«عن الجسد والروح».. مهرجان برلين يكشف مبكرا عن أولى تحفه السينمائية برلين – أحمد شوقى لا وقت لالتقاط الأنفاس عندما تكون فى مهرجان بحجم برلين السينمائى الدولي. ثلاثة أفلام جديدة

dob4

«عن الجسد والروح».. مهرجان برلين يكشف مبكرا عن أولى تحفه السينمائية

برلين – أحمد شوقى

berlin_international_film_festival_logo-svg

لا وقت لالتقاط الأنفاس عندما تكون فى مهرجان بحجم برلين السينمائى الدولي. ثلاثة أفلام جديدة من المسابقة الرسمية تُعرض يوميا، لو أضفنا إليهم الأفلام العربية العديدة التى يعرضها المهرجان الأكثر اهتماما بالسينما الآتية من منطقتنا، مع عناوين أخرى مهمة تُعرض فى أقسام المهرجان المختلفة، تكون المحصلة اليومية هى خمسة أفلام على الأقل يتوجب على الراغب فى امتلاك صورة حقيقية عن برليناله 67 أن يجد وقتا لمشاهدتهم. ناهيك بالطبع عن الاجتماعات والمقابلات والمؤتمرات الصحفية.

التعويض عن هذا القدر من المجهود لا يمكن إلا أن يأتى فى صورة فيلم جميل، تراه فيشبع حواسك ويمتع بصرك ويثير عقلك. أفلام من هذا النوع تمر أحيانا مهرجانات كاملة دون أن نعثر على واحد منها، ونذكر الدورة السابقة من برليناله التى تحدث الجميع خلالها عن افتقاد المهرجان للفيلم التحفة، بصورة جعلت وثائقى جيد المستوى مثل «فوكوماريه» لجيافرانكو روزى يحسم الدب الذهبى لصالحه مبكرا بسبب غياب المنافسة.

هذا العام يبدو حظنا أسعد كثيرا، كيف لا والمهرجان قد كشف مبكرا جدا عن أول أفلامه الرائعة، فى ثانى فيلم يُعرض من أفلام المسابقة الدولية بعد فيلم الافتتاح متوسط المستوى «جانجو Django» للفرنسى إتيان كومار، عن سيرة عازف جيتار غجرى حمته موهبته من تنكيل النازيين بالغجر وقت احتلالهم لفرنسا.

تحفة الأيام الأولى لبرليناله هو الفيلم المجرى «عن الجسد والروح On Body and Soul» للمخرجة المخضرمة إلديكو إنيدي، التى فاجأت الجميع بمعالجة بالغة الرهافة لقصة حب تدور جنباتها فى أغرب مكان يمكن أن يحضن لقاءً رومانسيا بين شخصيتين أبعد ما تكونان عن التصورات النمطية حول أبطال قصص الحب: حكاية حب ينشأ فى مجزر آلى بين فتاة مصابة بحالة من التوحد ورجل يعانى من شلل فى ذراعه.

do22

إندرى المدير المالى للمجزر الذى تسببت إعاقته فى إحباطه من دخول أية علاقة حقيقية بامرأة، وماريا التى تمزج تصرفاتها بين التوحد والوسواس القهري، مراقبة الجودة التى يتم توظيفها فى المجزر فلا تكوّن ولو صداقة وحيدة مع زملائها فى ظل عجزها عن التواصل مع الآخرين ولو حتى بكلمة طيبة.

شكل التعارف بين إندرى وماريا يكاد يؤكد استحالة وجود ولو صداقة بينهما، غير أن الوحدة والفراغ الروحى الذى يعانيه كل منهما يقودهما للوصول إلى كمالهما بطريقة حالمة حرفيا، فهما يتقابلان فى الأحلام التى يرونها كل ليلة. قد تبدو الفكرة سنتمتالية عندما تسمعها، لكن تمكن المخرجة من صياغتها فى حكاية بالغة الإحكام الدرامي، لا تتخذ الشاعرية ذريعة للهروب من المنطق، يأخذ الأمر لحدود واقعية سحرية منطلقها حاجة الإنسان العادى – بل الأقل من العادى – ومبلغها التحليق فى سماء التكامل الروحى والجسدي.

التكامل لا يأتى إلا بعد التعميد بعبور طريق غير ممهد من المخاوف وعدم الأمان الاجتماعي، ويكفى كونها علاقة تنشأ بين فتاة تتوتر بشكل مرضى لمجرد أن يلمسها إنسان، ورجل لا يمكنه أن يعد لنفسه الإفطار دون أن يسقط طعامه على الأرض. علاقة تبدأ من محاولة لتجاذب أطراف الحديث يقول فيها إندرى انه يفضل تناول البطاطس المهروسة فتجيب ماريا بكل تلقائية «لأنك معاق وهى أسهل أكلة يمكن تناولها بيد واحدة»!

هذا الشكل من الردود والأفعال اللاذعة التى تفجر الضحكات رغم مرارتها، يسير جنبا إلى جنب مع الهوية البصرية الواضحة للفيلم على مستوى التكوين والميزانسين وخاصة حركة الممثلين، ليرسم هذا كله بورتريه لمأسوية العلاقة بين المجزر/ العالم/ البشر الذين يتحركون ويتفاعلون ويشعرون بشكل آلي، وبين هؤلاء الذى تركوا جانبا دون تواصل حقيقى يساعدهم على تجاوز النقص. مع التأكيد على ان النقص هنا داخلى بالأساس، فما المرض أو الإعاقة إلى صورة خارجية تقل إيلاما عن الوحدة التى جعلت كلا البطلين يحلم نفس الحلم الذى يبدأ به الفيلم: إنه غزال يهيم فى الغابات بحثا عن وليفه.

بمجرد انتهاء العرض الصحفى فى الصباح الباكر ليوم المهرجان الثانى (أول الأيام الفعلية بعد الافتتاح) دوى صوت التصفيق فى صالة قصر البرليناله الضخمة، ليعلن رد الفعل عن ميلاد أول عمل بديع حقا فى الدورة السابعة والستين من المهرجان. «عن الجسد والروح» الذى جعلنا ننسى إحباط «جانجو» المعروض قبله، ونتغاضى عن تخبط الفيلم الأمريكى «العشاء» ثالث الأفلام المعروضة فى المسابقة. أو ربما يكون فتور استقبال «العشاء» مرتبطا بكونه العرض التالى للتحفة المجرية، فليس من السهل مشاهدة فيلم اعتيادى بعد آخر بالغ الإمتاع.