حنينٌ يستَقطِرُ جذور الذاكرة في معرض رضا عبد الرحمن   بقلم : د. ياسر منجى   يطالعنا «رضا عبد الرحمن»، من خلال عرضِه الراهن بـ«جاليرى ضَيّ»، بمجموعةٍ منتَخَبة من أعماله،

212

حنينٌ يستَقطِرُ جذور الذاكرة في معرض رضا عبد الرحمن

 

بقلم :

د. ياسر منجى

 

يطالعنا «رضا عبد الرحمن»، من خلال عرضِه الراهن بـ«جاليرى ضَيّ»، بمجموعةٍ منتَخَبة من أعماله، التى تمثل شريحةً تلخِّص خريطة المسارات التحولية الرئيسية فى تجربته الفنية. غير أن ما يميز هذه الشريحة التلخيصية، على وجه التحديد، إنما يكمن فى تَضمينِها عددا من الأعمال، التى برغم أنها عُرِضَت فى مناسباتٍ سابقة، إلا أنها كانت مناسبات ضِمن فعالياتٍ وعروضٍ خارجية، ولم يسبِق عرضُها داخل مصر قبل ذلك، فهى أقرب ما تكون إلى جُمَلٍ تركيبية شاردة، يُعادُ استحضارُها وتوليفُها فى صُلب النَصّ البصرى العام لتجربة «رضا عبد الرحمن».

https://scontent-cai1-1.xx.fbcdn.net/v/t1.0-9/11178293_981355595215846_3799198759126386615_n.jpg?oh=79e22948e90b14320446ecc636a8b2c0&oe=59491EB5

اختار «رضا» لهذه النخبة من أعماله عنوانا إطاريا دالّا، هو «حنين»؛ مُعَبّرا من خلالِه عما بات يُصَرّح به فى مناسباتٍ عِدّة، مما يصفه هو نفسه بـ«الحنين الجارف لمصر… المنشأ والعشق»، وهو ما يندغم فى عمق إحساسه بقلقٍ وجوديٍّ من نوعٍ آخر، يتعلق بتجربته الفنية ذاتها، نتيجة قرار الارتحال للولايات المتحدة الأمريكية، الذى يصفه بأنه شَطَرَه «فنيا ووجدانيا».

وبهذا المفهوم، يمثِّل هذا العرض حالةً دفاعية فى المقام الأول، على المستوى الوجداني؛ يحاول «رضا» من خلالها التشَبُّث بمرجعية النشأة الأولى، والتَحَصُّن خلف أسوارها – ولو من خلال تجربة فنية موقوتةٍ بزمن عرضِها – لدَرءِ تبِعات الحنين وهواجس الافتقاد القاسي. هو إذن سَعيٌ لاستقطار جذور الذاكرة الساكنة فى أرض الميلاد والنشأة والتحَقُّق الأول، وجَهدٌ لمَدّ جسورٍ بينها وبين بقاع الترحال وأصقاع الاغتراب.

ومن زاويةٍ أخرى، يُعَدُّ المعرض فرصةً لتأمل ملامح ذلك الخط الأسلوبي، الذى دأب «رضا» على انتهاجِه، ومُوالاةِ تطويره، والاسترسال فى مغامرة استكشاف أبعاده، الجمالية والفكرية، خلال السنوات الخمس الماضيات، مستحضِرا فى صميمِه وفحواه مرجعية الفن المصرى القديم، بوَصفها مَعينا لا ينضب لتخصيب جدلية الصورة/ التاريخ.

90

كان هذا الاختيار المرجعى مِن قِبَل «رضا» مُتَسِقا تمام الاتساق مع تركيبته الشخصية؛ من حيث افتتانِه بهذه الحضارة الطاغية، ومع نزوعه الوجدانى والفكرى – من جانبٍ آخر – لمعالجة قضايا وأفكار، مُتَجَذِّرة فى صميم الواقع الاجتماعي؛ وهو ما ظهر واضحا فى تجارب سالفة متعاقبة، بدا فيها انحيازه واضحا للرهان على الالتحام بالناس، والالتحافِ بزخم التفاعل مع همومهم، واستبطان ما يتيحه الانخراط فى علاقاتٍ وطيدةٍ معهم مِن الاطلاع على حكاياتٍ شَتّى، تنعكس على مراياها خصائص المجتمع المصرى وهمومه، وما يوفره ذلك الانخراط من إمكاناتٍ لسَبْر أغوار النفس البشرية.

وانطلاقا من تأسيسِه على هاتين المرجعِيَّتين تحديدا – المرجعية المصرية القديمة ومرجعية النسيج الاجتماعى – كشف «رضا» عن انجرافٍ قويٍّ نحو الأنثى؛ متخذا منها (بطلةً) ومحورا لأعماله، بوَصفِها جوهرا أصيلا لنبض طاقة إلهامٍ إبداعى لا تنضَب، فضلا عن كونها تجسيدا كونيا مثاليا، لطائفةٍ من الإشكاليات الرمزية والوجودية والوجدانية، التى ما بَرِحَت تؤرّق المبدعين، على اختلاف مجالاتهم، منذ بزوغ فجر الإبداع البشرى إلى الآن.

وقد كان ذلك دافعا لـ«رضا»، آنئذٍ، للانكباب على استكشاف المفاتيح الصياغية، التى قد تمكنه من فَضِّ بعض مغاليق هذا الاشتباك العويص، بين ما هو اجتماعى يؤطِّر صيرورة نشاطه الفني، وبين ما هو وجوديّ مُضَمّخ بالنزوع الغريزي، فى صميم إشكالية علاقة الذكورة/ الأنوثة، المُبدِعِ/ المُلهِمة، الفنان/ النموذج. ولم تنفَصِم عن ذلك محاولةٌ مثيلة، ظلت تؤرِّقه منذ بداياته، وإلى الآن، خلال سعيِه الحثيث للمصالحة بين الإرث التاريخى للصورة، فى تجَلّيها المصرى القديم – كمُكَوِّنٍ جوهريٍّ من مكوناته الوجدانية والمعرفية، كفنانٍ مُنتَمٍ إلى ثقافةٍ مُتمايزَةٍ بالضرورة – وبين ارتحالاته العصرانية، فى تجليات الخطاب الفنى العالمى الراهن، بحكم انتمائه التاريخى للَّحظة المعيشة، فى اشتباكاتِها المُدَوِّخة بمستجدات الحراك الدولي، وكذلك بحكم مُراوحاته المعيشية، بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية، كمستَقَرٍّ اختياريٍّ له، على المستوَيَين الحياتى والفني.

هنا نكون قد وضعنا أيدينا على مفتاح الشفرة، التى تُمَكِّنُنا مِن وُلوج مغاليق جوهر تجربة «رضا عبد الرحمن»؛ التى لا يبرح يُعاوِدُ فيها، المرحلة تلو الأخرى، مراوَدة أنثاه الفَنِّية عن أسرار أَلَقِها الجمالي، جاعلا منها («شهرزاد» البَوح)، ومتخذا مِن صورَتِها الذاتِيّة مرآةً، تتشَتَّتُ على سطحها الغِوائى أحلام المُهَمَّشين المحرومين آنا، وتنعكس على مفاتنها أصداءٌ قديمةٌ من أقاصيص الجَدّات، اللائى ورِثتَها عن جدود الجدود، لتتماهى فى نسيجها موروثاتٌ غابرةٌ، موشومةٌ ببقايا روائح مصر القديمة، وأنداءٌ من صباحات مصر القبطية – الإسلامية ومساءاتها، ما بَرِحَت تتفاعل، فى مَسارِ تيارٍ جارٍ مِن زخمٍ شعبيٍّ حيٍّ، تتخذ فيه المرأةُ موقعا مركزيا، باعتبارها شريكا للرجل فى الإنتاج، وملاذا للدفء مِن عوادى الزمن، وذاكرة لحفظ التراث الجَمعي، بعاداته وتقاليده وممارَساته وقصصه، ومسئولةً عن نقلها من جيلٍ لجيل، فضلا عن دورها الكوني، الذى لم تتوقف عن لعبه منذ بدء الخليقة، بِوَصفِها مصدرا لابتعاث المَسَرّات الجمالية والحِسِّيَّة.

تأتى الأنثى فى تجربة «رضا عبد الرحمن»، لتُعيد للأسطورةِ اعتبارها، مٍن حيث هى وعاء حامل للتراث، وقابِلٌ فى الآنِ ذاتِه لتفكيكه وإعادة تأويله، بعد ممارسة تضفيره مع جدليّات الواقع المعيش، وإسقاط تجَلِّيات الحاضر على أطلال أسطُحِه المُتَكَسِّرة. وهى حين تفعل ذلك، فإنما تفعله وقد تَلَبَّسَتها صورةُ جدتها المصرية القديمة، التى ظلت كامنةً فى أعماق لاوَعيها الجَمعي، تحت قشرة التَغَيُّر المَظهَرِيِّ المُخاتِل.

من هنا يبدأ «رضا» فى استثمار انجرافِه فى تيار تراثه القديم متراكم الطبقات، فكان خليقا بأن يورِثه ذلك الانجراف حظوَةَ الامتلاء بهذا الزخم التراثى إلى حد التشَبُّع، وإلى حد التَقَمُّص، وإلى حد انفراج المُخَيِّلة الإبداعية عن معادِلاتِ بصريةٍ لهذا المَعين الذى لا ينضب.

استرسل «رضا» فى استلهام ما وعاه من هذا الإرث الفريد، معتمدا على التَجَلّى النسَوى – فى الصورة والفَحوى – فى كل أعماله؛ إذ جاءت كل أنثى مِن بطَلات الأعمال تِباعا، وهى تبتَعثُ مِن ترسانةِ الفن المصرى القديم زُمرةً من الصور، وحزمةً من العلامات البصرية، التى يعيد «رضا» تأويلها، فى إطارٍ يرسم حدودَه موضوعُ كل لوحةٍ من لوحاتِه، ويتحكم فى صياغة نَسَقها التكوينى واللونى معا؛ فنجد الأنثى الممسوسة بسُعار رغبةٍ مؤجَّلة، وقد احتلت صدارة بعض اللوحات، فى حضورٍ إيروتيكيٍّ Erotic مَشروطٍ بأحكام الصورة المصرية القديمة، خاصةٍ فى إعلائها لقيمة الخط، وارتكازها على الوضعات الجانبية، واحترامها لقِيمة الفراغ، بنفس قدر احترامها لقيمة الشكل المتواشج معه.

وفى إطار هذا الاستدعاء، يتخذ «رضا» من الترميز إطارا لإعلاء صدى البوح، عن طريق بعض الحلول البصرية الذكية، التى نراها تلعب دورا فى إجلاء المعنى وإغناء الصورة معا؛ فنراه وقد جعل من رأس الأنثى – فى لوحاتٍ مختلفة – مُستَنبَتا لأغصان شجرةٍ رهيفة، أو مُستَقَرّا لتاجٍ دائريٍّ من المراوح التخيليّة، فى إحالة واضحة لفكرة الخصب والنماء. وقد يصل به الأمر إلى تضفير جسد الأنثى بأكمَلِه داخل أجمةٍ من فروع الأشجار المتشابكة، ليصير جسدها بديلا عن الجذع، فى إشارةٍ لا تخطئها العين نحو فكرة القِطاف من شجرة الغواية الأولى، واستدعاء لأساطير معبودات الخصوبة الإناث، المُتماهِيات مع الأشجار فى مختلف الحضارات القديمة.

ويُرَسِّخ «رضا» من هذا الحضور الأنثوي، المُترَع بالنشوة والوعود الحِسّية/ الروحية البهيجة، من خلال معالجة بصرية، بسيطة وفعالة فى آنٍ؛ وذلك من خلال لجوئه، فى كثرةٍ ملحوظةٍ من أعماله، إلى تكرار وحداتٍ مُنَمَّقةٍ، من الزهور والنجوم والأشكال الدائرية والحلزونية المُصَغّرة، تردد أصداءُ نَبضِها البصرى فى عموم مُسَطَّح اللوحة، مستعيدةً تقاليد التكرار الزخرفى فى تراث الفنون الإسلامية والشعبية، مع استثمار الإمكانات الإشارية لهذا التكرار فى الآنِ نفسه. وقد سبق وأن ظهر توظيف «رضا» لهذه المعالجة التكرارية جَليّا، فى معرضَين سابقَين من معارضه التى لَقِيَت احتفاءً ملحوظا؛ وهما: معرض «أنا فى الثورة»، الذى أقيم بقاعة «الباب»، التابعة لقطاع الفنون التشكيلية، فى يناير من عام ٢٠١٤، ومعرض «أساطير»، المقام فى نهاية إبريل من العام نفسِه، بقاعة «جاليرى مصر». وقد لعبت تقنية التكرار لوحداتٍ بصريةٍ بعينها – فى كلا المعرضين – دورا محوريا، ظهر أثره وقتها فى جميع لوحات المعرضين تقريبا.

كذلك فقد دأب «رضا»، فى العديد من أعماله، على استحضار مفرداتٍ حيوانيةٍ وطَيريّةٍ وسمكية دالة، وانتقائها بما يلبى الضرورات الرمزية، المتسقة مع الحِس الطبيعى Naturalistic، المؤَطِّر لكثرة من أعمالِه، وكذا مع المرجعية المصرية القديمة التى يرتَكِن إليها. نرى ذلك بجلاءٍ فى حضور طائر «إبيس «Ibis، أحد تجلِّيات المعبود المصرى القديم «تحوت»، صاحب مقاليد الحكمة، والمشتمل على أسرار المعرفة بين معبودات مصر القديمة، وهو يرقُبُ فى صمتٍ مشهدا لتَماسّ كف العاشق الصامت مع أزاهير من «عباد الشمس» Sunflower، التى تستر مَكمَن العفّة فى جسد المعشوقة الواجمة فى صمت. نراه كذلك معتليا طرف موجةٍ لونيةٍ نَزِقة، تُغَشّى شفافيتُها الوردية جسد الحبيبة، وقد رَنَت صوب المُتَبَتِّل حاجبةً ثمرَتَى نهدَين واعدَين. ثم يطالعنا كَرّةً ثالثة، من فوق ظهر إحدى الراقصات المنحنيات، خلال ذروة انهماكها فى التَثَنّى المحموم، مستعيدةً بمرآها الظَلّى المحايد Silhouitte، أشكالا غابرة فى تصاوير «جرزة» Gerza و«نقادة» Naqada. وفى مشهدٍ رابع، يرنو الطائر العتيق صوب عَينَى فاتنةٍ بَضّة، مَكَّنَته من اعتلاء ركبتيها، فى تَماسٍّ رهيف مع ذاكرة الفن العالمي، فى تِلكُم الأعمال، التى طالما انشغل الفنانون من خلالها فى معالجة أسطورة «ليدا وطائر البجع» Leda and the Swan.

غير أن ضيفا جديدا، يبدأ فى الحلول بحضورٍ لافتٍ، بين نُظرائِه من كائنات مصر القديمة، لاعبا دورا مؤثرا، على المستويين البصرى والرمزي، فى عددٍ دالّ من الأعمال المعروضة، منافسا «تحوت» و«أنوبيس»، وجاعلا من السمكة شريكا ثانويا ومُكَمِّلا تكوينيا. ذاك هو الحمار، ذلك المخلوق الصبور الحساس، الذى طالما قاسى حضورا ملتبسا فى صميم الثقافة الجمعية، برغم شراكته التاريخية المؤثرة لصناع الحضارة المصرية، واستقراره كأيقونة ثقافية راسخة فى صميم المشهد الحياتى ونسيجِه المتشابك.

انشغل «رضا» بهذا المخلوق المغبون الحظ على مدار تجارب متعددةٍ سالفة، ليُفرِد له تجربتين أساسيّتين منهما، كانت إحداهما تجربة جماعية، كان مدارُ الانشغال فيها معالجة المجسم النحتى لشكل الحمار، باعتبارِه سطحا قابلا للمغامرة التصويرية، فى اقترانٍ عصريٍّ بمفهوم العمل التركيبى الفراغى Installation فى الآنِ نفسِه. أما التجربة الثانية، فكانت معرضا فرديا، قدم فيه «رضا» تجربته الخاصة، تصويرا وتجهيزا نحتيا، فيما بين شهرَى ديسمبر 2015 ويناير 2016 بقاعة «جاليرى مصر».

يطالعنا «رضا» فى غِمار هذه التجربة بمعالجةٍ جديرةٍ بالتأمل؛ لما يميزها من تَوَجُّهٍ ملحوظ نحو الاستفادة من الموروث الشعبى المصري؛ وذاك إذ نرى «رضا» وقد عمَد إلى تلوين مجسمات حَميرِه، بألوانٍ تستعيدُ ذاكرة الابتهاج بتلك المُجَسَّمات السُكَّرِيّة الملونة، للفارس على حصانِه، والعرائس الصغار، التى تزدهى بها منصات حلوى المولد النبوى فى قرى مصر وأحيائها الشعبية. وقد زاد من ترسيخ هذه الإحالة، تلك المفردات الزخرفية البسيطة، التى انتَثَرَت فى توريقات نباتية ولألآت نجمية، على أجساد الحَمير الملونة البهيجة.

غير أن «رضا»، من جانبٍ آخر، لا يغفَل عن توليف هذا الاستدعاء الشعبى الاحتفالي، مع اشتغالاتِه المُناظرة على مسطحاته التصويرية، خاصةٍ تلك المنتمية إلى تجربة معرض «الحمار»؛ إذ تتطابق ألوان مجسمات الحمير نفسها، مع نظائرِها من المساحات اللونى الشفافة، التى تُوالى تشطير أسطُح اللوحات، فى غلالاتٍ رهيفة، تتقاطع مع مختلف مساحات الفراغ، رابطةً إليها أجساد الشخوص وأشكال المفردات البصرية المرسومة.

وفى غمار هذه التجربة، يُفسِح «رضا» المجال واسعا أمام تنويعات الخط Line، لتمارس نَزَقها فى التَثَنّى كيفما شاءَت، مُعَزِّزا حضورها الطاغي، ومستثمرا تعاليم الرسم كمهارةٍ أوَّليّة، فإذا بالشخوص والمفردات وقد استحالت فى أغلبها خطوطا حَدّيّة Outlines، تتقاطع فى تغيماتٍ متكاثفة النبرات مع غلالات اللون الشفاف، المسحوبة فى مساحاتٍ منتقاة بعناية فى صميم كل تكوينٍ من التكوينات الكُلّية للأعمال.

على هذا النحو، يستكمل بنا «رضا» الترحال عَبْر محطاته الصُورِيَّةِ فى لوحات معرضه الراهن، لنَستَجلى معه، ضٍمْنَ ما نستَجلي، عددا من الأعمال، التى تختلف، مذاقا وفلسفةً، عن بقية الأعمال السالفة؛ إذ يكتفى فيها بالاعتماد على صراحة الحضور المباشر لضربات الفرشاة العفوية، التى ترسم – بمزيجٍ من التَعَجُّل القلق والاستكشاف المغامر – حدود الأجساد وتفاصيلها، بلونٍ بُنّيٍّ عتيق النكهة، زاد من تأثيره البصرى ذلك الملمس Texture الناشئ عن تضاد الوسائط الزيتية والمائية، ليترك على أسطُح اللوحات ذلك التفتيت المائي، المحاكى لأثار انسحاب الموجات عن أسطُح الصخور.

وفى خِضَمّ هذا التنويع الأدائي، يغازل فينا «رضا» ذاكرة الصورة، لنُسقِط عليه طيوفا مِن حضور الملكة العظيمة «تي»، فى إطلالة رأسها الجليلة، المُعتَدّة بكتلة الشعر المستعار والتاج الملكي، تلك الإطلالة التى سبق وأن أفرد لها المبدع «شادى عبد السلام» دراسات متعمقة، تحضيرا لفيلمه الذى لم يكتمل «أخناتون: مأساة البيت الكبير». وفضلا عن ذلك، يتماهى الشكل ذاته مع جميع الأشكال، التى سبق وأن صيغ بها حضور المعبودات الإناث، وكذا المَلِكات البارزات فى مصر القديمة، وهُنّ فى سطوع إطلالاتهِنّ، وقد امتلَكن ناصية الاقتدار الأنثَوِيّ والسماوىّ معا.

وخلال التقَلُّب بين تلك التجليات والتداعيات، يستعرض «رضا» ترسانته من المعالجات السطحية غير التقليدية، التى ينفَتِحُ من خلالها مسطح اللوحة على فضاءٍ أرحَب، يكسر الإطار التقليدى لفكرة الوسيط التصويرى الاعتيادي، عابرا شروط النوع والمجال، وملامسا تخوم بعض الوسائط الجرافيكية والتجميعية، التى تخلع على أعماله ثوبا قشيبا من الثراء البصري؛ وذلك حين نجده يعمد إلى تطويع إمكانات تقنية التذهيب، ذات التقاليد العريقة فى تاريخ فنون الكتاب وتزيين المخطوطات. وكذا حين نُمْعِن التدقيق والتحديق فى بعض لوحاته، لنراه قد لجأ إلى إضافة بعض اللصوقات، أو تثبيت بعض الوحدات التكرارية البارزة فوق مسطح اللوحة، وكذا حين يمزج بمهارةٍ بين معالجات اللون، عن طريق تراكُب طبقاته الرقيقة، لتَنتُج عن ذلك شفافيّاتٍ تُراوِحُ بين مغازلة عين المتلقي، وبين إغناء السطح التصويرى بتراكُماتٍ يتردد صداها فى أنساق زمنية متعاقبة. ثم إذا به يقابل هذه الشفافيات، بمواضع من التشَبُّع الدَسِم لعجينة اللون، فى أماكن التركيز على استيفاء تفاصيل بعض المواضع المحسوبة من الأشكال، خاصَّةٍ فى وجوه الشخوص والحيوانات، التى يُوليها عادةً اهتماما خاصا، مُظهِرا فيها مهارته كرسام بورتريه مُتَمَرِّس.

212

ومِن بين الحلول البصرية التى توَسَّع «رضا» فى تَبَنِّيها كذلك، تقنية الإسالة، التى يتم من خلالها ضغطُ فرشاةٍ عريضةٍ مُشْبَعَةٍ باللون، على موضعٍ بعينه من المسطح التصويري، لتنثال دفقةٌ مِن اللون لأسفل، فى مساراتٍ متوازيةٍ متفرعة، معطيةً نمطا بصريا تكراريا ذا طابعٍ خاص. وقد كان لهذه التقنية حضورٌ خاص فى عددٍ من تجارب المصور الفرنسى «چان ميشيل باسكيا»Jean-Michel Basquiat (١٩٦٠ – ١٩٨٨)، كما تشهد حضورا مَثيلا فى كثيرٍ من أعمال الفنان المصرى «خالد حافظ»، أحد أبناء جيل «رضا عبد الرحمن»، غير أنها تتخذ لدى «رضا» طابعا بصريا خاصا، يختلف عن مَثيله لدى «خالد»؛ جَرّاء تواشُجِها مع جماليات الفراغ، فضلا عن أنه يعمد إلى توظيفها بحساب، مُنتَقِيا لها مواضع دالَّةً داخل تكوينات لوحاته، يتواترُ أغلبها ما بين الخطوط المُحَوِّطة لبَطَلاتِه الإناث، وبين مراكز تفتُّح أزهاره الزخرفية، فضلا عن مواضع الانفصال والاتصال الخَطِّيِّة، المحدِّدة للتقسيمات الهندسية لأَسطُح بعض لوحاته، وكأنها تفصل بين عالَمَى السماء والأرض، أو ترسم الحدود المُتَخَيَّلَة، بين عوالم الأرواح والأجساد.