asmaamawy   النص القرآنى “منتج ثقافى” فى نشأته، لكنه صار منتجاً لثقافة جديدة فى التاريخ. “نصر أبو زيد” استطاع نصر أبو زيد من خلال تعامله مع القرآن بوصفه خطاباً، لا

nasr-abu-zayd650
%d8%a7%d8%b3%d9%85%d8%a7%d8%a1

أسماء العماوي

asmaamawy

 

النص القرآنى “منتج ثقافى” فى نشأته، لكنه صار منتجاً لثقافة جديدة فى التاريخ. “نصر أبو زيد”

استطاع نصر أبو زيد من خلال تعامله مع القرآن بوصفه خطاباً، لا تقديم قراءة جديدة أو تأويلاً جديداً للقرآن، بل تأسيس علاقة جديدة وتعاملاً معرفياً بالأساس مع هذا النص الذى تشكلَّ فى مجتمع خاضع لسياقات اجتماعية محددة وأطر معرفية متوقفة بطبيعة الحال على انتماءات -من قاموا بهذا التشكيل (البنيوى والدلالى)- الثقافية، بدءاً من النبى ذاته باعتباره المتلقى الأول للوحى والمؤسِس الأول للنص، متساءلاً عن طبيعة هذا الوحى وكيفيته، وما إذا كان تواصلاً باللغة أم تواصلاً بالإيحاء والالهام، هذا التساؤل الذى من شأنه أن يوضح ربما أول أساس التعامل مع النص بوصفه نصاً لغوياً بالأساس، باعتبار اللغة محور أساسى من تشكَّل الخطاب، وتكون بهذا المعنى ظاهرة اجتماعية –إذا جاز الوصف- بما يعنى أن الدلالات والمعانى لا تنشأ عن اللغة فى ذاتها، بقدر ما تنشأ عن السياقات الإجتماعية والثقافية التى تشكلت فيها هذه اللغة، من جهة، والسياقات المعرفية لمتلقيها من جهة أخرى، ويكون الوحى بهذا المعنى -على حد تعبير أبو زيد- علاقة جدلية بين الإلهى والانسانى، الأرضى والسمائى، بين المدرك والمتعالى.

مروراً بمعاصريه “أى المسلمون الأوائل” الذين عاصروا نزول الوحى، ومدى مساهمتهم فى تشكيل النص سواء على مستوى البنية، بما يتضمنها علمية الجمع والتدوين، وما يتبعها من عملية ترتيب للسور والآيات، أو على مستوى الدلالة التى ربما أدى الإختلاف عليها، إلى إختلاف فى البنية ذاتها. ثم انتهاءاً بما هو عليه القرآن الآن باعتباره نصاً ثابتا ومغلقاً فيما اصطلح عليه بالمصحف العثمانى.

ولعل جاء التعامل مع القرآن بوصفه خطاباً استجابة لبعض الإشكاليات التى طرحتها كيفية التعامل مع هذا الشكل النهائى للنص “المصحف”، بما ينطوى عليه ربما من آيات تبدو فى ظاهرها متناقضة ومتباينة لا مع بعضها البعض فحسب، بل وبالأساس مع واقعنا المعاش الآن، هذا الذى من شأنه أن يتنافى مع ديمومة النص باعتباره صالح لكل زمان ومكان. ومن ثم فلعل هذا المنظور الخطابى للقرآن يتخطى إشكالية التأويل والتأويل المضاد -بما اصطلح عليه نصر أبو زيد- وهذا ما راح يؤكده من خلال اثبات الطبيعة الخطابية للنص، والتى ستبدو جلية وللمفارقة فى هذا النص المدون “المصحف” بعد جمعه وتقنينه!!

إن السعى إلى تأسيس “تأويلية حية” مفتوحة، ضداً للتأويلات “السلطوية” والكليانية”، ينطلق من حقيقة فحواها أن تأويل القرآن هو فى حقيقته سعى لصياغة “معنى الحياة

يحاول أبو زيد تأكيد خطابية النص من خلال التأكيد على طبيعته الحوارية مع متلقيه المتعددين والمتباينين، هذا التباين بين المخاطَبين سيؤدى بالضرورة إلى تباين  الآيات الموجهه إليهم، تبعاً لتباين سياقات هذه الآيات والتى منها التاريخى المرحلى ومنها المقاصدى الكلى -إذا جاز الوصف- هذا التمييز بين الآيات من شأنه أن ينتج عنه قراءة جديدة “حية” للنص لا تتنافى مع ضروب واقعنا المعاش، ولا تتنافى بالطبع مع ماهية النص المقدسة باعتباره كلام الله.

إن السعى إلى تأسيس “تأويلية حية” مفتوحة، ضداً للتأويلات “السلطوية” والكليانية”، ينطلق من حقيقة فحواها أن تأويل القرآن هو فى حقيقته سعى لصياغة “معنى الحياة”

ولعل مثالاً على ذلك يأتى من كيفية التعامل مع قضايا أهل الكتاب، والتى أصبحت مطروحة الآن وبشدة على الساحة العامة، نتيجة لبعض الأحداث المتضمنة علاقة المسلمين اليوم بأهل الكتاب، والتى لعلها تنطوى على علاقة تناحر وصراع، متجلية -على سبيل المثال- فى حوادث الاعتداء على الكنائس، ولئن كان القرآن هو النص التأسيسى لهذه العلاقة، فإن قاريء القرآن يجد نفسه إزاء تباين فيما يخص علاقة المسلمين بأهل الكتاب، فتارة تتجلى العلاقة باعتبارها سيادة للمسلمين على هؤلاء الذين لا قدره لهم سوى إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون، وتارة تتجلى باعتبارها علاقة حياتية مشتركة أساسها العدل والمساواة، وللخروج من هذا التأويل والتأويل المضاد -يطرح أبو زيد- تاريخية الآيات ذات الأساس الاجتماعى الثقافى المشروطة بالضرورة بسياقها الاجتماعى المشرَّعة فيه.

لقد كان أهل الكتاب من المخاطَبين الفعليين للقرآن، الذى دخل معهم فى حوار وجدال اتسم بالسجال فى أغلب الأحيان لاسيما وقد راحوا هؤلاء فى البداية يرفضون الدعوة المحمدية ويجحدون نبوته، فشرع القرآن بعض الآيات توبيخ لهم وتعجباً لجحودهم النبوة المحمدية، فى حين أنها تدعى لما هو فى دينكم وكتبكم، {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ (آل عمران: 98)، علاوة على تعاون بعض اليهود مع المشركين فى الايقاع بالنبى (ص)، فكان من أسباب تشريع سورة الكهف -على سبيل المثال- أن كفار مكة بعثوا إلى أهل الكتاب يسألون منهم ما يمتحنون به النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: سلوه عن رجل طواف في الأرض، وعن فتية لا يدرى ما صنعوا، وعن الروح، فنزلت سورة الكهف المتضمنة جواب النبى على هذه الأسئلة والذى به ثبت نبوته.

ولما هاجر النبى الى المدينة وعظم شوكة المسلمين تغير نمط الخطاب القرآنى الموجه لهؤلاء، لاسيما أصبح المسلمون متساوون معهم فإن قاتلوهم يجب عليهم قتالهم {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ} (سورة البقرة: 190)، وما لبث أن تغير نمط الخطاب كذلك من الحث على قتل من يقاتل إلى العفو والصفح والتسامح بينهم، مؤكداً على المبادىء الجوهرية للدين المتضمنه الإيمان بالله والعمل الصالح والتى على أساسها يتحدد الثواب والعقاب الأخروى بحسب قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة: 62). وإذا كان الخطاب القرآنى يطرح آيات متعددة المعنى، فالأمر يظل مرتهناً بكيفية تطبيق هذه الآيات، وفقاً لمتطلبات الواقع ومصلحته.

فهل من الممكن أن يدرك المسلمون هذا الأفق المفتوح فى الخطاب القرآنى، الأفق المُحمل بامكانيات تساعدهم على الاختيار بدلاً من المعنى الثابت النهائى؟ إن السؤال مشروع وسيظل مشروعاً، لا من أجل فهم أفضل للمعنى الدينى فقط، وهو أمر حيوى، بل هو مشروع كذلك لمساعدتنا على التعايش فى مجتمعاتنا مع من يختلفون معنا ديناً أو فكراً.