بهاء الكتابة   كان الاحتفال الذى أقامته مؤسسة «روزاليوسف» السبت الماضي، احتفالا بالذكرى التسعين لميلاد ضمير الكتابة العربية أحمد بهاءالدين حدثا فريدًا من الأحداث التى يؤرخ لها فى مصر، إذ

64

بهاء الكتابة

 

كان الاحتفال الذى أقامته مؤسسة «روزاليوسف» السبت الماضي، احتفالا بالذكرى التسعين لميلاد ضمير الكتابة العربية أحمد بهاءالدين حدثا فريدًا من الأحداث التى يؤرخ لها فى مصر، إذ أحسنت المؤسسة فى اختيار المتحدثين وهم الفنان حلمى التوني، والكاتب محمد سلماوي، والدكتور مصطفى الفقي، ونجحوا جميعا فى إضاءة جوانب مختلفة فى حياة الكاتب الراحل وكان مفيد فوزى متألقا فوق العادة بالطريقة التى أدار بها الجلسة، إذ تحولت معه لجلسة حميمية مليئة بكل صور البهجة، وفيها تحدث الراعى الصالح لويس جريس عما تعلمه من دروس بصحبة بهاء وأفاض الفقى فى الكشف عن العروبة كمحور مركزى فى فكر الراحل، بينما ركز محمد سلماوى على المكونات الشخصية فى سيرة بهاء وطبيعة تكوينه الثقافى التى انعكست فى كتاباته، بينما اختار حلمى التونى أن يروى جوانب من تجربته فى العمل مع صاحب «أيام لها تاريخ» حين تعلم معه ما أسماه «الرحمة الثقافية» فى إشارة إلى حرص بهاء على أن يعطى للقارئ دوما جرعة ثقافية حقيقية بلغة بسيطة خالية من التكلف.. لكن المفاجأة الأكبر كانت أولا فى عودة الكتاب الذهبى لروزاليوسف وهى سلسلة لها أفضال كبيرة على الثقافة العربية ويزيد من درجة الفرح بها اختيار الكاتب الصديق أسامة سلامة لرئاسة تحريرها، بكل ما يمثله من قيم نبيلة كفيلة بنجاحها فى الإصدار الجديد الذى تتبناه.

وإلى جانب هذه المفاجأة كان جمهور الاحتفالية على موعد مع مفاجأة أكبر هى صدور كتاب «مقالات لها تاريخ» الذى أعده الكاتب الصحفى الكبير رشاد كامل وتضمن المقالات التى كتبها أحمد بهاء الدين فى «روزاليوسف»، وهى المقالات التى لم تجمع من قبل ونجح فى كتابة مقدمة وافية تمثل سيرة جديدة لأحمد بهاء الدين أو جدارية من صور قلمية عديدة أرخ بها لحياته، واختارت «القاهرة» من بين مقالات هذا الكتاب بعض المقالات التى تكشف عن انشغالات وانحيازات عاش أحمد بهاء الدين عمره كله مشتغلا بها ومنحازا لقيم لا تزال تهدى الراغبين فى تقصى مسيرته الإنسانية والمهنية التى شهدت توازيا يندر أن يتكرر فلا مسافة يمكن إدراكها بين قلمه وخطواته، بين عقل بهاء الدين وقلبه، فهو الذى عاش دائما مبشرا بـ«البهاء».

 

 

سيد محمود

 

……………………………………………….

مقالات نادرة لأحمد بهاء الدين في عيد ميلادُه التسعين

 

المصباح الأحمر

سوف تلغى الأحكام العرفية بمجرد زوال الأسباب الموجبة لبقائها!

سمعنا هذه الكلمة من كل حاكم عسكرى تلقد سيف الأحكام العرفية، ولكننا لم نسمع منهم سببا واحدا من هذه الأسباب الموجبة لبقائها حتى نستطيع أن نناقشه.. وإنا لننظر إلى استتباب الأمن وهدوء الحالة والركود الشامل.. فلا نجد إلا أسبابا موجبة لزوالها.

وفى الأسبوع الماضى أدلى رفعة حسين سرى باشا بحديث لمراسل اليونيتد برس أذيع فى جميع أنحاء العالم، صرح فيه رفعته بأنه يستبقى الأحكام العرفية لمنع كل «احتكاك داخلي».. وهو الحديث الذى نستأذن رفعة سرى باشا فى التعليق عليه تعليقا هادئا.

فالظاهر أن الحكومة قد تأثرت بالتجربة الناجحة التى طبقها قلم المرور فى شوارع القاهرة.. إذ رأى كثرة حوادث تصادم السيارات واحتكاكها، وشكوى الناس من أبواق السيارات المزعجة، فألزم السيارات فى بعض شوارع القاهرة بالسير فى اتجاه واحد، ومنعها من استعمال آلات التنبيه منعا باتا.. حتى لا تخرج أحدا من راحته، أو توقظ نائما من غفوته! وأرادت الحكومة أن تستفيد من هذه التجربة فى تنظيم الحياة السياسية فى مصر.. فهى تستبقى الأحكام العرفية حتى لا ترتفع أصوات الصحف والأقلام كما ترتفع آلات التنبيه، وهى تمنع الاحتكاك بأن جعلت الناس يسيرون فى اتجاه واحد.. وراء الحكومة طبعا!

ولكن الذين قرءوا الحديث فى الخارج يجهلون هذه القصة.. وسوف يتساءلون حتما عن نوع الاحتكاك المراد منعه.. فإذا كان يقصد به خلافات الأحزاب، وتعدد الآراء، وحدة الجدل بين التأييد والمعارضة.. فإن الحياة الديمقراطية لا تستقيم بغير هذا الاحتكاك.. ولا يتصور أن يقوم نظام على تعدد الأحزاب واختلاف وجهات الرأي، ثم لا يسمح للأحزاب بأن تختلف وللآراء أن تحتك وتصطدم!

وقد قال رفعة سرى باشا أيضا ان من أخص أهداف وزارته إعادة الطمأنينة والهدوء إلى جميع المواطنين.. وهذا بغير شك هدف ضرورى ومشكور، ولكننى أؤكد لرفعته أن الطمأنينة قد عادت فعلا إلى كل قلب.. ولو أنه استفتى الناس لقالوا إنهم مطمئنون تماما.. وأن لا شىء يخيفهم الآن.. إلا سلطة الحاكم العسكري!

فالأحكام العرفية التى تقاوم الخوف تنشر جوا من الخوف.. وقد أصبح وجودها يذكرنا بقصة الرجل الذى وضع فى وسط الطريق كومة من الحجارة، غرس فوقها مصباح أحمر، وسأله الناس: لماذا تضع هذا المصباح الأحمر؟ فقال: لكى أنبه الناس إلى كومة الحجارة.. فعادوا يسألونه ولماذا وضعت كومة الحجارة؟ فقال: لكى أغرس فوقها المصباح الأحمر.

(21 يوليو 1952)

………………………………….

هذا القانون رجعي!

من كان يتوهم أن القيود التى كنا نئن منها فى العهد الغابر؛ ستبقى.. ويضاف إليها قيد جديد؟! من كان يتصور أن سلطة وزارة الداخلية الكريهة على الجمعيات والأنباء وإصدار الصحف والإنتاج الفني؛ ستمتد إلى التشكيلات السياسية التى يقوم عليها النظام الديمقراطي.. ألا وهى الأحزاب؟

وليست مصيبتنا فى قانون الأحزاب قاصرة على نصوصه فقط، بل إنها أيضا فيما كشف عنه هذا القانون من أننا لم نتغير بعد: ندور حول الأشخاص، ونصدر فى أحكامنا وتصرفاتنا عن دوافع شخصية.. وانظر إلى الجدل القائم الآن حول قانون الأحزاب.. تجد من يدافع عن القانون لا يجد إلا أن يقول: إن سليمان حافظ رجل نزيه.. أو: إن مصطفى النحاس يجب أن يخرج! حتى الوفديين أنفسهم.. قبلوا القانون الرهيب حين صدر متغاضين عن أحكامه الرجعية، فلما وصل التطبيق إلى رئيس الوفد، انتبهوا وثاروا! ولو قد ثاروا عقب صدور القانون، لكانت وقفتهم اليوم من أجل مبدأ الحرية والديمقراطية، لا من أجل شخص مصطفى النحاس.

ولكن المسألة أكبر جدا من سليمان حافظ ومصطفى النحاس.. المسألة أن هناك قانونا صدر.. سوف يطبقه بعد سليمان حافظ أنواع من وزراء الداخلية لا يعلمهم إلا الله.. وسوف يطبق بعد مصطفى النحاس على أنواع من المشتغلين بالسياسة من شتى الآراء والنزعات.

وتأمل معى – بعد ذلك – «عينة» من أحكام هذا القانون الفريد، التى تصفعك من الوهلة الأولى:

أولا- القاعدة المعروفة فى الدنيا كلها أن الإنسان برىء، يستمتع بحقوق البراءة، حتى تثبت إدانته، وعلى ذلك فالمفروض أن لكل شخص أن يؤلف حزبا أو يدخل حزبا إلى أن يصدر ضده حكم فى تهمة مخلة بالشرف.

ولكن قانون الأحزاب قلب الوضع فجعل الرجل السياسى غير شريف.. حتى يثبت العكس، فوزير الداخلية يستطيع أن يقول لك: أنت غير برىء ويمنعك بناء على ذلك من دخول الحزب.. وعليك بعد ذلك أن تذهب إلى مجلس الدولة لتستصدر حكما ببراءتك!

فإذا ذهبت واستصدرت حكم البراءة فإن وزير الداخلية لديه سلاح آخر، نص آخر، يعرقل به مسعاك للاشتغال بالسياسة، فالقانون لا يبيح للحزب أن يباشر نشاطه إلا بعد نشر قانونه فى الجريدة الرسمية.. والنشر يحدث بناء على طلب وزير الداخلية.. وقد رأينا قوانين يصدرها البرلمان نفسه ثم لا تنفذ لأن الوزارة تمنع نشرها فى الجريدة الرسمية.. وهكذا يتعطل نشاط الحزب.. وعليك أن تذهب مرة ثانية إلى القضاء، وأن تستصدر حكما آخر بالنشر.. ويموت الحمار حتى يأتيه «العليق»!

ثانيا- يقول واضعو القانون إنهم أرادوا به منع غير الشرفاء من ممارسة النشاط السياسى الذى قد يحملهم إلى مقاعد البرلمان والوزارة.. ولكن هذا القانون لا يمنع إلا الحزبيين فقط.. أما الرجل المستقل – مهما كان إجرامه – فإنه يستطيع أن يرشح نفسه ويصبح عضوا فى البرلمان.. ويستطيع أن يصبح وزيرا.. وأن يصبح وزيرا للداخلية يعترض على تكوين الأحزاب! ونحن نعرف أن هؤلاء المستقلين الوصوليين، هم آفة من آفات الحياة السياسية فى مصر.

ثالثا- نظر واضع القانون إلى «التطهير» من أضيق زواياه.. فهو يحرم الناشط السياسى على الرجل الذى سرق ألف جنيه مثلا، أو زور فى مناقصة.. ولكنه لا يحرم النشاط السياسى على رجل سرق حرية شعب بأكمله.. أو زور انتخابات عامة وزيف إرادة عشرين مليونا.. أو عطل الدستور أو ألغاه.. أو تعاون مع الإنجليز أو طعن الكفاح الوطنى بنحو ما من الخلف مع الفرق الهائل بين الجريمتين.. وكما قال طيب الذكر شكسبير: إن من يسرق كيس نقودى لم يسرق منى شيئا كثيرا.. أما من يسرق منى شرفي، حريتي، مستقبلي، تطوري.. فهذا هو المجرم الأكبر.. الذى سرق منى شيئا لا يغنيه، وتركنى فقيرا غاية الفقر!

إن هذا القانون العجيب ضربة هائلة أصابت الديمقراطية السياسية فى الصميم، فنحن لا نعرف فى العالم الديمقراطى أو شبه الديمقراطى قانونا يجعل رجال الأحزاب موظفين تابعين لوزارة الداخلية ترفض هذا وتقبل ذاك بعد أن تبحث «مؤهلاته» وشهاداته.. فإذا طردت الوزارة أحدا.. لجأ – كأى موظف – إلى مجلس الدولة يطلب إنصافه، ورفع الظلم الواقع عليه!

ونحن لا نعرف قانونا فى العالم الديمقراطى أو شبه الديمقراطى يحتم على الحزب لا أن يقدم إلى وزير الداخلية برنامجه فقط، بل إن يبين له «الوسائل العملية» التى سوف يتعبها لتنفيذ هذا البرنامج. وهل يعرف واضع القانون «وسيلة عملية» يتبعها حزب لتنفيذ برنامجه غير الوصول إلى الحكم؟ وهل هناك طريقة مشروعة للوصول إلى الحكم غير الحصول على الأغلبية البرلمانية؟ أم أن يتوقع أن حزبا سوف يسجل على نفسه فى برنامجه أنه سيصل إلى الحكم باستعمال القوة والعنف!

إننا نعرف أن الحكومة تستطيع أن تسن القوانين التى تعاقب المذنبين، وأن تقرر العقوبات التى تشاء ومنها الحرمان من الحقوق السياسية.. وأن تقدم من تشاء إلى القضاء، وأن يصدر القضاء ما يراه من أحكام، وبعد ذلك يبقى الأمر للشعب.. لأن الشعب فى النظام الديمقراطى فوق الجميع.. ومصدر السلطات.. مصدر السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية على السواء.. وكل تشدق باسم الشعب لا معنى له، إذا لم يكن الشعب حقا هو صاحب الرأى فى اختيار الحزب الذى لا ينضم إليه، والزعيم الذى يؤيده.

(29 سبتمبر 1952)

…………………………………………………….

العقاب لآباء الطلبة!

هناك قانون يصاغ يقضى بمنع الطلبة من الاشتغال بالسياسة، ويعاقب من يخالفه بالسجن.

ودعكم أولا من كل هذه السخافات التى كانت الأفواه والأقلام تقذفها فى وجوهنا فى العهد البائد.. متحدثة عن طيش الشباب ورعونة الطلاب والإخلال بالأمن.. دعكم من هذه الكلمات البالية وتعالوا نجرد حساب اشتغال الطلبة بالسياسة منذ انتهاء الحرب الأخيرة باختصار:

فى مطلع سنة 1946 أسقط الطلبة حكومة النقراشى لأنه تلكأ فى المطالبة بالجلاء، وقاد الطلبة الاشتباكات مع القوات الإنجليزية التى كانت تحتل القاهرة، فجلت عن داخل القطر بعد شهور.. وبعد قليل لعب الطلبة دورا رئيسيا فى إسقاط حكومة صدقى وقتل مشروع صدقى – بيفن.. ثم كان الطلبة هم أول من هتفوا بسقوط فاروق ومزقوا صورته، وحطموا – يوم عيد ميلاده – شعلته، ثم كانوا فى مقدمة الزحف الذى ضغط على الحكومة حتى ألغت المعاهدة.. ولما تلفتت مصر تبحث عن فتية يقاتلون الإنجليز فى القنال، لم تجد إلا أبناء الجامعة.. ففى ساحتهم تكونت الكتائب، وكان منهم شهداء.

ويوم كان طلبة الجامعة يلعنون الطاغية ويهتفون بالحرية.. كان الأساتذة الاجلاء والكتاب البلغاء، الذين يريدون اليوم حرمان الطلبة من الاشتغال بالسياسة -كانوا يبسملون ويحوقلون، ويصفون الطلبة بالطيش والإجرام، ويرفعون الابتهالات إلى صاحب الجلالة، طريد كابري، وأصحاب الدولة والسعادة نزلاء المدرسة الثانوية العسكرية الآن.

فهل ترانا نندم اليوم على ما سلف من اشتغال الطلبة بالسياسة، حتى نجيء اليوم فنحرمه؟ أم نحمد الله على أن أتيح للطلبة الاشتغال بالسياسة، فلعبوا هذا الدور المرموق فى دفع بلادهم فى طريق العدل والحرية؟

ولا يقولن أساتذة الجامعة إن هذ القانون يراد به حماية العام الدراسى والضرب على أيد التلاميذ الخائبين، فالجامعة والمدارس لها نسبة حضور، وفيها امتحانات فى آخر العام.. المفروض ألا ينجح فيها الطالب البليد الذى لم يدرس علومه، وهناك العقوبات المدرسية من فصل وحرمان من دخول الامتحان وما إلى ذلك، وفى هذا المجال تستطيع الجامعة والمدارس أن تشدد وألا تتساهل، كما كانت تفعل الحكومات الماضية، أما أن يقال إن عقوبة السجن موضوعة لعقاب التلميذ المقصر فى دروسه، فهو قول أقرب إلى الهزل.. لأن جامعة أو مدرسة فى العالم لا تعاقب تلاميذها الخائبين، غير الفالحين، بالسجن والأشغال الشاقة!

إنما هذه العقوبات موضوعة لتعطيل الطلبة كقوة سياسية عاملة.. وهى غلطة نرجو أن يبرئ العهد الحاضر نفسه من الوقوع فيها، فالطلبة كانوا دائما – كما رأينا – قوة تقدمية أثبتت الأيام اتزانها ووطنيتها، وهم التكتل المثقف الوحيد الموجود فى مصر، مع الأسف الشديد.

شىء آخر يجب أن أقوله.. هو أننى أرجو ألا يتورط العهد الحاضر فى إصدار قوانين من النوع الذى يصعب تطبيقه، لأنه ليس صدى لحاجة حقيقية يشعر بها الناس، وأضرب لذلك مثلا، أقرب إلى الفكاهة، ولكنه مع ذلك حقيقة.

فقد أصدر العقيد الشيشكلى فى سوريا منذ مدة قانونا يمنع الطلبة من التظاهر ويعاقب الطالب الذى يتظاهر بالسجن، ولكن الطلبة أسرفوا فى التظاهر دون أن تردعهم أحكام السجن فأصدرت الحكومة السورية قانونا جديدا يقضى بأن التلميذ الذى يضرب، يعاقب أبوه بالسجن!

وكان القانون الأخير مجالا خصبا لتندر السوريين، وقيل إن كل طالب أصبح يهدد أباه، إذا لم يجب مطالبه، بأن يتظاهر، ليسجنه!

(13 أكتوبر 1952)

…………………………………………………………..

أعداء الديمقراطية!

تسبب بعض الأفكار للديمقراطية – فى مصر – محنة لا شك فيها.. محنة مصدرها الأول عدم إيمان بعض الناس، وعدم شجاعة بعض المؤمنين!

والذين يكفرون بالديمقراطية اليوم، يبنون كفرهم على ضوء تجربة الديمقراطية المصرية فى الثلاثين سنة الماضية.. التى مضت مخلفة وراءها ما نعرف من فساد واستبداد وفوضى، ويبنون كفرهم على ضوء ما يشهدون من أحزاب كالخشب المسندة، هى الأحزاب التى خرجت من أحشاء حياتنا السياسية فى هذه الثلاثين سنة.

هؤلاء الكافرون بالديمقراطية – وحديثى هنا لا يشمل أعداء الشعب المغرضين – لا شك مخطئون، فمصر حتى – الساعة – لم تعرف الحياة الديمقراطية السليمة أبدا، والديمقراطية التى حاول الشعب أن يحققها لنفسه فى السنوات الثلاثين الماضية كانت تفسدها أشياء ثلاثة قوية، عنيفة، عاتية: هى: الاستعمار الأجنبي.. ثم ديكتاتورية القصر.. ثم سطوة الإقطاع.

هذه القوى الثلاث العاتية تحالفت على أن تجعل الديمقراطية فى مصر كلمة لا أساس لها من الصحة، وتأمل شعبا يجثم فوق الإقطاع، وفوق الإقطاع يجثم قصر مستبد، وفوق القصر المستبد يقف جندى الاستعمار شاهرا سلاحه.. ثم يقال لهذا الشعب إنه حر.. يتمتع بحياة ديمقراطية!

وكان أبسط ما صنعته هذه القوى – لكى تعرقل تطورنا السياسى – أنها خلقت لنا أحزابا من العدم، وأصناما من الخزف، وزعماء لا يمثلون إلا أنفسهم ثم جعلتهم يحكمون، فالشعب لم يعرف فى هذه الحقبة بين الأحزاب التى تولت الحكم، حزبا اختاره الناس إلا الوفد، والوفد لم تمتد له أسباب الحياة والنفوذ الشعبى إلا لأن الشعب كان لا يجد سواه، فلو كانت لدينا ديمقراطية سليمة لما أتيح لسائر الأحزاب أن تحكم يوما واحدا، بل لما وجدت أصلا، ولا استطاع الشعب أن يتطور وأن يخرج أحزابا أكثر من الوفد تقدما، وأوثق بالشعب ارتباطا.. ولتقهقر الوفد إلى الصف الثانى أو الثالث من الأحزاب.

وقد كان الشعب حريا أن يعصف بكل هذه القوى ويدوسها بالأقدام.

وقد خلقت فيه الديمقراطية من الوعى ما جعله يثور على الإنجليز، وعلى الملك وعلى الإقطاع.. وأن يزعزع كثيرا من قوائمها الراسخة منذ أجيال.. ولكن شيئا واحدا كان يحول بينه وبين تحطيمها تماما.. شيئا واحدا فقط هو: القوة المسلحة، فالحقيقة التى لا ينكرها أحد هى أن الإنجليز، ثم القصر، والإقطاع كانوا يسلطون على الجيش قيادات خائنة وفاسدة ليضمنوا أن تكون القوات المسلحة طوع بنائهم، وفى كل مرة هتف الشعب فيها بسقوط الاستبداد وزحف يريد أن يجهز عليه، كان يصطدم بالمدافع المنصوبة والبنادق المشرعة، ومعنى ذلك أن النظام البائد كان مفروضا بالقوة.. أى أنه لم يكن ديمقراطيا على الإطلاق، لأن الديمقراطية لا تعترف بالقوة سندا للحكم.. بل هى تقوم على الإقناع والشورى، وتأييد الرأى العام.

وقد كان أقصى ما يطمع فيه الأحرار – فى ذلك الوقت – أن يخلى الجيش بينهم وبين حصون الرجعية ليدكوها، ولكن الجيش – بعد صبر طويل – لم يكتف بذلك، بل تقدم بنفسه ولعب دورا تاريخيا ضخما فى إزالة عناصر الاستبداد، وإضعافها، مكملا الدور الذى لعبه الشعب منذ زمان بعيد.

والخطوة المنطقية بعد ذلك أن نجرب الديمقراطية الحقيقة لأول مرة – وأن يزول عنصر القوة من ميدان الرأى السياسى فى الوقت المناسب.

والواجب الأول لحكامنا – فى فترة الانتقال التى تمر بنا – هو أن يعدوا العدة لتحقيق هذا الهدف.

والواجب الأول لأصحاب الرأى أن يؤكدوا صلابتهم، ويثبتوا إيمان الناس بالديمقراطية.. التى هى حرية وإخاء ومساواة

(27 أكتوبر 1952)

……………………………………………………

ترمومتر الشعب!

ما زلنا بعد ثلاثة أشهر من رحيل فاروق.. نعيش فى أقذار فاروق.

قلب نظرك فى الصحف تجدها لا تزال طافحة بأنباء الفضائح والقذارات حتى لكأن انفجارا مفاجئا – كما يقول أحد المراقبين الأجانب – قد حدث فى أنابيب مجارى الصحف المصرية – فانطلقت تفذف بما كانت تخفيه منذ سنتين.

ولسنا نقول بإهمال تاريخنا القريب أو عدم الكشف عن خباياه، ولكن هذا العكوف على الفضائح قد جاوز كل الحد.. حتى اختفت من الأفق كل الأسئلة الخطيرة التى يبحث الناس عن إجابتها.. الأسئلة المتعلقة بنظام الحكم وشكله ومستقبل قضيتنا الدولية.. اختفى كل ذلك ليفسح طريقه لهذا الفيض الزاخر من التفاهات.

وانظر كيف فتحنا صدورنا لرجال الحاشية وكل أبطال العهد الغابرين يثرثرون بخلافاتهم الوضيعة، وينقلونها من داخل القصر المهجور إلى ساحة الشعب.. مع فارق بسيط: هو إنهم كانوا يتنافسون فيما مضى على حب فاروق، فأصبحوا اليوم يتنافسون على كراهته! هذا يقول إن «فاروق» كان مجنونا، وذاك يقسم أنه كان يكرهه، وثالث يؤكد أنه نصحه بإجابة مطالب الجيش وتعيين نجيب وزيرا للحربية.. ورابع وخامس.. وكل واحد منهم ينقب عن كلمة خافتة يتعلل بها أو غضبة له يتعلق بأهدابها.. ومحمد حسن يقول إنه كان يكره بوللى ويقاومه، وبوللى يزعم أنه كان يقلل من مساوئ محمد حسن.. ووزراء كبار يعتذرون بأن هذا الخادم كان يحول بينهم وبين الملك.

حقا لقد كان هؤلاء يتنافسون ويتباغضون.. ولكن كما تتنفس المحظيات على الفراش.. نعم كان فيهم من يصد عنه الملك يوما ويقبل عليه يوما آخر.. لأن هذا هو طراز الحياة المنحلة فى القصور، خلال الدسائس وبين الوصوليين! وصادق أيضا من قال منهم إنه نصح فاروق بإجابة مطالب الجيش.. ولكن لماذا؟ حبا فى الجيش؟ غراما بالوطن؟ كلا.. ولكنهم لأنهم وجدوا أن هذه الطريقة الممكنة للمحافظة على العرش والإبقاء على حكم فاروق.. وجدوها الطريقة المثلى لإطالة أجل الاستبداد، وإبقاء هذا الذى يصفونه بالجنون والفساد والانحلال ملكا!

والناس فى هذا البحر من الادعاءات محتاجون إلى معيار.. إلى ترمومتر بسيط، سليم، يعرفون به العدو من الصديق.

وهذا الترمومتر البسيط الذى لا يخطئ هو: موقف كل شخص أو حزب من إرادة الشعب، فقد كان الشعب فى صراع مع قوى الرجعية وعلى رأسها الملك، وكل من قاوم إرادة الشعب بطريقة ما فهو مع الملك، مع الطاغية. فانظر أيها الشعب من كان ضد إرادتك، بأية صورة من الصور.. من زيف إرادتك فى انتخاب.. من قال إنك جاهل مريض فأنت لا تصلح لحكم نفسك.. من فرض عليك الأحكام العرفية.. وألقى شبابك فى السجون، وعطل أقلامك بالرقابة.. إنه باختصار كل من عطل الدستور كله أو بعضه.. لأن الدستور ليس كلمة جوفاء ولكنه نصوص نعطيك الحق فى أن تقول رأيك فى حرية ودون خوف، وأن تكون مساويا للآخرين أمام القانون، وألا تسجن أو تقيد حريتك إلا بحكم من القضاء، وأن تلجأ إلى مجلس الدولة، وأن تودع صوتك فى صندوق الانتخاب لكى تختار حاكمك.

هذا هو الترمومتر الصادق الذى تعرف به العدو من الصديق. صديقك هو من يعطيك – حقا وصدقا – أكبر قسط من الحرية وأوفر قدر من الحقوق.. أما من يسلبك ممارسة هذه الحقوق والحريات فعلا، ولو ملأ الدنيا تشدقا بالشعب وحقوق الشعب – وفاروق نفسه كان يتحدث كثيرا عن الشعب! – فهذا هو العدو العاقل.. أو الصديق الجاهل!

(3 نوفمبر 1952)

…………………………………………………

تضليل الثورة!

انظر – أيها القارئ – إلى رجال السياسة، والكتاب، وأصحاب الرأي.. الذين يدعون اليوم إلى الحكم الديكتاتوري.. الذين يريدون التخلص من الأحزاب كلها، أو تحديد عددها، أو يطالبون بمحو الدستور تماما من حياتنا.. انظر إليهم أيها القارئ واستعرض أسماءهم فى ذهنك،وستجد أمرا غريبا: ستجد أنهم هم أنفسهم الذين كانوا يدعون إلى الديكتاتورية والحكم الاستبدادى المطلق، وإيقاف الدستور.. حين كان فاروق ملكا!

ألا يستحق هؤلاء السادة منا الإعجاب الشديد؟ إنهم – كما ترى – أصحاب مبدأ لا يتغير. والذين يقولون إنهم كانوا يخدمون فاروق يظلمونهم! لقد ثبت أنهم يخدمون مبدأ الاستبداد فى ذاته، ويحبون الحكم المطلق مهما كان شخص الحاكم المطلق.. ولقد بلغ بهم شغفهم بالديكتاتورية، وبلغت بهم كراهيتهم لسلطة الشعب أن ارتضوا فاروق – بكل موبقاته – حاكما وسيدا، فما كانوا يحبون فاروق إذن لذاته، بل كانوا يحبونه لأنه كان طاغية مستبدا، يعرف كيف يسلب حقوق الشعب، ويعطل الدستور، ويدفن الحريات.

ولقد فزع هؤلاء السادة وانخلعت قلوبهم يوم خلع فاروق، فلما مضت الأيام ووجدوا أن أحدا لم يحاسبهم على ما سلف منهم،عادوا ينشطون.. عادوا يطالبون بإلغاء الحياة الدستورية وينادون بفكرة الحزب الواحد.. حزب واحد ولا حزب سواه.. لا معارضة ولا مناقشة ولا اختلاف آراء.. ويترنمون بـ«المستبدين العادلين» من هتلر إلى أتاتورك وفرانكوا! فهل تراهم يفلحون؟

يكفى أن أنضع أمام أعين هؤلاء الدعاة حقيقة بسيطة: أن الشعوب ماضية فى طريقها إلى الديمقراطية مضيا لا شك فيه، وقد جربت الشعوب عبثا أنواعا من الحكم المطلق، وخبرت ألوانا من الحكام الفرديين، فلم تجد خيرا من أن تحكم نفسها بنفسها. وقد رأينا بأعيننا صروح الديكتاتورية تتهاوى فى كل مكان.

ومطالبة الشعب المصرى بأن يحكم نفسه بنفسه ليست شيئا مرتجلا، جديدا يسهل إقصاؤه عنه، إنما هى حقيقة قديمة راسخة.. بل هى «العامود الفقري» لكفاح الشعب المصرى منذ عصر محمد على إلى الآن. والحركة العرابية التى تعتبر الجذر البعيد لحركة الجيش الحالية لم تكن إلا مطالبة عنيفة بالدستور. ولكن من يقرأ تاريخنا الحديث قراءة واعية لا يشك لحظة فى أن الشعب المصرى – فى بحر الآلام والنكسات والهزائم والانتصارات – يقترب اقترابا لا ريبة فيه نحو تقرير سيادته.

ورجال الثورة الجديدة – الذين قاموا يقودون الشعب فى هذا الطريق – يعرفون هذه الحقيقة جيدا، وهم قطعا لا يأخذون كلام هؤلاء الدعاة إلا على أنه تملق رخيص، وهذا ما نخالفهم فيه.

إن هؤلاء الدعاة لا يتملقون فحسب، إنهم يلعبون دورا أخطر من ذلك بكثير.. دورا تعرفه الجيوش المحاربة جيدا. دور «المرشدين» الذين يدسون أنفسهم على الجيش المحارب.. يتظاهرون بأنهم يرشدونه إلى الطريق.. وهم فى الواقع يضللونه ويقودونه إلى كمين منصوب، أو إلى متاهة لا خروج منها.

إن هؤلاء الدعاة – باختصار – يضللون الثورة.

(20 نوفمبر 1952)