فكره على أنه فكر واحد انبثق في لحظة، بل القراءة المتأنية لهذا الباحث المجتهد تكشف عن تطور في استخدامه آليات البحث العلمي وتطور تفكيره، فهو في رسالة الماجستير “الاتجاه العقلي في التفسير عند المعتزلة” باحث يشكل أدواته، وفي “فلسفة التأويل عند محيي الدين بن عربي” و”مفهوم النص في علوم القرآن” باحث متمكن من أدواته، ثم ارتد مع احتدام الواقع السياسي المصري بالصراع مع الأفكار المتطرفة في “الإمام الشافعي: وتأسيس الإيديولوجية الوسطية”، رغم ما بالدراسة من إضاءات هامة، ثم انجرف للسجال حينما أصبح طرف في الصراع في “التفكير في زمن التكفير”، إلى أن بلغ ذروة تمكنه من منهجه في “إشكاليات القراءة وآليات التأويل”.. لقد رحل نصر وترك لنا أعمال فريدة وتساؤلات جديدة، وتحدينا اليوم أن نصعد على أكتافه، أن نرى أبعد من نصر.