أمة لا توحدها إلا المساخر بقلم : صلاح عيسى   مع أننى لست من المهتمين بكرة القدم، ولا أقرأ – إلا نادرا – الصفحات الكثيرة التى تخصصها لها الصحف، إلا

66555444

أمة لا توحدها إلا المساخر

بقلم :

صلاح عيسى

 

مع أننى لست من المهتمين بكرة القدم، ولا أقرأ – إلا نادرا – الصفحات الكثيرة التى تخصصها لها الصحف، إلا أننى سرعان ما أجد نفسى غارقا فى متابعة أنباء المباريات الإقليمية والدولية، التى تكون إحدى الدول العربية طرفا فيها، باهتمام بالغ وبحماس منقطع النظير، على نحو يدفعنى لحفظ جدول مواعيد المباريات، وترتيب الفرق المشاركة، وتشكيل كل منها، وموقع كل لاعب من الفريق، ومدى أهليته لشغل الموقع الذى اختاره له مديره الفنى، فضلا عن تحليلات وتعليقات النقاد.. يجرنى إلى ذلك حماس كل المحيطين بي، من الحلاق إلى سائق التاكسي، ومن الوزير إلى الخفير، ومن حارس العقار إلى نادل المقهى، ومن أستاذ الجامعة إلى تلميذ المدرسة، ومن المفكر الاستراتيجى إلى الناشط السياسي، على نحو يشعرنى بأننى سوف انفصل عن التواصل معهم، إذا لم أشاركهم هذا الاهتمام.

وعلى امتداد سنوات، وأنا أتابع الآراء التى يحاول أصحابها البحث عن تفسير مقنع للجماهيرية الكاسحة التى تتمتع بها كرة القدم- دون غيرها من الألعاب الرياضية ومن الأنشطة الإنسانية- لدى كل شعوب العالم، فلا أحب إلا تفسيرات متداخلة تجمع بين ما هو نفسي، وما هو اجتماعي، وما هو اقتصادى وما هو سياسي، ربما كان أكثرها شيوعا هو ما يذهب إليه المتخصصون فى علم النفس الاجتماعى الذين يذهبون إلى أن الظواهر التى ترتبط بتشجيع كرة القدم، تنتمى إلى ما يسمونه «سيكولوجية الحشد» وهى حالة نفسية تتحكم فى سلوك الكتل الكبيرة من الجماهير، حين تجتمع معا، فتخلق فيما بينها، بشكل تلقائى حالة وجدانية مشتركة توحد فيما بينهما وتدفعهم إلى سلوك جمعي، يفقد معه كل فرد ذاتيته وتميزه عن الآخرين، لتقودهم جميعا «عقلية القطيع»، التى تكون عادة عند مستوى أكثر المشاركين فيه عاطفية وانفعالا، وأقلهم ذكاء، وأدناهم وعيا.

ويذهب المهتمون بالسياسة من هؤلاء، إلى القول بأن تلقائية وعفوية الحشد الجماهيري، لا تحول بين الأنظمة السياسية وبين التحكم فيها عن بُعد، بحيث توجهها – عبر أجهزة الإعلام التى تسيطر عليها – لتحقيق أهداف سياسية، على رأسها تسديد أهداف فى مرمى فرق كرة القدم المنافسة، بدلا من تسديد هذه الأهداف فى مرمى المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التى تعانيها شعوبها.

ولا أحد يستطيع أن ينكر أن كرة القدم التى لم يعرفها العالم العربى إلا فى بدايات القرن الماضي، تدين للصحف وأجهزة الإعلام بالجانب الأكبر من جماهيريتها الكاسحة، وحتى منتصف ذلك القرن، لم تكن الصحف العربية تخصص لأخبار الرياضة البدنية سوى عمود أو عمودين من صفحتها قبل الأخيرة، التى كانت تخصص للوفيات والتعازى والمشاطرات، وهى مساحة قليلة كانت تشغلها فى الغالب أنباء رياضات أخرى مثل حمل الأثقال والسباحة وسباق الخيل والهجن والشيش، تجذب اهتمام الرياضيين العرب، لأنها أقرب إلى الموروث الرياضى العربي، ولم تعرف مصر إذاعة مباريات كرة القدم عبر محطة الإذاعة اللاسلكية للحكومة الملكية إلا بعد تنظيم مباريات الدورى العام فى نهاية الأربعينات، وكان التليفزيون – الذى عرفه العالم العربى فى نهاية الخمسينات – هو صاحب الفضل الأكبر فى تأسيس أجيال مشجعى كرة القدم، التى بدأت تتابع المباريات منذ طفولتها على شاشته، وحل الانتماء إلى روابط مشجعى كرة القدم، محل الانتماء للأحزاب السياسية، التى اختفت فى ظل زحف الثورات الوطنية والقومية على خريطة الأمة العربية… واختفت قصائد «أحمد شوقي» و«حافظ إبراهيم» و«خليل مطران» من الصفحة الأولى للصحف التى كانت تشغلها فى بداية القرن، بينما انتقلت أخبار كرة القدم من الصفحة قبل الأخيرة لتتصدر مانشتات هذه الصحف.

وضاعت سدى اعتراضات بعض مفردات من جيلنا، بأن الجماهيرية الكاسحة التى حققتها كرة القدم، لا تضيف طاقة إيجابية لمشجعى هذه اللعبة، إذ هم لا يمارسون الرياضة، ولكنهم يتفرجون عليها فقط، وأن على الدولة أن تشجع الأجيال الجديدة على ممارسة الرياضة، وليس مجرد «التفرج» عليها.

فى منتصف ثمانينات القرن الماضي، سافرت إلى الجزائر لكى أشارك – ضمن وفد مصرى – فى مؤتمر الكتاب والأدباء العرب، حضرته وفود من كل الدول العربية.. حيث أمضينا أياما نناقش فيها هموم الأمة، التى كانت – كالعادة – كثيرة ومتراكمة، وكان من بين فعاليات المؤتمر أن يسافر الشعراء منا، إلى مدينة «وهران» لكى يلقى كل منهم قصائده على مسمع جماهيرها، على أن يعودوا فى اليوم التالي، وعند الفجر غادروا الفندق وهم يرتدون أفخم ملابسهم، ويحملون على أكتافهم مخالى الشعر وودعناهم إلى المطار ونحن نغبطهم على ما سوف يلقونه من حفاوة- وتصفيق- الجماهير الغفيرة التى سوف تحتشد لسماعهم، وكنا لا نزال نتناول العشاء فى مطعم الفندق، حين دخلوا علينا وهم أشبه بفلول جيش مهزوم، وقد تمزقت ملابس بعضهم، وترك البعض مخلاة شعره وبقية أغراضه فى الفندق الذى كان يفترض أن يقضوا فيه ليلتهم، وعرفنا منهم أنهم ما كادوا يدخلون إلى القاعة التى خصصت لتشنيف أسماع جماهير «وهران» بقلائد أشعارهم، حتى فوجئوا بأنها خالية تماما من الجماهير التى كانوا يتوقعون أن نحتشد لكى تستقبلهم بالتصفيق الحاد والمتصل، واعتذر لهم المنظمون بأن مواطنى المدينة جميعهم، يلتزمون – فى هذا التوقيت – بيوتهم لكى يتابعوا – على شاشات التليفزيون – مباراة فى كرة القدم تجرى بين الفريق الجزائرى وإحدى الفرق الأجنبية.

وما كاد الشعراء يعلمون – بعد أن طال الوقت دون أن يحضر أحد – أن الطائرة التى جاءت بهم سوف تعود إلى العاصمة بعد نصف ساعة، حتى اندفعوا فى نفس واحد، يعدون بأقصى سرعة، حتى يدركوها، قبل أن يضطروا للمبيت فى مدينة فضل أهلها أن يحتفظوا بتصفيقهم لفريق كرة القدم، وليس لفريق الشعراء.

وما أن انتهى الشعراء من رواية فصول المأساة التى تعرضوا لها، حتى اندفعنا نضحك ونشد عليهم المسخرة، ليرتفع وسط الضحكات صوت القاص والروائى الفلسطينى «رشاد أبو شاور» قائلا:

– أمة لا توحدها إلا المساخر!

ولأننا كنا نفضل أن توحد مثل هذا النوع من المساخر الأمة، بدلا من أن تشرذمها.. مساخر من نوع آخر، فقد كففنا عن الضحك.