انطباعات طائرة.. حول أفلام محمد كامل القليوبى   بقلم : سيد سعيد المخرج السينمائى   أعتقد أن رحلة الفنان الراحل محمد كامل القليوبي، فى مجملها كانت تراهن على الالتقاء فى

999

انطباعات طائرة.. حول أفلام محمد كامل القليوبى

 

بقلم :

سيد سعيد

المخرج السينمائى

 

أعتقد أن رحلة الفنان الراحل محمد كامل القليوبي، فى مجملها كانت تراهن على الالتقاء فى منتصف الطريق بين تلك القوالب التى أنتجتها السينما المصرية، والتى حققت نوعا من النجاح الجماهيرى الواسع، وبين رؤيته المتقدمة لفن السينما بعد أن قام بتخليص هذا الإرث مما عاناه، ولا يزال يعانيه من الخلط فى المفاهيم، والكليشهات الشائعة فنصوص القليوبى السينمائية تخلخل هذه القوالب، أى أنها تستقطر القالب ثم تعيد إنتاجه فى نكهة جديدة وتأسيس جديد، وسنضرب هنا مثالا من قالب الميلودراما.

إن الميلودراما التى لا تزال تسيطر على أفلام السينما المصرية السائدة بنجاح، حيث ما زالت تلبى الحاجات السيكولوجية، وتقوم بنفس وظيفتها الأيديولوجية، والتى ستقوم على تبرير الرضا بالواقع على أسس ميتافيزيقية، ودينية، والمؤسسة على تأكيد أهمية القدر فى تحديد مصائر البشر، وحيث تقدم على المستوى الشعبى نوعا من الكثارسيس بعد أن تغرق المشاهد بطوفان من الدموع، وتهون عليه بلواه ومصائبه.

هذه المليودراما ليست هى ذات الميلودراما التى يقدمها القليوبى فى أفلامه، فالقليوبى يحاول أن يرد للميلودراما اعتبارها، ويعود بها إلى مفهومها النقي، ويعيد إليها وظيفتها التى نشأت معها منذ أن ظهرت فى فرنسا وإيطاليا فى نهاية القرن السابع عشر، وحتى ازدهارها فى القرن التاسع عشر كأحد روافد الفكر الرومانسى الذى نتج بدوره عن تلك الانفجارة الشعبية التى تمثلت فى ثورة 1789، وحيث بدأ مفهوم الشعب يلعب دوره فى الحياة الفكرية والإبداعية.

لم يكتف القليوبى برد الاعتبار إلى مفهوم الميلودراما، ولكنه حاول أيضا أن يخلصها من صيغتها النمطية الجامدة، ويجعل منها صيغة ديناميكية مفتوحة على قوالب أخرى، وقد ساعده على ذلك ثقافته الواسعة، وإلمامه بمنجزات السينما العالمية.

فبدلا من التماهى مع الصبغة الميلودرامية جعل منها مجالا للتأمل، ونافذة ينظر منها الإنسان على حياته بما يدفعه إلى طرح الأسئلة، وذلك باستخدام طرائق وأساليب المفهوم البريختى عن الفن من ناحيته، ومن ناحية أخرى باللجوء إلى جدل الواقعى بالفنتازى وحكاية ما جرى فى مدينة نعم – البحر بيضحك ليه – خريف آدم.

وهذا الاختراق للميلودرامي، متجذر فى الثقافة المصرية والعربية «ألف ليلة وليلة، الخطابات الشعبية» هذا الاختراق والتنافذ يولد رؤية مغايرة، وفى نفس الوقت يرتكز على مظهر من مظاهر الهوية، وبدلا من القدر الذى يلعب دورا رئيسيا فى الميلودراما التقليدية بأبعاده الرمزية والميتافزيقية، بلعب واقع منقوص، واقع محموم، وغير مستقر، ومفتوح على كل الاحتمالات ويجعل الأحداث تتحرك فى اتجاهات غير متوقعة، بل وملتبسة ويصعب معها تحديد أفق انتظار لما هو متوقع بما فيه مصائر الشخصيات، وكما يخترق الغريب اللامألوف، المألوف، فإن الهزلى يخترق الجاد فى الميلودراما القليوبية، ليلقى كل بظلاله على الآخر فيؤسسان معا علاقة بنائية توكد التثوير وافتقاد الاستقرار، وبدلا من ثنائية الخير والشر، والنور والظلام فى القالب الميلودرامى تقوم ثنائية المنطقى والعبثي، والعفو المرتجل وبين خطاب معقلى يسعى إليه المخرج لكى يضعنا أمام مسئولية كل ذلك وفق نظرة بريختية.

القالب هنا يتحول من أداة تزييف – كما هو فى السينما المصرية السائدة – إلى أداة تنوير وتثوير.

وإذا كان القليوبى قد بدا ملتزما بالتعاليم البريختية فيما يتعلق بالتغريب، خاصة قطع استمرارية الأحداث الرئيسية بأحداث فرعية سواء كانت من داخل السياق أو من خارجه أو إدخال مادة حكائية غريبة على مبنى الحكاية الرئيسية أو إدخال مادة وثائقية فى المتن الروائي، وكلها آليات تقوم بوظيفة تعليقية تستظهر ما هو كامن فى المادة الحكائية ويغض النظر عن عدم الانسجام البيوى المتعمد، فإن هذه المقاطعات السردية تشكل نوعا من الخطاب المضاعف تؤدى إلى وجود تأويل مضاعف، وتجعل الحدث الرئيسى مشدودا دائما إلى عمليات تبدلات وتحولات فى مساره السردي.

بالإضافة إلى أن القليوبى يوجه الممثلين ليكونوا على مسافة متوازنة من الشخصية التى يؤدونها، هذه الآليات التقريبية تجعل المرء يتساءل عن العلاقة بين القالب الميلودرامى الذى يتسم بالإفراط الانفعالى وبين المدخل البريختى الذى يسعى إلى تبريد هذا الانفعال وربما يكون الأمر مفهوما إذا ما عرفنا أن بريخت نفسه استخدم الميلودراما كوعاء لفكره الماركسي.

النظام السردى

تبدو بساطة السرد عند القليوبى بساطة خادعة، فهى وإن كانت تخلو من أى التوءات، أو حذلقة، فإنها تفاجئنا بصدمات – خارج نصيه – إن جاز هذا التعبير، وتقتحم ليس فقط استقرار وسيولة التتابع السردى بل أيضا تخلخل النص وتفقده تماسكه الشكلى وتطيح بما يسمى الوحدة العضوية بهدف انتزاعنا من حالة الاندماج، وتجعلنا على الأقل فى حالة حياد مؤقت.

وفى جانب آخر، ووفقا لهذه الجمالية التى تقوم على المشاركة لا الاندماج، يأخذ الشكل السردى فى بعض أفلام القليوبى بتقنية الكولاج الذى يتخذ أشكالا متنوعة بين فيلم وآخر، ففى فيلم «ثلاثة على الطريق» تتحق العملية السردية من تتابع وقائع منفصلة تتوزع على مساحة السرد، هذه الوقائع المنفصلة لا تنمو ولا تتطور أو تتداخل بفعل التتابع ولكنها تسهم بترادفها وفى كلياتها فى تحولات وعى الأبطال وليس بوصفها تسلسلا منطقيا أو سببيا.

فى فيلم «البحر بيضحك ليه» هناك تعاقب فى الأحداث ولكنه ليس تعاقبا سببيا بل هو تعاقب عشوائي، فهو لا يسير وفق خطة محددة، إنه تعاقب حالات «البطل» أكثر منه تعاقب أحداث، لذلك فالإيقاع لا يأتى من التسلسل التعاقبي، ولكن من التنوع الذى يكشف عن دراما داخلية، وهى التى تشكل الكولاج الذى يأخذ شكلا تركيبيا، والذى تتحكم فيه بدوره وسائل سينمائية صرفة.

الكولاج هنا يحافظ على تشظى الأجزاء ويمنحها حرية نسبية لتؤكد تشظى العالم وعشوائيته، وعلى المشاهد نفسه أن يقوم بتأويل وربط الأجزاء المتشظية.

جمالية الصورة

رغم ثقافة القليوبى الواسعة، واطلاعه المستمر على أحدث إنجازات السينما العالمية، فإنه يبدو غير منقاد إليها، ولا يلهث خلفها، أو استنساخها، وهو أمر يحسب له، وهو هنا يبدو كمخرج غير متحذلق، ولا يميل إلى الإبهار البصرى أو التقني، كما أنه لا يسعى إلى تعقيد مفتعل، فهو لا يلجأ إلى مؤشرات تتلاعب بالصورة، وتذهب بها بعيدا عن مجريات الأمور خارج الفيلم، بل تبدو أفلامه منطوية على نوع من العفوية ويترك للكاميرا حرية التفاعل مع المشهد المصور.

واللافت للنظر هنا أن القليوبى وفى بحثه النظري، لم يقدم نقدا يحيد به عن موقفه من جمالية الصورة ولكنه أشار إلى علاقة السينما بفنون الفرجة السابقة عليها عند المصريين وربما أراد القليوبى ألا يحدث انقلابا فى تقاليد المشاهدة عند المصريين، والتى تجذرت منذ أمد بعيد فى السينما المصرية، فيربك مشاهده، ويحافظ على درجة ما على تلك التقاليد.

وبعد

هذه مجرد انطباعات طائرة تترك تفاصيلها لمجال دراسة وبحث منفصل إن شاء الله.