gomar (١) لماذا فشلنا على مدار قرنين أن ندخل العصر الحديث؟ قرنان نحاول. منذ أن سحقت مدافع جنرال الفرنجة أبواب حصوننا، بعد قرون، كنا خلالها في كهف، نعاس، نعيش

%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%85%d8%a7%d9%85-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%b9%d8%a8%d8%af%d9%87

 

%d8%ac%d9%85%d8%a7%d9%84-%d8%b9%d9%85%d8%b1

جمال عمر

gomar

(١)

لماذا فشلنا على مدار قرنين أن ندخل العصر الحديث؟ قرنان نحاول. منذ أن سحقت مدافع جنرال الفرنجة أبواب حصوننا، بعد قرون، كنا خلالها في كهف، نعاس، نعيش في دفء حماية السلطان، وعصمة بابه العالي. لنصحو على عالم مختلف، غريب، عالم ما أنزل الله به من سلطان. لينبري باشا، أمسكته الرعية زمام حكم البلاد، ليبني جيشاً، حديثاً، قويا، ويجعله، عمود خيمة الدولة والسلطة (الحديثة). وتبعه في طريقه الشيخ المعمم، بأن حاول بناء توفيق فكري، للتحديث ولنهضة البلاد والعباد، تحت ظلال عباءة الباشا. تحديث سعينا إليه بنقل ثمار الحداثة ومنتجاتها على الجاهز؛ مدفع، أسطول، مدرسة.  وبعد قرنين من مشروع الباشا وتابعه شيخ التحديث. نظل نجري وراء المُنتجات والثمار. مُستهلكين وعالة، من أي فون الى حاملة طائرات هليكوبتر إلى فانوس رمضان الصيني، وملابس فيكتوريا سيكرت للنساء. بل نجري وراء وكيس السكر وزجاجة الزيت. وخط النت. منتجات، وأدوات، لو تعطلت، لا نملك قطع غيارها، أو ذخيرة لها. لنصل بعد قرنين من محاولات التحديث إلى مجتمعات؛ تنفجر، من داخلها، على أساس الدين، والمذهب، والعرق، حسب الجهة والمدينة والقبيلة والطائفة. صراعات سيطرة الذكور على الإناث. وفرض جيل شاخ، تقاليده على جيل شب. تناحر بين تقاليد مجتمعات الصحراء ومجتمعات الأودية والأنهار. ليست صراعات تَجَادل حي، يبني، ويزرع. بل صراعاتٌ تُصادر على المخالف، وتنتهك عرض المُختلف. مُجتمعات تتشظى و تتفكك، تفكك جدارية من زجاج هش هوت على صخور، تراثية وحداثية. مجتمعات مصائرها ومصائر شعوبها، تُحدد خارج أراضيها، ومن أشخاص يرسمونا مصائرها على أوراق علب سجائرهم في جلسات مرح. فلماذا بعد قرنين من محاولات التحديث وصلنا إلى هذا التشظي وتلك الإنفجارات؟

عملية التحديث هذه مع كل أزمة ومع كل تراجع تتعرض لهما، تقوم بمراجعات للمشروع ولمعادلته؛ ففي نهايات القرن التاسع عشر، ومع الإحتلال العسكري المباشر لمعظم البلاد التي يسكنها عرب ومسلمين، تمت مراجعات ومحاولات إصلاح وتصويب، فكانت الصحف و منظمات المجتمع المدني والبرلمان والجامعة (الحديثة)، جامعة “دينها العلم” تحاول أن تُخرِج مشروع التحديث من أزمته، لتنتهي “الجامعة الحديثة” بعد قرن إلى مجرد تكوين سلطوي مُسيس، خنق فيها التقليد كل تجديد وهمشه، بل وحاكمه وفي أغلب الأحيان طرده خارج أسوار كهنوت الأكاديمية باسم الأمن والاستقرار مرة وباسم الحفاظ على الثوابت مرات. لتتجدد المراجعات بعد الحرب العالمية الأولى وإلغاء الخلافة ونشوء سؤال من نحن مع ثورات العرب في بدايات القرن العشرين. لنختتم النصف الأول من القرن مع (نكبة) فلسطين. ولا يكاد يمر عقدان عليها وعلى التحرر من الاستعمار العسكري المباشر، لأراضي. حتى تأتي هزيمة سنة سبعة وستين، التي لم تكن مجرد هزيمة عسكرية. بل كانت هزة كبيرة، نكأت أسئلة الهوية، وأسئلة الدين. بل أعلنت هزيمة سبعة وستين، سقوط معادلة مشروع التحديث ذاتها بعد قرن ونصف لها. ليدخل العرب في مراجعات. تتعرض للجذور من؛ “الثابت والمتحول” إلى “تجديد العقل العربي”، “التراث والتجديد” إلى “نحن والتراث” و “نقد العقل العربي” إلى “من التراث إلى الثورة” إلى “تجديد النهضة باكتشاف الذات”. “من الاجتهاد الى نقد العقل الإسلامي” … لنختتم القرن الماضي بمراجعات على المراجعات ذاتها ب “مشروع النهضة بين التوفيق والتلفيق” و “التراث بين التأويل والتلوين”،”نقد نقد العقل العربي”.و”لعبة الحداثة بين الباشا و الجنرال” و”ثورات العرب خطاب التأسيس”. نصف قرن من المراجعات لندخل القرن الحالي بمجتمعات إنفجارية، إنفجارات من داخلها وأخرى من خارجها، إنفجارات تراثية و إنفجارات حداثوية. ولم تستطع ثورات بعض قبائلنا، الأخيرة، أن تحقق على السطح حياتنا المرئي، أهداف لها. لنعود لنفس السؤال الذي بدأنا به. لماذا؟. لماذا فشلنا خلال قرنين أن ندخل العصر الحديث؟

ألا يحتم علينا الحال، أن نعيد النظر نقديا في مشروع التحديث ومعادلته التي قام عليها خلال القرنين الماضيين. وأن ننقد محاولاتنا مقاومة هزيمة سبعة وستين، الفكرية، خلال النصف قرن الماضي؟ ومن ناحية ثالثة مراجعة عمليات نقد النقد التي بدأت حول هذه المشروعات الفكرية، منذ نهايات العقد الأخير من القرن العشرين.

السؤال الذي تطرحه علينا ثورات العرب أو ثورات بعضهم. لماذا وصلنا الى ما وصلنا اليه؟ وكيف نبني حداثة حقة، حداثة ليست تقليداً ولا نقلاً. حداثة تستوعب التراث وتتمثله وتستوعب تراث الآخر وتتمثله لا لكي تقلدهما أو تعيد إجترارهما، وإنتاجهما، أو تعيد التعبئة والتغليف. بل تتمثل وتستوعب لتتجاوز، تتجاوز من خلال مولود حي لا هو التراث ولا هو إنجاز الآخر بل كائن، نابض، متمثلٌ به ومن خلاله، جدليا؛ ما هو فاعل وحي، من تراثنا وما هو إنساني من إنجازات الإنسانية في عصرنا وشروط وجودنا فيه.

نحتاج إلى درس دقيق لهذه التجارب خلال القرنين الماضيين درساً نقديا

طوال الوقت وعينا بتجربة التحديث مُفتت، وعي مُجزأ، وعي يتناولها كشخصيات، وكل شخصية وحدة متكاملة مكتفية بذاتها. أشبه ما تكون منفصلة عن سياقها التاريخي/الثقافي. وقد نتناولها شخصيات كل بلد منفصلة عن البلدان الأخرى. بل نتناولها أجيال، ونتعامل مع تعاقب الأجيال وكأنه قدر، آت من خارج التاريخ والثقافة. وليس ظاهرة ناتجة من تفاعل جدلي مع واقع إجتماعي/ ثقافي. حتى أصبح هناك شبه اتفاق بين دارسي الفكر العربي، على لا تاريخية الفكر. “التاريخية” بمعنى الجدل الفاعل بين الإنسان والطبيعة والمجتمع والتصورات عن الغيب. وليس التاريخ بما هو وقائع وجزئيات متجاورة منفصلة كوحدات كاملة بجوار بعضها البعض.

الجانب التالي هو تغييب الإنسان من المشهد، تغييبه كذات فاعلة، فعلُها ووجودها يُشكل ويؤثر في الاجتماع والسياسة والثقافة. فالإنسان في ثقافتنا مجرد أداة، ديكور في المشهد. إنسان فاعل؛ على سبيل المجاز، فالفاعل الأول، الفاعل على الحقيقة هو الله القاهر فوق عباده، وكل فعل الإنسان مجرد مناسبات، إنه فعل على سبيل المجاز، لكن الفعل الحقيقي، خارج عن التاريخ وعن الاجتماع وعن قوانين الطبيعة. وخليفته في الأرض هو السلطان قديما، أو الحاكم الفرد الصمد،الآن ولو حتى بديكور نيابي/تمثيل/ ديمقراطي.

فغياب التاريخ كفاعلية جدلية، وتغييب الإنسان كذات فاعلة، حولا درسنا الفكري لتراثنا ولماضينا ولدرستنا للآخر وتراثه، إلى مجرد شريط طويل من وقائع وأحداث وأشخاص، هي نقاط كاملة، منفصلة عن بعضها، يمكن تفسير كل ظواهر الشريط لتفسير وبنقيضه، دون أي إحساس بتعارض. فيصبح التراث هو الحل وكذلك التراث هو سبب كل ما نحن فيه من مشكلات. يصبح الآخر هو النموذج الكامل والمثال والحل. والآخر هو العدو والغزو الثقافي والخطر والمؤامرة التي يجب أن نقاومها، ونحاربه ونتقي شروره. لا نعرف العلاقة بين تفكير رواد التفكير في ثقافتنا في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وماذا أضاف وحذف وعدّل من أتوا بعدهم في النصف الثاني من القرن على جهدهم؟. لا نعرف لماذا وكيف مع كل تراجع وهزيمة تواجهنا، يزداد المجتمع محافظة ويزداد احتماءاً بالماضي وبالتراث استعاضة عن النقص والضعف الذي يعيشه وما يواجهه من هزائم؟

نحتاج إلى درس دقيق لهذه التجارب خلال القرنين الماضيين درساً نقديا، درساً يحفر عن أسباب وعوامل الضعف ولا يكتفي بالحفر بحثا عن البترول أو حفرا في التراث بحثا عن مجد يحتمي به من ضعف واقعه. وننبش في بذرة التحديث ذاتها وطريقتنا في التعامل الحداثة، وهل طريقتنا في التعامل مع التراث ومع الحداثة هي سبب هزال ثمار التحديث بعد قرنين من المحاولات؟ ونحاول الكشف عن عوامل استمرار غياب التاريخية الجدلية في وعينا وفي ثقافتنا؟ وعوامل تغييب الإنسان الفاعل في المجتمع وفي الطبيعة لحساب الإنسان الأداة، الديكور، الإنسان الفاعل على سبيل المجاز؟

فهل هذا ممكن؟ وهل من مُستجيب؟ فبداية التجديد “قتل القديم فهما”. والله أعلم