بلا أجنحة.. عزلة باتساع العالم بقلم: أحمد الفخرانى   لا أعرف لم لم تحصل رواية مينا ناجي «بلا أجنحة» الصادرة عن دار روافد 2016، على الضوء الكافي؟ ربما لأنها تستعيد

99888

بلا أجنحة.. عزلة باتساع العالم

888777777

بقلم:

أحمد الفخرانى

 

لا أعرف لم لم تحصل رواية مينا ناجي «بلا أجنحة» الصادرة عن دار روافد 2016، على الضوء الكافي؟ ربما لأنها تستعيد ما نسي وسط زخم النجاح – الإيجابي- لروائيين شباب، اعتمدوا بشكل كبير على الرواية الملحمية، أو التعاطي مع الواقع السياسي الضاغط، أو التعبير عن أقليات مهمشة ومقهورة. هذا النجاح الإيجابي ، له بعد سلبي واحد، في ظني، هو أنه يحجب في المقابل الضوء عن الرواية الفرادنية، والمآساة الشخصية، كواحدة من الأدوار الأصلية للرواية، الفرد الذي يُدهس بلا قضية أو صليب، تحت وطأة كل هذا الثقل من الخراب والزيف الاجتماعي والسياسي. الأثر الحقيقي للهزيمة الجمعية.

بطل رواية مينا ناجي، الذي تتقاطع هويته، فتتمزق، لتنتج فرادنيتها التي لا تشبه أحدا، مع عدة جماعات هامشية، فرادة ابن المدينة المحطمة، المسيحي، المثقف، الطالب المنبوذ من أهله وزملائه لرسوبه الدراسي المتكرر، المتعطل عن ممارسة الحياة، ابن المدينة التي لا تحفل كثيرا للانطوائيين، الغائصين بحساسيتهم الهائلة وفشلهم في الاندماج وتوقهم إليه، العائشين ما بين بندول الاكتئاب الحاد ومشارفة الانتحار، الوحدة، الحياة من خلف زجاج شاشة الإنترنت، كبديل يائس وأخير عن الواقع.

كل هذا العالم ليس أكيدا، صور متتابعة من خلف زجاج، بروح هي الذعر من كل شيء ولو من «مقهى مكشوف»، يخوض بطل الرواية وهو يئن تحت وطأة ثقل جسده البدين وهشاشة وجوده، ليس اغترابا عن العالم، بل شعورا أكثر حدة وخواء وقسوة، شعور المتطفل على العالم، لا مكان له في الحفل، واحد من مليارات، لا تمنحه المعرفة تميزا، بل رعب ادراك الضحالة، تلك النقطة تحديدا هي التي يمكن لها أن تمس وعيا جمعيا يشعر بتفتته وتفاهته وانعزاله وسط عالم شاسع.

99888

يعيش بطل الرواية حياتين، واحدة حقيقية شديدة العزلة والتوحد والتوق إلى حب يائس ومستحيل بالقاهرة، وأخرى متخيلة بباريس، حيث تخف وطأة المدينة الكابوسية المتخلفة بتناقضاتها، إلى مدينة أكثر انفتاحا وقدرة على تحقيق الأحلام وتجاوز رجعية ما تعيشه القاهرة، لكن في الوقت نفسه، وهو ما ينكشف مع تقدم القص، تعيش باريس مثلما باقي مدن العالم المتقدم، تحت وطأة رأسمالية متوحشة، تفرز القطيع نفسه وتعزل المختلف بقسوة بالغة، إلا أن ثمة فارقا جوهريا بين أبطال المدينتين، فخيار الاندماج، ليس خيارا مطروحا في القاهرة، يبدو البطل القاهري مستسلما ولا يملك حلولا في مدينة نفذت فيها كل الحلول، على عكس نظيرته التي – نكتشف مع تقدم النص أنها فتاة فرنسية «دورا، وليس صديقها «فريدوا» في الرواية الباريسية المتخيلة – فهي تملك على عكسه خيار الاندماج، عندما يتاح لها أن تنتقل مع فرقتها المستقلة إلى أمريكا حيث إنتاج أضخم وشروط لا تنتج الفن قدر ما ترضخ لآلة المال، فترفض ويكون مصيرها النبذ الجنون، وأن تقتل على يد صديقها الفرنسي.

في الرواية القاهرية، يعيش اللابطل، قصة تكررت كثيرا في أدبيات أخرى كحب مستحيل من مسيحي لمسلمة، لكنه لا يقع في فخ الميلودراما الفاقعة، بل تصبح هنا عتبة – وفق تأويلي الشخصي – رغبة شبه مستحيلة في الاندماج مع قوانين مجتمع الأغلبية.

9888

لذا فتلك المشاعر لا تحمل حبا، فتحت وطأته، تختفي الكراهية، كما أنها لا تبدو علاقة مكتملة أبدا إلا في الخيال، وفي الأحلام، ولا يحدث التواصل إلا تحت افتراضية الاستمناء، لكن ما يحدث في الواقع، هو غواية الوعد بالاقتراب، وصعوبة تحقيقه، هي على عكس البطل فهي ابنة ما يقبله المجتمع في مقابل ما يمثله: دين الأغلبية/ دين الأقلية، الحجاب/ النظر إلى الدين بشك، متفوقة دراسيا/ رسوبه الدراسي، غير مهتمة بالثقافة/ مثقف، لتتحول تلك الرغبة المستحيلة فيها كما أسلفت، رغم رفضها المتكرر إلى توق يائس للاندماج مع شروط المجتمع، كأنها شرط للافلات من مشاعر الذنب الخانقة التي يعيشها ضمن سلطوية الأسرة، والمؤسسة التعليمية والمؤسسة الدينية، وخراب المدينة. وهو ما يحيل إلى أفكار كافكا عن الذنب والاستسلام، كما أن البطل يختار في حياته الافتراضية الحكم على نفسه بالقتل.

رغبة الذوبان بديلا عن العزلة والتي تنتهي أيضا بالفشل، تتجلى في بداية الرواية بنداء المشهد الباريسي المتحرر من الثقل الجاثم على القاهرة بهذا النداء «التفاصيل أنانية.. الذوبان معطاء»، ممثلا إياه بالأورجي، الذي لا يكون فيه الفرد مركزا للحدث، أو مسحوقا تحت وطأته، بل تتحدد أهميته بذوبانه في الكل. وفي المشهد الافتتاحي نفسه حيث يتقابل مع عدوه/ الآخر/ نظيره الشرق أوسطي، منتبها أن في لحظة طعنه، كان يمكن له أن «يحبه.. ويعرف كيف يمد الجسور معه، ملتحما بجوهر ذاته»، كأن لحظة الموت هي وحدها ما قد تنهي عبث الاختلاف، وتبرز جوهر الإنسان، وفرادته واستحقاقه. البطل الفرنسي المتخيل قادر على تحقيق ما لم يحققه البطل القاهري، فهو أكثر اندماجا وحنكة، وقادر على تنفيذ ما لم يحققه البطل القاهري للرواية، إنه معادل لليلى المسلمة، بل على امتداد الرواية هو من يتخذ قرار قتل «دورا» الفرنسية، كتمثيل مشتبك لما تفعله ليلى بالقاهري، برفضه في كل لحظة، وبين رغبته هو نفسه في قتلها، عاجزا إلا في أحلامه.

المعرفة والثقافة الرفيعة خاصة الفلسفة وعلم النفس والفنون البصرية، حاضرة على امتداد نص الرواية، وتبدو تلك المعرفة «المرعبة والجميلة» هي مفتاح التفسير للعالم بقدرتها على فحصه وتأمل حقيقته وتعريتها، لكنها في العين نفسه، هي مفتاح الجنون والعزلة، بعجزها البالغ عن ممارسة تلك الحياة، وفي ادارك متعة واحدة بسيطة بلا تعقيدات. إنها لا تشفع لصاحبها في أي شيء، وهو المشغول بتشريح كل مشهد متتابع في الرواية وتأمله وتبين جوهره، يفتت ذاته معها. كأن الجهل و «الأدوية والمخدرات» هو ما يسمح للآخرين بتحمل «القاهرة» التي تفرز يوما بعد يوم «علاقات مشوهة»، كما تتحملها أيضا بـ«وسطيتها الفارغة»، والتي تصير في أعين من أدرك ضحالة المشهد، محض جحيم وفزع.