سيد حجاب.. شاعر الدراما بقلم: أسامة عبد الفتاح   بغياب الشاعر الكبير سيد حجاب (23 سبتمبر 1940 – 25 يناير 2017)، سقطت ورقة أخرى من شجرة المبدعين الكبار الذين لم

33000

سيد حجاب.. شاعر الدراما

أسامة عبد الفتاح

بقلم:

أسامة عبد الفتاح

 

بغياب الشاعر الكبير سيد حجاب (23 سبتمبر 1940 – 25 يناير 2017)، سقطت ورقة أخرى من شجرة المبدعين الكبار الذين لم يكن ارتباط جيلى بهم مثل باقى المتلقين، فقد ساهمت أعماله – وغيره من الفنانين الذين بدءوا مسيرة التألق فى النصف الثانى من سبعينات القرن الماضى والأول من ثمانيناته – فى تشكيل وجداننا حين تفتح وعينا فى تلك الفترة المعقدة التى تلونت فيها مصر بأصباغ الانفتاح الاقتصادي، وعانت احتقاناته، وكان خلالها أحد الذين وضعوا «كلمات وأشعار» حياتنا، وأحد الذين أضاءوا لنا الطريق طوال المشوار.. ليس رحيله إذن مجرد غياب لمبدع كبير، بل افتقاد لجزء لا يتجزأ منا، ومن الوطن ذاته.

ينتمى حجاب إلى جيل من المثقفين والفنانين المصريين تفتح وعيه على ثورة يوليو 1952، وتربى على قيمها ومبادئها، وعاش انتصاراتها وانكساراتها، وصدمته نكستها فى يونيو 1967، ولم يكد يستعيد توازنه بعد انتصار أكتوبر 1973 حتى أصابه الإحباط والحيرة مع تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادى فى منتصف السبعينات، بكل ما رافقه من فساد اقتصادى واجتماعى وسياسي، وبكل ما تسبب فيه من زيادة نسبة الفقر، واتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء، وتلاشى مفهوم العدالة الاجتماعية، ربما إلى يومنا هذا.

ورغم أنه كتب عشرات الأغنيات العاطفية والوطنية، وكذلك العديد من الفوازير والأوبريتات، إلا أن بصمته الواضحة وإنجازه المذهل كان فى تأليف المقدمات والنهايات «التترات»، وأيضا الأغنيات والرباعيات للأعمال الدرامية، التى تجاوز دوره فيها حدود المصاحبة الشعرية للدراما إلى التعبير الصادق عنها، والإحساس الفائق بها، إلى درجة الذوبان الكامل فيها، وتسخير موهبته وخبراته كلها فى خدمتها.. كما ترك بصمة لا تُمحى فى كتابة أغنيات الأطفال، حتى صار بعضها «أيقونات» مصاحبة لطفولة أجيال متوالية، مثل «سوسة» و«كان فيه فراشة» و«يا اصحابى وصاحباتي» و«توت توت» وغيرها.

حين بدأ حجاب كتابة «الشعر الدرامي» فى أواخر السبعينات، كانت الأعمال الدرامية – فى السينما والتليفزيون – تحاول أن تعبر عن التحولات والتطورات الوطنية الحادة والمتلاحقة، فى فترة «درامية» بامتياز من تاريخ مصر، هوت من قمة الشعور بالفخر الوطنى بعد انتصار 1973، إلى حضيض فساد الانفتاح، وربما يفسر ذلك اتجاه الدراما التليفزيونية للبحث عن القدوة من خلال تقديم سير رموز التنوير فى التاريخ المصرى من أمثال طه حسين وغيره.

 

ساهم فى تشكيل وجدان أجيال متوالية وترك بصمة لا تُمحى فى تأليف «تترات» المسلسلات وكتابة أغنيات الأطفال

 

وهكذا جاء الانطلاق الحقيقى لمسيرته الناجحة بوضع أشعار مسلسل «الأيام» (1979)، الذى نجح فيه برقة شديدة ومشاعر صادقة مرهفة – بالاشتراك مع رفيق مشواره وصديق عمره الموسيقار الكبير الراحل عمار الشريعى – فى التعبير عن مأساة طه حسين، خاصة فى أغنية مثل «شبيك لبيك» يحلم فيها الطفل الكفيف باستعادة بصره، وبجن طيب يحقق له كل أمانيه. ويعد المسلسل كله نموذجا لذوبان أشعاره فى الدراما بشكل لا يمكن معه فصل أى منهما عن الآخر، حيث قام العمل على الأغنيات والرباعيات التى تكشف عن مشاعر طه حسين الداخلية وما عاناه من سواد وقهر بنفس القدر الذى قام به على الحوار والمواقف الدرامية.

وهنا لا بد من التوقف عند العلاقة الفنية الفريدة التى ربطته بالشريعي، الذى كوّن معه ثنائيا خالدا بأعماله العظيمة، وناجحا مع كل من شاركهما أو انضم إليهما من المطربين – وأهمهم على الحجار، أكثر من تغنى بكلمات سيد حجاب.. كما نجحا مع جميع المؤلفين الذين صاغوا أعمالهم غنائيا وموسيقيا، وأهمهم الكبير الراحل أسامة أنور عكاشة، فى العديد من الروائع من «وقال البحر» (1982) إلى «المصراوية» (2007)، مرورا بـ«الشهد والدموع» (1983) و«عصفور النار» (1987) و«أرابيسك» (1994) و«أميرة فى عابدين» (2002) وغيرها.

ولم يمنعهما الارتباط بعكاشة من التألق فى أعمال مؤلفين آخرين صارت من علامات وكلاسيكيات الدراما التليفزيونية، من «الأيام» و«أبنائى الأعزاء شكرا» (1979)، و«مبروك جالك ولد» (1980)، إلى «أوبرا عايدة» (2000) و«جحا المصري» (2002) وغيرها.

وكما شاركا بكل الفاعلية فى مشروع صناع الفيديو لتشريح المجتمع ورصد تغيراته وتحولاته بعد تطبيق سياسة الانفتاح، ساهما أيضا فيما سُمى تيار «الواقعية الجديدة» السينمائى فى الثمانينات، والذى كان ثورة على أفلام المقاولات وتغييب العقل، ونزل رواده إلى الشارع للتعبير عن البسطاء وفضح فساد المجتمع وحيتانه وقططه السمان، وأبرز ما علق فى وجدان الوطن من إسهاماتهما السينمائية، نهاية فيلم «كتيبة الإعدام» (1989) بأغنيتهما الوطنية الساحرة المؤثرة «حبيبتى من ضفايرها طل القمر» بعد الانتصار على حوت الانفتاح الخائن.

ولم يكن العمل مع الشريعى شرطا لوصول أشعاره إلى الناس، حيث تألق مع ملحنين آخرين فى علامات وكلاسيكيات أخرى، مثل الكبير عمر خيرت فى «غوايش» (1986) و«اللقاء الثاني» (1988)، وميشيل المصرى فى «ليالى الحلمية» (1987)، والكبير بليغ حمدى فى «بوابة الحلواني» (1992)، وياسر عبد الرحمن فى «المال والبنون» (1992) و«الليل وآخره» (2003) وغيرهم.