“ليمون”.. مرحلة أخرى من النضج في أفلام روتردام السينمائي   روتردام ـ أحمد شوقي   عندما نتحدث عن مهرجان يهتم الجزء الأكبر من برنامجه بالأعمال الأولى للمخرجين، ويعد بشكل عام

8d43fecd-34ad-4b18-9465-01118fc327b4

“ليمون”.. مرحلة أخرى من النضج في أفلام روتردام السينمائي

 

روتردام ـ أحمد شوقي

 

عندما نتحدث عن مهرجان يهتم الجزء الأكبر من برنامجه بالأعمال الأولى للمخرجين، ويعد بشكل عام أحد أهم المنصات العالمية لتقديم المواهب الجديدة الواعدة سواء بدعم أفلامها مالياً أو بعرضها ضمن المهرجان، فمن الطبيعي أن تكون تيمات النضج coming of age غالبة في نسبة لا بأس بها من الأفلام المعروضة ضمن الدورة السادسة والأربعين من مهرجان روتردام السينمائي الدولي (25 يناير – 5 فبراير)، فجاء أول أفلام مسابقة نمر هيفوس “ما بعد ذلك مضيء Light Thereafter” للمخرج البلغاري كونستانتين بوجانوف منتمياً لنفس التيمة حول رسام شاب يقطع رحلة لمقابلة مثله الأعلى الرسام الفرنسي، وخلال رحلته يقابل شخصيات عديدة يتجاوز من خلالها الكثير من متاعبه.

إلا أن الأفلام لم تشهد هذه التيمة بصورتها المعتادة فقط بتجاوز فترة المراهقة نحو بداية النضوج، وإنما امتدت إلى مساحات أخرى متماسة مع الفكرة ذاتها، كما رأينا في فيلم الافتتاح المميز “ليمون Lemon” للمخرجة الأمريكية جانيكزا برافو.

___e_%d8%b4_e-___e_%d8%b2____%d8%af_a

“ليمون” فيلم كوميدي أمريكي مستقل، بكل ما يمنحه الوصف للوهلة الأولى من دلالات تخص غرابة الشخصيات والأحداث، السوداوية المسيطرة على كل شيء، ومحاولات التجديد على مستوى الشكل الذي تروي المخرجة من خلاله حكاية إيزاك (يلعب دوره زوجها وشريكها في الكتابة بريت جيلمان)، الممثل الأربعيني اليهودي الذي ينهار في ظرف أيام البناء الافتراضي الذي كان يعتقد أن حياته تقوم عليه.

إيزاك يدير فرقة مسرحية مغمورة يتعامل فيها وكأنه أحد آلهة فن التمثيل، فيهين ممثلة شابة بشكل مستمر أمام الجميع. يعيش مع حبيبته العمياء، ويبحث عن فرصة للتمثيل خارج عالم المسرح المحلي المحدود. في أحداث متوالية مروية دائماً بصورة غريبة، تصور الأفعال وردود الأفعال التي تصدر من إيزاك بمزيج من التكوينات غير المعتادة والموسيقى متنوعة المصادر التي تطغي أحياناً على كل عناصر الصورة. في هذه الأحداث نعرف حقيقة عالم إيزاك الواهي.

تعليماته القاسية للممثلة ما هي إلا تزلف لممثل شاب يعتقد إنه قد يمنحه فرصة للعمل في فيلم، الأدوار التي ينالها هي لرجال مرضى في إعلانات حملات توعوية، حبيبته تتركه بعدما ملّت حياتها معه. باختصار، تنهار حياته ويصير عليه البحث عن بديل لكل شيء.

غير أن كلمة السر في “ليمون” ليست هي الحكاية وإنما الكيفية التي ترويها بها المخرجة، والتي تمكنت من توظيف الحس الكارتوني من شخصيات الفيلم في خلق لحظات مشحونة بالعواطف أحياناً (أعتراف أحد الأقارب لإيزاك بالتعاسة)، شديدة الطرافة غالباً (مشاهد لقائه بالسيدة الجامايكية التي يتعرف عليها وأهلها)، دائمة الارتباط بالغرابة الجروتسكية grotesque على مدار الفيلم.

59425fd6-40a1-40c6-bdee-f20fad8a5640

برافو تحاول الإمساك بالخيط الرفيع بين ما ترويه وما تتركه من الحكاية، غير راغبة في جعل المشاهد يتورط عاطفياً مع إيزاك ومن حوله إلا في لحظات بعينها. هايبر دراما hyper-drama تشاهدها من الخارج فتتعجب من عبثية مغامرة البحث عن السعادة والتحقق والرضا. كل من في الفيلم ـ وفي الحياة بطبيعة الحال ـ يتخبط داخل هذا التيه، والاختيارات التي تقدم عليها الشخصيات وكل التوتر في الحديث بينهم حتى في لحظات الصفاء ما هو إلا تعبير عن تلك الحالة.

الفيلم يتوقف عند التلميح بالفكرة. لا يتعمق فيها أكثر سواء في حياة إيزاك أو الآخرين. وفي هذا الاختيار تكمن قوة الفيلم وضعفه معاً. قوته في جعلك راغباً في المزيد طيلة الوقت، وضعفه في نزول تترات النهاية بصورة مفاجئة دون أن تبلغ الحكاية أي نقطة ارتكاز درامية أو نفسية أو فكرية تصل بالمشاهد إلى استنتاج أو قدر مقبول من الإشباع.

محصلة فيلم افتتاح مهرجان روتردام إذن هي حكاية منقوصة خفيفة الظل عن شخصية مرسومة بشكل جيد، مع أسلوبية واضحة توظفها المخرجة بصراحة لتشكيل العلاقة بين الفيلم ومشاهده، فتصنع عدداً من المشاهد الممتازة التي تفوق في مستواها النتيجة الكلية لوضع كامل مشاهد الفيلم بشكل متوال. ومن وضوح قدرات المخرجة ونوع وشكل الفيلم يمكن فهم سر حماس مهرجاني روتردام وصندانس له (ضمه الأخير أيضاً لبرنامجه)، فهو مناسب تماماً لتوجهات المهرجانين، لكن يبقى من الصعب الرهان على بقاء الفيلم في الأذهان طويلاً فيما بعد فترة بداية العام.