matallah ليس كمثل طرابيشي مَن نَقَد التناقض في خطاب المثقفين العرب، ولكن ليس كمثل طرابيشي أيضًا من مارس هذا التناقض في خطابه بالذّات.* ولئن اعترف طرابيشي باحتمال وجود مثل هذا

349
%d9%85%d8%a7%d9%8a%d9%83%d9%84-%d8%b9%d8%b7%d8%a7%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87

مايكل عطــاالله

matallah

ليس كمثل طرابيشي مَن نَقَد التناقض في خطاب المثقفين العرب، ولكن ليس كمثل طرابيشي أيضًا من مارس هذا التناقض في خطابه بالذّات.*

ولئن اعترف طرابيشي باحتمال وجود مثل هذا التناقض فإنّه عزاه إلى تمرّده على الماركسية بعد التزامه بها. فالاختلاف في خطابه يكمن بين مرحلتين: ما قبل الماركسية وما بعد الماركسية.

ودون أن أتوقف عند مثل هذا التبرير الاستسهالي للقفز المتسرّع فوق الأيديولوجيات والذي يحملني على اتهام صاحبه بأنه عديم المبدأ، فإنّ مسكوتًا عنه يخفي نفسه خلف هذا التبرير: إنّه التناقض المعتمل بشكلٍ فجٍ داخل المرحلة الواحدة، وهي المرحلة الثانية التي يحلو لطرابيشي أن يقول لنا إنّه اهتدى خلالها إلى منهج تفكيري حر بعيدًا عن الأرثوذكسية الماركسية. والتناقض الذي يمارسه طرابيشي لا يتمثل فقط في الانتقال من الإثبات إلى النفي بل أحيانًا من النفي إلى نفي النفي، حتى تحول خطابه إلى متاهة مُدوّخة. وإن كنتُ لا أملكُ مع الأسف القدرة على تفكيك سلسلة التناقضات المطوّلة بسبب التزامي بكتابة مقالة سريعة، فإنّني سأحصر الكلام بنقاط ثلاثة:

1- انحطاط العقل اليوناني.

2- المغالطة التاريخية.

3- تاريخ التدوين في الإسلام.

أولًا: لماذا انحطّ العقلُ اليوناني بعد طول اشتغالٍ وازدهار؟ ألأسبابٍ ذاتيةٍ تتعلق ببنية هذا العقل بالذّات؟ أم لأسبابٍ خارجيةٍ طارئة؟ وبعبارة واحدة: هل استقال العقل اليوناني أم أُقيل؟

يميل طرابيشي إلى تحميل العقل اليوناني  مسؤولية انحطاطه، فهذا العقل استطاع أن يؤسّس نفسه في لوغوس ثم ما لبث هذا اللوغوس أن راح “يدور على ذاته ويأكل نفسه ويتحول إلى ضرب جديد من الميتوس” وذلك منذ أن حوّل أفلاطون “الفلسفة إلى شبه دين والعقل إلى إله، وعلى الأخصّ منذ أن جعل أرسطو الوظيفة الوحيدة لهذا الإله-العقل أن يتعقّل ذاته.” (نظرية العقل، ص. ٩٦- 97)

غير أنّ طرابيشي هو من سيدور على ذاته عندما سيناقض نفسه في نص لاحق محاولًا التحرّي عن أسباب خارجية -لا ذاتية هذه المرة- لهذا الانحطاط والقول إنّ “العقلانية اليونانية لم تمت بل قُتلت قتلًا شنيعًا” على يد “الهجمة المسيحية” التي استأصلت الفلسفة وأبادتها من خلال “مراسيم مصادرة الكتب وإغلاق المكتبات ومعاهد تدريس الفلسفة وفرض حصار شامل على الثقافة اليونانية”، وباختصار: “ما حدث في تاريخ العقل هو إقالة، لا استقالة.” (العقل المستقيل، ص. ٨٧- ٨٩- ٩٠- ٩١)

ثانيًا: إنّ انتزاع شخصية ما أو مفهوم ما من نصابه التاريخي وإسقاطه في نصاب آخر، هو ما يسمّيه طرابيشي “مغالطة تاريخية فاضحة”. وبالفعل، سنجده يعيب على الجابري “التحليق بالشاطبي فوق عصره [القرن الثامن الهجري] لإسقاطه في الفضاء العقلي للقرن العشرين” وذلك ردًا على الادّعاء  بأنّ خطاب الشاطبي يحتوي على “المعاني نفسها” التي نجدها “في خطاب فلاسفة العلم المعاصرين”. (وحدة العقل، ص. ٣١٨ )).

هكذا فإنّ ما سمّاه طرابيشي “مغالطة تاريخية” يتحوّل هنا إلى هستيريا تاريخية ناشزة

غير أنّ هذا الموقف الرصين -أعترف بذلك- سيخونه طرابيشي في نص آخر وذلك في معرض قراءته لأحد نصوص أبي بكر الرازي(القرن الرابع الهجري). ولنترك له الكلام:

“الرجوع إلى نص الرازي يكشف لنا عن سبق مدهش، بالمقارنة مع فلاسفة العصر إلى تعيين وظائف متعددة للعقل. وبالفعل.. إنّ المعاني الوظيفية الخمسة للعقل تكاد تجعل من الرازي فيلسوفًا حداثيّ الانتماء”. (مذبحة التراث، ص. ٩٩)

هكذا فإنّ ما سمّاه طرابيشي “مغالطة تاريخية” يتحوّل هنا إلى هستيريا تاريخية ناشزة تمارس ما تعيبه على غيرها وتتبنى بحماسة ما تنقده بنفس الحماسة.

وهذا التحليق التقدمي إلى الأمام يهون أمام التحليق التراجعي إلى الوراء؛ ففي مقالة تحمل هذا العنوان الغرائبي: “بذور للعلمانية في الإسلام”، سيقرّر طرابيشي أنّ الإسلام “عرف مسارًا ‘علمانيًا’مبكرًا” (هرطقات، ص. ٢٢).

ولن أحتاج إلى التعليق على هذه الترهات لأنّ طرابيشي هو من  سيتكفّل -كعادته- بالرد على نفسه، وهذا ليس في أي نص آخر بل في المقالة عينها. ولنترك له يحذر غيره حيث هو أولى بهذا التحذير: “حذار من المغالطات التاريخية، أي أن ننسب إلى تاريخ الأمس ما كان ليس له أن يحدث إلا في تاريخ اليوم” (هرطقات، ص. ٣٤ ).

ثالثاً: تاريخ التدوين

إنّ المقارنة بين كتابيّ “إشكاليات العقل العربي” و “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث” من زاوية تاريخ التدوين تضعني أمام تناقضات لا تطاق.

فقد رفض طرابيشي فرضية أن يكون التدوين قد حدث في “النصف الثاني من القرن الأول للهجرة”  ( إشكاليات العقل العربي،ص.٣٣) ليؤيد فكرة أنّ التدوين تمّ في “منتصف القرن الأول” (ص.٥١) أو في “مفصل القرنين الأول والثاني للهجرة” (ص.٤٢) على أبعد تقدير، هذا إن لم يتهور أكثر في  تبني تبكير مدهش للتدوين: “حتى بداية التدوين يُحتمل أن تكون سبقتها بداية أكثر بدائية بعد في الجاهلية”. (ص. ٥٠)

ومن الأمثلة التي يسوقها طرابيشي على هذا التدوين المبكر ترجيح “أن يكون أول كتاب في المغازي(=السيرة) هو بخط الصحابي سهل بن أبي خيثمة الذي ولد سنة ٣ للهجرة وتوفي في عهد معاوية” (ص. ٥٤ )

غير أنّ طرابيشي سيُقدّم لي ذريعة اتهامه بالاستهتار عندما سيقول ببداهة لاحقًا إنّ “السيرة لم تُكتب في حياة النبي.. بل كانت مُزامِنة في ظهورها لظهور الحديث النبوي، أي منتصف القرن الثاني فما بعد” (من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث، ص.٢٠٥). هكذا فإنّ ناقد “أسطورة تأخّر التدوين” في نص أول، يًعيد إنتاجها لحسابه في نص ثان، ودومًا باستخدام اللغة القطعية عينها.

وفي ما يتعلق بالتدوين الذي مارسه تحديدًا مالك بن أنس فإنّ مالكًا  قد “قضى أربعين عامًا وهو يُصنّف الموّطأ” (إشكاليات العقل العربي، ص.٤٢)  علمًا أنّ “التدوين في صحف خطوة منهجية لازمة للانتقال إلى التصنيف” (ص.٢٤) ما يعني أنّ صاحب الموطأ قد دوّن قبل أن يُصنّف.

وإن كانت هذه البداهة توحي للقارئ أنّ طرابيشي يتمتع بثقافة تاريخيّة لافتة، فإنّ النص التالي، بتناقضه مع النص السابق، لا يوحي بأقل من جهل بالتدوين والمُدوّنين ف”مالك لم يكتب ولم يُدوّن، بل كان يكتفي بأن ‘يقول’ و’يروي’. ولن تأخذ أقواله ومروياته طريقها إلى التأسيس النصي إلا على يد تلامذته في القرن الثالث الهجري” (من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث، ص. ١٥٠).

وجدير بالتنويه أنّ الإصرار المُذهل على التبكير في “إشكاليات العقل العربي” سيتحوّل  في “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث” إصرارًا أكثر ذهولًا على التأخير. وهكذا لا يعود من دور للحقيقة التاريخية سوى أن تُبدّل جلدها وفق أهواء طرابيشي ومزاجه المتقلب، مع اعتباري أنّ إيلاء “تاريخ التدوين” مثل هذا الاهتمام أمرٌ لا يخلو من تضليل؛ فالسؤال الأجدى ليس عن تاريخ النص بل دوره؛ لأنّ النص سواء كان قرآنًا أو سنّة أو حكمًا فقهيًا، وسواء دُوّن هذا النص في القرن الأول أو القرن الثاني أو القرن الثالث، فإنّه يتمتع في يومنا هذا  بكامل المشروعية التقديسية للقبض على العقل وتزوير إشكالياته. وهذا ما لم يتنبه له طرابيشي في قراءته السطحية ل”رأييّة” مالك بن أنس حيث اعتبر أنّها تشكل  “هامشًا من الحرية” حول النص، متجاهلًا أنّ “رأي” مالك (أي اجتهاده) قد تأسّس هو نفسه في نص لن يكون نصابه بأقلّ من نصاب القرآن والسنّة في الفرض والإلغاء والمحاسبة والتشدّد والإفتاء والتصنيف والتكليف.

ولا بأس أن أستطرد قليلًا في ما يتعلق بالتكليف الذي يبدو أنّ طرابيشي لم يحسم أمره منه. فعلى حين أنّه حدّ الإسلام “بأنّه ديانة تكليف” وأبدى إعجابه بواقعيّة “الإسلام الأول المُؤسِس نفسه في دولة” والتي تترّكز على “منظومة من القواعد” من أجل “الوفاء بحاجات مجتمع مدني وسياسي نظّم نفسَه على أساس هذا الدين”، فإنّ هذا الإعجاب بدنيوية الإسلام الذي “ما كان له أن يكتفي” بالروحانيّات، سيترّتب عليه إعجابًا أكبر ببعض آيات القرآن التي أخذت “من دعاة الزهد موقفاً نقدياً”. (نظرية العقل، ص. ٣٥٨-٣٥٩).

غير أنّ هذه الإشادة الحماسية بالإسلام “بوصفه دينًا ودنيا” (ص.٣٥٨)،  ستتحوّل في نص آخر إلى تحسّر على “مدى ما أسهمت الصناعة الحديثيّة في تحويل الإسلام عن منطلقه الروحي كما تمثّل بالقرآن، ولا سيما المكي، إلى منظومة دنيوية معنية بالأحكام أكثر منها بالإيمان وبطهارة الجسم أكثر منها بطهارة النفس”. (من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث، ص.٤٤٦-٤٤٧)، علمًا أنّ “الحديث كان الصناعة المعرفيّة الأكثر رواجًا.. إبتداء من القرن الثاني للهجرة فصاعدًا” (ص. ٤١٣).

وهكذا ليس الإسلام الأوّل هو دين التكليف بل إسلام القرن الثاني فصاعدًا.  وليس الإسلام دينًا ماديًا بل دينًا ذا منطلق روحي. وليس التكليف دليلًا على واقعيّة الإسلام بل دليلًا ضد هذه الواقعية التي حوّلت المُكلَّف “إلى إنسان آلي يتحرك بالنصوص وأحكام النصوص”. (ص. ٦٢٩).

وإزاء مثل  هذا الحساء من التناقضات، فإنّ القارئ يُساوره شكٌ في أنّ رجلًا سويًا وغير مختلٍ عقليًا وغير مفصوم ذهنيًا بإمكانه أن ينقلب على نفسه بهذه الطريقة المثيرة للهزء، ومع ذلك يبقى يتمتع باحترام غير قليل في أوساط بعض المستنيرين.

انطلاقًا من كلّ ما تقدّم، فإنّ طرابيشي الذي عَرّف المثقفين بأنّهم “حَمَلة لواء الوعي” يبدو أنّه لا يحمل في الحقيقة سوى لواء عدم الوعي.

*عام 1993 قدّم طرابيشي نفسه بوصفه صاحب “مشروع”، قبل أن يُعلن بعد ١٠ سنوات تقريبًا عن كراهيته لكلمة “مشروع” لأنّها “كلمة متنرجسة”. قارن بين العبارات التي اختتم بها طرابيشي كتاب “مذبحة التراث” والعبارات التي افتتح بها كتاب “العقل المستقيل في الإسلام؟”..
مؤلفات طرابيشي التي اعتمدنا عليها في كتابة المقالة والصادرة جميعها عن دار الساقي:

1- مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصر

2- نظرية العقل.

3- إشكاليات العقل العربي.

4- العقل المستقيل في الإسلام؟

5- وحدة العقل العربي الإسلامي

6- هرطقات عن الديموقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية.

7- من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث: النشأة المستأنفة.