ألعاب الفرجة المراوغة لفيلم “جنة الشياطين”   بقلم: خالد عزت       لكل فيلم سره الذى لا بد من الحفاظ عليه، كما يحتفظ الميت بأسرار موته فى رحلته البرزخية، فلا أحد

714

 ألعاب الفرجة المراوغة لفيلم “جنة الشياطين”

 

15151542_1644068835892519_1290421285_n

بقلم:

خالد عزت    

 

لكل فيلم سره الذى لا بد من الحفاظ عليه، كما يحتفظ الميت بأسرار موته فى رحلته البرزخية، فلا أحد منا يعرف ما الذى يمكن أن يدور فى خلد رجل ميت حين توافيه المنية، وأى صور تتخايل له وهومفتوح/مغمض العينين يحدق أمامه فى اللاشىء أو كل شىء .

من الممكن وأنا بصدد الكتابة عن فيلم أسامة فوزى «جنة الشياطين» أن أستعير بعض الألعاب السحرية اللازمة لفعل الكتابة، أو الفرجة، والتى برع فيها من قبل كاتب أرجنتينى نصف أعمى يدعى«خورخى بورخيس» مفتتحا نصى بعبارة مقتطعة من سياق نص آخر مراوغ له «لا تدوم حياة كائن حى إلا ما تدومه فكرة». وبإمكانى الآن «أيها القارئ» أن أتلاعب قليلا بنص العبارة السابقة : «لا تدوم فكرة إلا بموت الكائن»، فبموت الكائن «منير/طبل» يمكن أن يمنح فى التو حياة «لفكرة ما» تدور حول «موت ما» يتموضع بين قوسين.

هو إذن موت معلق فى فضاء مخيلة نزقة، ومراوغ كمراوغة ظلال فكرة تختال أمام عينيك بغموض ملتبس كالتباس عنوان فيلم «جنة الشياطين» الذى لن يكون بأى حال أقل غموضا ومحايثة من غموض كلمة «فكرة» التى ولدت من كلمة «موت».

“جنة الشياطين” عنوان ساحر معطى لفيلم والمقصود به الإشارة إلى نطاق مكانى «لا زمانى»، مفارق، يحتمل داخله كل شىء، فهوعالم بلا حدود أواتجاه، تمسه برفق ظلال “ديمورجية”، شره وعارم فى سيولة حواسه المتقلبة بوحشية بدائية مؤطرة بقلق «باروكى» يقلقل ويخلخل الإطار ويفسخه بكيفية صوفية منقلبة على نفسها، فهى تنشد العلوى وفى نفس الوقت تنفيه وتلغيه بانجذابها الساحق اللاإرادى إلى التحتى، وإلى ظلمة جائعة «خاووس». وبمجرد أن نقرأ العنوان المكتوب على الشاشة تحتشد المخيلة بشفرات ودالات تخلق فى التو فضاءات نصية تتوالد عنها شحنات مغناطيسية قادرة على جذب حزم من الاستعارات المجازية فى حيز مكانى يتغذى وجوده على غموض الانتساب والتناقض: «جنة:علوى/شياطين: سفلى/ نور:ظلمة/ حضور:غياب/طهرانى:مجون» إن خلخة المجال بهذه الجاذبية الممغنطة فى لعبة الأضداد السحرية، وتلك الذبذبات المتنافرة فى شحناتها، هى شأن الفن وصنعته، وعلى وجه الدقة:هوالمقوم الأساسى لفن الشعر.

715

”عبور متواصل بين المتناقضات”

يعبر منير رسمى/طبل؟ حياة منزوية فى نسق عائلى برجوازى ووظيفة اجتماعية مرموقة إلى حياة تقع على النقيض التام، عابرا من النظام والوضوح إلى الفوضى والعماء، ومن البيوريتانية إلى المجونية المحتفية بلوثة الحواس، ومن ضجيج الجماعة إلى عواء الفرد الواحد الذى لا امتداد له فى الزمان «مجرد كتلة مضغوطة لأقصى درجة ممكنة فى مساحة ما».

بعد عشرة أعوام من حياة وحشية فى العالم السفلى يبدأ الفيلم فى المشهد الثالث باكتشاف أصدقاء العالم الجديد «شوقية المومس /ننة/ بوسى/ حبة» موته المفاجئ وفى حضنه زجاجة خمر فارغة، بعد أن انتهى منذ قليل من تناول جرعة ملهبة للحواس إلى درجة تفجير الحواس ذاتها، أى إماتة الحواس والقضاء عليها بلغتها-لاحظ أيها القارئ – مجالات التجاذب المغناطيسية التى أشرت إليها من قبل والتى تعمل بحيوية ديناميكية فعالة على خلخلة المجال واستقطاب مفارقات ذهنية مدهشة تشحذ مخيلة المشاهد بدالات متقابلة : “تخمد الحواس فى عنف توهج الروح “.

لا نرى لحظة «موته:عبوره».كما أننا أيضا لم نر عبوره الآخر، من عالمه الأول إلى عالمه الثانى، فلحظة العبور والانتقال «“جذبة”بلغة المتصوفة » تظل دائما وأبدا متوارية، غير مرئية، فهى سر من أسرار وطقوس إنصياع تام لا راد له، أى أنها على الدوام محتجبة وغائبة، ومع غيابها فهى تمثل حالة حضور «كبؤرة استقطاب» لها ثقل تخيلى عبر فضاء النص.

من هنا تكتسب فكرة “العبور” -كقيمة روائية-أهمية كبيرة بشفراتها بالغة الحضور فى مجرى السرد وكنقطة ارتكاز تستقطب حولها كل عناصر التخيل للنص الفيلمى، سواء كان العبور “فيزيقيا “ كانتقال وعبور شخصيات بين أماكن محددة، أو حركة السيارات الدائمة فى عبورها فوق جسور وطرقات، أو“روحيا” كموت ومفارقة، أو“نفسيا “ كعبور الشخصيات الحاد والعنيف بين حالات مزاجية وانفعالية متباينة ومتناقضة.

”خرائط العبور”

1 -يعبر «بوسى/ننة»فى اتجاه جسد شوقية وهى تخترق الحى.

2 -يموت طبل عابرا وجوده الشخصى إلى وجود لاشخصانى متعال.

3 – تعبر حبة إلى بيت منير رسمى لإخبار عائلته بواقعة موته.

4 -يعبر الأصدقاء إلى جورج الجواهرجى لبيع أسنان طبل.

5 -تعبر الأبنة «سلوى» إلى حجرة الأم لإخبارها بموت الأب، ثم تعبر العالم السفلى لإستلام جثة منير رسمى.

6 -تعبر الأخت/الخال فى اتجاه بيت العائلة وفى جعبتهم حلة جديدة ليدفن بها منير رسمى.

7 -يعبر الأصدقاء إلى بيت رسمى/طبل لإلقاء نظرة الوداع على جثمانه.

8 -يعبر الأصدقاء عبر نافذة بيت العائلة من الداخل إلى الخارج….حاملين جثة طبل ليلهوا بها فى تجوال ليلى عبر طرقات خاوية.

9 -يعبر الأصدقاء مرة ثانية إلى محل جورج الجواهرجى لإعاده تركيب أسنان طبل.

10 -تعبر السيارة إلى داخل النفق حيث يتفاوض الأصدقاء مع طبل من أجل انتقال جسد “حبة “إ لى “ننة.”.

11 -تعبر السيارة داخل النفق سابحة فى مجال ممغنط منجذبة إلى ثقب أسود.

فجميع شخصيات الفيلم تطرح نفسها أمامنا وهى فى حالة عبور لاهث وهذيانى، بل أن هذه الإنتقالات المتوالية والعنيفة “جذبة”هى بمثابة المقوم الأساسى لوجوها، هى مادتها الفوارة وروحها المتشظية بتلك الذبذبات المغناطيسية التى تدفعها دون إرادة إلى العبور بشكل فجائى وحاد، منجذبة بصورة قاطعة لا رجعة فيها نحو حالات نفسية متناقضة تقع على طرفى النقيض من بعضها البعض، مجربة كل إمكانيات وجودها الإنسانى المراوغ، وكل الاقنعة اللازمة لحضور مشهد كرنفالى، منتشية بنسبية الأشياء وتبادل نوافذ الرؤية من مختلف المواقع والاصوات، والتى تتبادلها فيما بينها عن طيب خاطر، ودون حدود قاطعة أو فاصلة. فـ “حٌبة” المومس تَعبر من حالة الحزن على موت «طبل» إلى حالة الضحك والتماحك الجسدى مع زميلاتها “شوقية”، فَرحَة بهوس العثور على حكاية، «صناعة حكاية» ملفقة عن موت طبل، تمنحها دور «حامل الرسالة» إلى عائلته، والأصدقاء يعبرون من حالة القلق والتوجس إزاء جسد ساكن يوحى بالانقطاع عن عالم الأحياء..إلى السخرية واللعب معه، ومن السخرية المتهكمة إلى نشوة العنف والانتقام الموجه إلى سكون طبل الذى ادخر بعض العابه الخداعية للعبة موته، عندما يكتشف “ننة” أن أسنان “طبل” من معدن رخيص مموه بالذهب. وبينما جسد “حبة” يعبر من ملكية “طبل”إلى ملكية “ننة” تعبر” شوقية” فى إتجاه “بوسى”، كما أن “سلوى” الابنة تعبر من رفضها لتحولات الأب الملغزة إلى قبوله وفهمه فى النهاية..وفى المشهد الثانى من الفيلم يعبر “ننة/بوسى” طرقات الحى فى انجذاب وحشى، طاغ وممغنط، نحو جسد شوقية المومس وهى تخترق الحى «المجال»، ثم يعبران بها مرة أخرى عائدين فى اتجاه مضاد حيث يجلس طبل ميتا . أيضا “منير :طبل “ فى حالة عبور ومرواحة بين عوالم متغايرة ومتواترة لا يثبت على حال ولا يلوى على شىء، فهو يعبر من عالمه الأول إلى الثانى، ومن الاسم إلى اللاسم فى لعبة موته، أى من شخص متعين فى الزمان والمكان إلى لاشخص يدرك العالم كوجود متعال ومفارق كحلم.

”تراكمات عشوائية”

لكن خرائط العبور والتجوال الدائم بلا هدف عبر طرقات وجسور «كجولات صعاليك ونابشى القبور فى حكايات العصور الوسطى» والتى ترتادها شخصيات الفيلم سالكة اتجاهات عشوائية، ستبدو لنا منذ الوهلة الأولى – بمنطق الدراما التقليدية-بلا وظيفة أو غاية تبرر  حالة العبور  سوى أن  تعمل الشخصيات، وبكفاءة عالية على تراكم عشوائى لأفعال غامضة لا تبرر وجود هذه الشخصيات بقدر ما تحيلها إلى عبء فيزيقى باهظ الثقل، فالشخصيات هنا لا تبغى من عبورها سوى العبور ذاته، كاستعراض جمالى لحركة فى مجالات متباينة الإضاءة والإيقاع والنغمة الدرامية، وربما يكون هذا فقط سر قوتها وجمالها وسحرها، فإلغاء الهدفية «لفعل العبور» يعمل على الحفاظ على ذروة التوتر الجمالى المنشود، وحصره فى نقطة غليان .ذلك التوتر الذى تعمل كل دراما تقليدية أو شبه تقليدية على تصفيته بمجرد أن تنال الشخصيات «بغباء نافذ الصبر» حاجتها ورغباتها المباشرة.

لكن، الأمر يختلف هنا فى جنة الشياطين، فليس هناك اكتفاء بأى شىء، فعناصر الفيلم فى حاله عوز جمالى مُتطلب ومُلح دون حد.

فحركة العبور الدائمة، وحركة الأفعال تظل محافظة بوعى تام على هذا التوتر الخفى والمقلق، أى أنها تعمل وتعمد إلى فتح ثغرة فى دائرة المنطق المألوف لكل دراما تقليدية أو شبه تقليدية، وهذا ما قصدته بتعبير: «صوفية منقلبة على نفسها ومعكوسة»، فالشخصيات لا تنشد من عبورها ومراوحتها لعوالم متجاورة خلاصا ما، ولا تريد أن تصل الى سلام وطمأنينة «الأتراكسيا/الثبات النهائى» كما تبغيهما كل دراما معتادة ومكرورة، بقدر ما تريد إبقاء الحال على ما هو عليه، وتوسيع الهوة والثغرة الفاصلة بين الرغبة المحايثة فى حيز المخيلة، والفعل المعلق فى حيز الواقع. فما أن ينجح”ننة” بجهد جهيد فى خلع سنتى طبل فى بداية الفيلم حتى يعيدهما إليه من جديد قبل النهاية بقليل لتظل الرغبة قابعة ومحصورة فى دائرة الإمكان، مكبوتة بطاقة مقلقة، غير محررة.فهو فعل معلق فى فراغ لا بدء له ولا منتهى. والحركات العنيفة ذات الطابع الهذيانى والتشنجات التى تطفو على وجوه الممثلين بين وقت وآخر، مستعيدة كل أشكال التشظى: «مشهدية كرنفالية/باروك/أسلوب رسم فوميتو» مع حركة أجسامهم بسرعتها وختلها داخل الكادر، والتى تعمل بقوة على خلخلة المكان/الإطار/ وتبدو فى حركتها غير الواعية وكأنها تعمل لحسابها الخاص، ممسوسة بمجالات تجاذب تخترقها فى ذبذبات متعاقبة، و«الحركة» هنا كفعل العبور الذى لا يؤدى إلى نتيجة درامية مباشرة.إنها تتعايش وتتقوت على نفسها كموسيقى خالصة، تعانى نفسها وتصارع مادتها التى صيغت فيها. فحركه الأيدى وهى تناوش الفراغ ممسكة بانصال حادة يومض على شفراتها الفضية ألق مخايل، والتى تلتهم نفسها بجوع شره إلى التكلف والاصطناعية «وهى خصيصة باروكية أصيلة» تظل معلقة فى الفراغ، لا تنزل ولا ترتفع ولا تصل ابدا إلى نهاية فى إتيانها للفعل ألمنتظر والمرجو.كما فى مشهد اكتشاف”ننة” لخداع طبل، فسورة غضبه المعلنة ضد طبل لا ينتج عنها شىء سوى أن تطول «ننة» نفسه وليس “طبل” فى سكونه. فعبر الفيلم تظل حركه الأجسام محتفظة بوعى ومحافظة على هذه الرغبات، تظل مضروبة برغباتها، مستعذبة وجودها الممتلئ بشهوة غير محققة، ومحاصرة جماليا.

تأمل «أيها المشاهد» وجه «ننة» وهو يجرى عبر طرقات الحى فى اتجاه شوقية المومس ورقبته مكسورة متشنجة العضلات، وعلى وجهه ابتسامة مفرطة فى غموضها كشق حاد فى وجه متلذذ بوحشية رغبتة المضروبة منذ البدء، والماثلة فى مخيلته وقد استحال الجسم إلى شهوة خالصة. ليس هو تلك الأداة المعطاة لتحقيق لذة ما.. بل اصبح هو نفسه اللذة السائلة، والذى يذكرك قليلا بأعمال ولوحات الفنان «فرانسيس بيكون» بوجوهه المنتفخة وأجسامه المشوهة الملتوية فى أوضاع قسرية تبرز الثقل غير المرئى لوجود يضغط الجسم البشرى داخل منظور فراغى ليسطحه. هذه الانطباعات الحادة المرتسمة على وجوه شخصيات “جنة الشياطين” والناتجة عن تصادمات بين وعى خام بفردية خالصة، وألم قهر وعزل اختيارى . لكن هذه الحركات والافعال المتشظية بجنون هذيانى والتى تظل محتفظة بشراهتها إلى نقصان وعدم اكتمال «كإسكيما:اسكتش»…وياللمفارقة الجمالية !! تعمل فى النهاية على تأطير السكون الظاهرى لـ”طبل” أى أنها تعمل لخدمته، وهومنكفئ وراء صندوق جسده . فطبل فى لعبة موته يمتص ويغيب كل الحركات الصادرة عن الأصدقاء ليختزنها ويتعايش عليها مثل «فامبيرو» : يتقوت على دماء الآخرين ليحيا فى موتهم .

”جنة الشياطين:إعلان عن بورتريه جماعى مضاد”

وفى الحقيقة فإن كل شخصيات الفيلم تعمل لحسابها الخاص، وتعبر فى اتجاه وجودها الذاتي، وحيث يبدو لنا “جنة الشياطين” وبقليل من التأمل كأنه «إعلان »عن بورتريه جماعى مضاد .فهو من ناحية يحتفى بالفعل بصورة البورتريه الجماعى «كميزانسين» والتى تغلب على معظم تكوينات مشاهد الفيلم، من حيث تنسيق الشخوص المتضامة داخل اللقطة الواحدة المشهدية، والتى تمكن من الكشف عما يدور داخل كل شخصية على حدة، واتجاه نظراتها المختلسة وأفكار كل شخص عن الآخر المجاور له فى التكوين. وشكل تكوين صورة البورتريه الجماعى يحيلنا فى التو إلى لوحات «الإنزال من على الصليب» حيث يجتمع المريدون حول جسد المسيح، وتتجه كل النظرات والقلوب إليه وكأنها تشير إلى من يشاهد اللوحة بأن عليه أن ينظر هناك «حيث الثقل البصرى والروحى» وهو جسد المسيح المسجى، وأنه لا أهمية لنا إلا به، فنحن فيه، ولكن العكس هو ما يحدث فى فيلم جنة الشياطين..فهناك البورتريه المضاد ولا أثر فيه للغيرية. فقبل نهاية الفيلم بقليل، وقبل أن تدخل السيارة إلى النفق، يعودالأصدقاء «ننة/شوقية/عادل/بوسى/حبة» إلى جورج الجواهرجى بغرض إعادة تركيب أسنان طبل، وفى المشهد تجتمع ست شخصيات حيث يقف جورج فى أقصى يمين الكادر وحواليه بقية الأصدقاء كمريدين، ويظهر الفراغ الخلفى للمحل كخطوط أفقية رأسية غير واضحة أشبه بلوحات الحفر على الخشب، وفى لحظة ترتفع يد جورج وهو يطرى ذاته بعد إعادة تركيب الأسنان على قوة «صنعته» قائلا:”أنا جراح”.. هنا يتحول كل فرد من أفراد البورتريه إلى نفسه، ينظر داخله حيث تبدو عيونهم وكأنها مغلقة بسحابة معتمة، وكأن كل شخص بالنسبة إلى الواقف إلى جواره لم يعد منظورا، وغير مرئى على الإطلاق .فكل فرد هنا «يَعبر» إلى فكرته الخاصة عن نفسه، وعن العالم، وبالتالى فإن المشهدية المضادة هنا تعمل بقوة على نفى مركز الثقل فى الصورة.على عكس لوحات الإنزال، مثلما تنفى أيضا حركة العبور العشوائية فى ذهابها وإيابها أية نقطة ارتكاز فى المكان الذى يستحيل إلى صورة “مكان ما” يؤتى من جميع نواحيه، وتكسر اتجاهيته باستمرار، فهومكان أقرب إلى خريطة عشوائية تُرسم مرارا وتكرارا وبلا نهاية،  حيث يتوالد المكان بصورة شرهة كبناء قوطى يتنامى بشكل مستمر، وبنفس الآلية والطاقة يعمل على تقويض نفسه بنفسه، مثله كمثل «الحركة والأفعال »، فهما فى حالة إمكانية منفتحة كبقية الشخصيات التى هى بلا قوام، يكتنفها غموض فى حقيقة انتسابها ومرجعيتها .إنها فى صورة تكوُن مستمرة، مثل المكان، حيث تتبادل كل أقنعة الوجود المتسم بالخيال والتخفى والحيلة .وهذا الجذب الممغنط الذى يمس المكان والشخصيات ويحولهما إلى عجينة ذائبة ومرنة، هونفسه «الجذب» الذى يمس منير رسمى فى تحولاته، وهوذاته الطاقه الجبارة التى تسيطر على راكبى العربة فى مشهد النهاية وهى تتجه إلى نهاية نفق لا أحد يدرى ماذا يكون وراءه؟، وقد تبدلت الأحوال وأصبح الكون بلا جغرافيا محددة. فالسيارة انقلبت على ظهرها متخذة وضع الطيران، والمكان أصبح سيالا مخادعا كبقية الشخصيات ذات الطابع الهوائى المتقلب. وفى هذا الكون اللامتناهى لا يمكن بالتالى أن يوجد موقف مطلق:لا أسمى ولا أدنى، لا إلى اليسار ولا إلى اليمين، فالفعل لا يختلف عن الإمكان، فطبل الوثنى هو نفسه المؤمن، فالله يستمتع بالأشياء جميعا لأن كل منها متفق مع ماهيتة، وليس هناك سوى وجه واحد تنعكس على شاشته سلسلة من أفعال خيالية وانطباعات ضالة وأقنعة لوجود مراوغ. فى هذه اللانهائية ستتشابه كل المصائر، لأننا فى النهاية سنلقى المصير ذاته كقدر لا فرار منه داخل كون يحتوى داخله على كل شىء، وتختلط فيه كل الصور القابلة للفهم وغير القابلة ايضا..تبعا لقانون العقل والأسباب والنتائج، لكن من الممكن فهمها وتذوقها فى ضوء الحدس.فلا طائل إذن من وراء الجرى خلف أسباب عبور” منير رسمى” وهجره لحياته السابقة، إلى حياة أخرى محفوفة بالموت وآلام الجسد المرغوبة والمشتهاة على غرار القديسين الشهداء، سواء عبر كميات الخمر والمخدرات، أوعبر الأسلحة المميتة، فمحاولة العائلة فهم تحوله تبوء فى النهاية بالفشل، بل إنها ترتكن إلى المنطق العقلى الذى يعوق محاولة الفهم ذاته . فمنير رسمى مات لأنه خرج من منزل مريح ونظام أسرة، وعانى حياة غير محتملة مع هوام الأرض، وهى ايضا حياة تظل بالنسبة إليهم مجهولة وغامضة..فقط تنوب الابنة عنهم لتعبر إلى المكان الذى عاش فيه الأب وقد اتخذ لنفسه «اسما/ وجها» آخر وكأنه يعلن عن نفسه دون صوت : «إننى موجود فى كل مكان، ولكن ليس لى مكان».

  • ”طبل / رامبو/ بودلير: هم جميعا أنا”

سوف تترد عبر الفيلم عبارة واحدة تقريبا على لسان الابنة والخال، فالإبنة تعلق على الأب قائلة :كانت له نزوات راهب او قديس.ويرد الخال فى مشهد لاحق مبديا اعجابا خفيا بشخص منير رسمى :بأن عنده شيئا من نبل حقيقى! والعبارتان تشيران دون تصريح إلى المجال الروحى لشخصية “طبل/منير” والتى كانت تعمل بدأب، ودون كلل على إحلال الثنائيات، والانشطارات على شاكلة المهرطقين فى العصور الوسطى والمتصوفة المهووسين بثنائية الإلهى/الإنسانى، لكن الفيلم يشير بشكل خفى الى جماعة Goliards المنسوبة الى الأسقف جولياس الأسطورى المغرم بالخمر والنساء، وهم جماعة انفلتوا من إسار الرهبنة وشردوا فى مسالك الأرض موصومين بتهمة الهرطقة، وكانوا ينظمون أشعارهم فى حب الجسد على غرار أوزان موسيقية لأناشيد كنائسية مع قلب مضمونها رأسا على عقب . كل هذه الإشارات والتضمينات الخفية عبر النص تشير إلى هذا الداخل الذى كان يمور بكل المتناقضات، والراغب فى عبور ثنائيات وجودية مع الإبقاء عليها دون حسم، ألم يفعل «بودلير» نفس الشئ  بتأجيح ألصراع الحاد بين جسده وروحه فى مزيج من الصوفية الشفيفة والشهوانية الصريحة. ربما ايضا من الممكن أن تعثر وأنت تشاهد الفيلم على أصداء موحية لرامبو الشاعر عبر أقنعة «طبل»:ألم يبحث رامبو هو الآخر عن ذالك القناع المغوُى عبر حياة قلقة ومعذبة؟!، تقع دائما على الحافة، تاركا روحه فى إسر قدميه، حتى يلقى فى النهاية قناع موته، فى منفاه، وقد كَف عن قول الشعر ليظل «ما فيه..فيه»، منتشيا بامتلائه الأجوف بلوثة الكلمات والأحشاء. ألم تتكرر نفس الصورة «صورة طبل» فى تكرارها الملتبس لجوجان الوحشى؟ الذى هجر حياة مريحة ونظامية إلى أرض غريبة لتمده بكل صور القسوة فى بحثه عن فردية خام وبدائية مصفاة من أية أوهام اجتماعية ​“حلم طبل وتشوانج تسو”ولكن فى حقيقة الأمر لايهم كثيرا فعل الموت نفسه، فإذا كان “طبل” قد مات فعلا فهذا لا يعنى أكثر من تعطل قوانين وعمليات الجسم البشرى، وانقطاع الحواس عن ممارسه دورها، أى أن موته لا يفيد اكثر من تقرير قاموسى قام به “الجرجانى” للتعريف بلفظة “موت”. لكن الأكثر شاعرية هوقول “شوبنهاور” فى تهدئة المرء من جزع الموت :«إن نهاية الشخص حقيقة شأن بدايته، وبالمعنى الذى لم نكن به موجودين قبل الميلاد، فإننا لا نعود موجودين بعد الموت، غير أنه لا يمكن من خلال الموت إفناء أكثر مما أنتج من خلال الميلاد”… وبالنسبة إلي ولعقل شغوف بالمفارقات وألعاب الفرجة والتيه، فإن الأكثر سحرا هوأن “طبل” كان يمارس أمامنا لعبة موته، وأنه يحلم بنفسه كميت مختبئ وراء صور موت فى حيز جسدى يوحى لنا بالانقطاع عن عالم الأحياء، بسكونه الظاهرى الذى يمزقه بتحريك أصابع قدميه وإطلاق ضحكات ساخرة، وتصديق لعبة طبل الإيهامية ليس اكثر صعوبة من تصديق خرافة حكيم بوذى عاش فى القرن الرابع قبل الميلاد، وقد حلم بنفسه فراشة «Chuang Tzu» تطير فى الجو ولا تعرف شيئا عن تشوانج تسو. وبمعنى آخر يمكننا القول إن «طبل/تشوانج تسو» كانا يدركان العالم كمشاهد مجرد الوجود، مفرغ من الأنا. ولكن..أليس الموت بالنسبة إلى البعض كسوف ليقظتنا الواعية، وفى نظر البعض الآخر يقظة مفاجئة من حلم الحياة الثمل، والناس إذا ماتوا افاقوا، وفى حلم الموت يستطيع طبل: منير؟ أن يمسك بكل لحظات حياته وأن يخلط بينها بحرية، وأن يستعيد وجهه كل الوجوه السالفة: النظام والفوضى، السلطة والعشق، الخداع والهزل، أى أن يكون كل شىء ولا شىء معا.

  • «ألعاب الموت المابعد حداثية»

فسؤال الموت المعلق هنا فى جنة الشياطين، وفى لحظة الصمت التى أعقبت إعلان ننة عن موت طبل ليس هو نفسه سؤال جلجامش أو فجيعة «بسكال»، فى الهوةالفاغرة والناتجة عن اصطدام الوجودى بالمعرفى .فموت طبل بالنسبة إلى الأصدقاء والعائلة هو موت شخصى بحت، موت شخص متعين بذاته، فصورة الموت فى “جنة الشياطين” وبشكل عام فى الموقف الـ«ما بعد حداثى» هى صورة مأخوذة مأخذ التسليم، موت بلا تبرير وأيضا بلا نضال، إنه هناك فحسب، والسؤال الخالد الذى لم يكن له جواب قط لن يكون له وجود أبدا، نموت لأننا نموت، وقد استبدل السؤال بعرض لآليات التحلل واحتفالية السيولة والعصارات النتنة والتبخر والانصهار التدريجى وفق سيميائية محددة ومقررة سلفا.أى هو عرض فنى لتحويل شئ رخيص إلى لا شئ على الإطلاق. وفى هذه اللعبة سوف يتعرف الأصدقاء على صورة «مشابهة» لموت.. مع عدم التصديق فى أن يكون الجالس أمامهم يعبث بهم فى لعبة من ألعابه الشهيرة التى مارسها طيلة حياته، مثل لعبة الجنس والخطيئة والشر والشذوذ والغرابة. يهزه بوسى وهويضحك ضحكات خشنة، وتقف شوقية تنتظر بتوتر استيقاظ طبل من نومه ليلعبوا جميعا لعبة الحواس النزقة .حتى هذه اللحظة لا يوجد أى شئ غير عادى فى تخطيط المشهد، وفجاءة تسقط زجاجة منفلتة من حضن طبل، والتى تعادل فى قوتها ووزنها الدرامى الأشخاص المجتمعين داخل المشهد، تسقط بصوت تدحرج مكرور فرحة بانعتاقها من أسر اليدين اللتين كانتا تمسكان بها منذ لحظة، وقد نالت هى الأخرى قدرها فى “جذبة” لا راد لها، وهى أن تفرغ من خمرها وأن تسقط على الأرض بين قدمى طبل .ومع فعل الانجذاب والسقوط يدرك الجميع صورة موت، فيصرخ ننة : ده طبل مات. امامهم الآن «جسد» بلا حراك مهيأ لأن يملأ من جديد بشيطان أو إله، بوثنى أو صوفى، فالإفراغ يتطلب الملء، وفى الصمت المعلق بينهم ترتفع يد شوقية لتضم فتحة الثوب المشقوق وهى تنظر إلى طبل فاغر الفم عن ظلمة احشاء وظلمة كون. لحظة عدم التصديق التى تلف وجوه الأصدقاء ستكون مدخلا للعب مع طبل نفسه فيما بعد، ثم الانتقال التدريجى وبتردد من التهكم إلى الإقدام على تفكيك الكائن «الإكسسوارات: الأسنان». كل ذلك سيؤكد طابع اللعبة المتبادلة بين طبل والعالم المحيط به، والتى تلتحم فى هرمونية عالية بلحمة النسيج السينمائى الذى يستعير هو الآخر العابا أسلوبية..بالإضافة إلى لعبة تبادل الأصوات بين العالم والأصدقاء، فالعائلة تمارس لعبة الصرامة الشكلية لفرض إطار ما حول صورة موت، بينما الأصدقاء فى المقابل يعملون على خلخلة الإطار نفسه. هنا يظهر بوضوح عنصرا الخفة «الباروديا- الساتير» والرسوخ وما يمثله من ثقل ورهبة الموت لكن عنصر الخفة الموجه من قبل الأصدقاء، ليس موجها فى حقيقته إلى صورة الموت بقدر ما هوموجه إلى المتفرج..بغرض زعزعة مرجعيتة اللاوعية تجاه ثقل الموت. ففى الدراما وحيلها اللانهائية من الممكن التعامل مع أشد الأفكار رسوخا ومهابة مقترنة ومتزامنة بعنصر الخفة، حيث يعمل كل عنصر على إزاحة العنصر الآخر عن طريقه ليتسيد وحده، مما يخلق حركية مقلقة تسرى فى روح النص بفاعلية كبيرة. فالأصدقاء يتعاملون مع صورة الموت بنفس الروح «الكلبية» التى يتعاملون بها مع صورة الحياة. لكن فيلم “جنة الشياطين” فى حقيقته ليس فيلما عن الموت، ولا هو ايضا «كما ذهب البعض» عن الطبقات والمقارنة بين أساليب حياتها المختلفة، فهويتجاوز ذلك ببصيرة خلابة. إنه فيلم عن العاب الوجود البشرى والتحولات الملغزة فى تجربة الكائن، والأقنعة التى يتلبسها المرء ويسعى إليها عبر حياته، وتلك التمزقات التى تعتريه بين التجاور والتزامن، بين العلوى والسفلى، بين فورة النشاط العضوى وانقطاع الحواس وخمودها. هو بالأحرى عن أزمة أن تكون بشريا، وحيث الوجود لا يعدو أن يكون مجرد حلم لمخيلة ما «جدلية الأعلى والأدنى-التجاور والتزامن»

717

يبدأ “جنة الشياطين” بعد نزول التترات مباشرة بلقطة موحية، تتحرك فيها الكاميرا من أعلى مئذنة جامع إلى أسفل.. حيث يقع مقهى يجلس داخله الأصدقاء يلعبون الطاولة، وينتهى الفيلم بنفس حركة التحول من الأدنى إلى الأعلى مع تغيير منظور الكاميرا .والمشهدان يكشفان عن حركية الفيلم وشخصياته، لكن لا تحمل لقطة البدء بمئذنة وهى تشرخ سماء معتمة -أى معنى إشارى – هى فقط موضوعة من أجل التعبير عن فكرة التجاور فى المكان، والعبور بين نقتطين :بين الأعلى فى المستوى – المئذنة- كخط رأسى يتعامد على سماء مظلمة يمكن أن يحل محلها فوندى أسود، فهى فى النهاية سماء مصفاة من اى رمز دينى، ومن الممكن أن تكون مجرد سقف يمتد فوق بيوت، وبين الأدنى فى المستوى «المقهى» كخط أفقى فهما يشتركان فى نفس العلاقة الطوبولوجية ونفس اللقطة، فى صورة تزامن مكانى. ونفس الشئ فى تزامن الأفعال ومشاركتها لنفس اللحظة «القدسى/الدنيوى» فى موت طبل غير المرئى، ولحظة الإغواء الساحرة بين الأصدقاء وهم يلاحقون شوقية وهى تسير تهز ردفيها.. حيث تتزامن لحظة إغفاء الحواس بصورة الحواس. فالعوالم تتماس وتتعايش بألفة، والكاميرا تعبر من الأدنى إلى الأعلى والأصدقاء يمرون داخل شقة منير رسمى أمام العائلة المجتمعة فى حفل تأبين للفقيد دون أن يشتبكا معا، أو أن يصدر احدهما على الآخر حكما أخلاقيا من أى نوع. فالشخصيات والأماكن فى “جنة الشياطين” تنتمى إلى عالم الشاشة المحددة بنسب رياضية بحتة وإلى هذه الشاشة تدين بوجودها أكثر مما تدين إلى عالم الواقع، فقط تستند إلى عنصر «المشابهة» مع صورة واقع، كما تتشابه الصور الفوتوغرافية مع ماضى منير رسمى.

«جنة الشياطين وعفاريت الأسفلت: إستعارات شكلية» 

يأتى «جنة الشياطين» بعد فيلم واحد ووحيد مشترك بين نفس الكاتب ونفس المخرج تحت عنوان “عفاريت الأسفلت” العنوان يشير إلى طائفة سائقى الميكروباص وينتمى الفيلم إلى ما يطلق عليه «دراما الأحياء» التى بلغت ذروتها التعبيرية بفيلم داود عبد السيد «الكيت كات». والمقصود بـ”دراما الأحياء” تلك التى تدور أحداثها داخل حى أو ضاحية ما، حيث تنعقد بين الشخصيات صلات قربى وجوار، تتشابك فيها ذكريات المنشأ والأحلام، أيضا الظرف الاجتماعى المُعاش. شئ ما يظل مفتقدا عبر نسيج فيلم «عفاريت الأسفلت» والذى يفتقد إلى تماسك عضوى فى بنية النص المكتوب مباشرة للشاشة، وكأنما أراد “مصطفى ذكرى” أن يمسك بشئ ما عبر نصه، لكنه لم يحدد بداءة لنفسه ماهية ذلك الشئ الذى عليه أن يسعى وراءه، ومع ذلك ينجح ببراعة فى اصطياد صيد سمين «بلغه الكُتاب» وذلك باستعارة صوت ونبرة الحكى فى كتاب «الليالى» لحساب شخصية ولسان حلاق «قام بالدور الفنان حسن حسنى» لكن هذا التماس وهذه الاستعارة لا تمس بنية النص ككل، حيث يخفق ذكرى فى تطويع الاستعارة وجماليات الحكى والتوالد السحريين عبر نسيج النص، ليظل صوت الحلاق متألقا كجوهرة ثمينة، لكنه ايضا يظل يعانى فرادته وعزلته عن الفيلم، يلغو وفق مخيلة شغوفة بالأحاجى حكمته المنسية والغائبة وهو منحن على رأس او قفا.

فى «عفاريت الأسفلت» يستخدم ذكرى عنصرى الخفة والرسوخ اللذين سيعيد التلاعب بهما لاحقا وبمقدرة عالية فى «جنة الشياطين» وهو يجيد تطويع التقنية داخل نسيج المشهد الواحد من أجل إستبيان ردود الأفعال المضحكة والهزلية والمشحونة بأقصى درجة ممكنة من التوتر والتهديد المروع. وهى تقنية شائعة سنجدها تقريبا فى كل أعمال الكاتب «ادجارآلان بو» وكل الأفلام البوليسية ذات الصبغة الكوميدية، وأيضا أعمال المخرج الأمريكى «جون هيوستون»، وقد أصبحت الآن تراثا مشاعا للفرجة السينمائية، وتظهر بوضوح فى الأفلام الأمريكية الحديثة القائمة على عنصر «الباروديا»، والتى تتخذ من شخصيات وقصص أفلام الثلاثينيات من القرن الماضى موضوعا أثيرا لها، تعمل على استعادته واعادة تقديمه من جديد. فى «عفاريت الأسفلت» تنجح اللعبه مع  شخصية«الحلاق» الذى يملك مخيلة وهجة حيث تأتيه لذة الحكى وهويعمل فى رقبة «زبون» يجلس تحت يديه مباشرة، فى رعب هائل وفق وسواس قهرى وقد تعلقت عيناه بيد الحلاق الممسكة بالموسى، وهو يفكر فى تلك اليد:ماذا يحدث إذا زاغت قليلا فوق تحدر الرقبة الى نقطة حساسة من العنق يتفجر فى اثرها رشاش الدم الأحمر، فى تزامن مع صوت حكى الحلاق وهو مستغرق بعينين زائغتين فى صور حكايته؟!

 

يجيد ذكرى التلاعب بتلك اللحظة الحرجة التى يتجاذبها طرفان: لذة الحكى/رعب الرقبة المجزورة، فالزبون خائف من أن تقع اليد فى المحظور والخطأ المتوقع بين لحظة وأخرى، والحلاق فى لحظته المتعالية غائب تماما عن الوعى، وبالإضافة إلى ما يمكن أن تحدثه الحكاية نفسها من أثر فى نفس السامع، بين اتجاه الحكاية ومقاصدها وحياة الزبون نفسه . وبالأضافة الى شخصية الحلاق هناك أيضا «ماسح الاحذية» التى لا تقل ثراء والذى تتركز حواسه فى يديه واصابعه الطويلة المسحوبة فى رشاقة غريبة، وعلاقته بقطعة من القطيفة تكاد أن تكون «ولها فتشيا» حيث موطن المشابهة بين ملمس القطيفة الحار الدافئ، التى تستخدم فى مسح وتلميع الأحذية.. وملمس اللحم الأنثوى. وباستثناء هاتين الشخصيتين وجوقة التمثيل البارعة يظل الفيلم يفتقد حيوية ما مطلوبة، وسجينا وراء ذهنيته وجفاف فكرته…أذكر أننى عقب مشاهدتى للفيلم، وبعد مناقشات سوفسطائية الطابع لا تنتهى ابد! بينى وبين – مصطفى ذكرى- دونت بعض الأفكار على هامش مشاهدتى للعمل: «كان يجب على النص أن يفرد مساحة اكبر لذاكرة الأعضاء الجنسية والحواس فى لعبة الخيانة التى بنى عليها الفيلم، ففكرة الخيانة ذات التجريد الذهنى والمرتبطة بإحراز العدد ومرات الاختلاس، وأن اللعبة لا تتم إلا بشرط مفارق مؤداه: إنه يجب على جميع الشخصيات أن تظل فى حاله إستعماء.ولكن بأبراز مساحة لتلك الذاكرة فى لعبة تبادل الأسرة وبيوت الحب سيمنح الشخصيات فرصه لإجراء مقارنات وقياسات بصرية سمعية «للأجساد» مرتبط بتجريب هذه الأجساد غير الشرعية، وهنا ستبلغ الفكرة توترها المنشود، وستكتسب المشهدية السينمائية بلا جدال نوعا من القلق العذب الناتج عن كشف روحى متحقق فى لعبة الإيلاج، لكن شىء من هذا التوتر الجمالى سيتحقق بلا شك فى «جنة الشياطين».

«الوجود التعويضى للأشياء» فى لعبة الموت ستنطلق شرارة الحكى وشوق المخيلة لمعانقة صورها، فيتحول منير رسمى/طبل إلى -وجود لا شخصانى- وتصبح حيواته السابقة موضوعا للآخرين.. يلقون عليها بتعليقات متباينة الصوت، أى يتحول إلى «فاترينة» لعرض أفكار كل شخص عن نفسه، كما يتحول إلى موضوع للنظر واللمس كلعبة فى أيدى كل الناس «هذه لكم.. وتلك لهم» وبالتدريج يحل المجاز اللغوى «الحكى» محل التاريخى، والصورالفوتوغرافية محل الذاكرة والوقائع، وصورة واقع مشابه على الشاشة محل الواقع المباشر للمتفرج، وتندفع جميع الشخصيات بهمة إلى سرد وقائع الحيوات الماضية لمنير/طبل، ولا حرج بالطبع أن تخترع كل شخصية دزينة من أحاديث ملفقة ووقائع وهمية لا نعرف مدى صدقها او حقيقتها التاريخية لكن المهم هوقوة الأداء والصنعة. فالعائلة تتحدث حول مصيره وما آل إليه فى نهاية حياته لأنه حاد عن طريق الصواب المكرس والمرسوم بدقة، بينما الأصدقاء يتحدثون بفخر واعزاز عن مآثره فى العالم التحتى وشراهته ونزقه، فتاريخ طبل فى كل الأحوال يتحول إلى مادة لغوية، ويصبح الشخص فى أقنعته هو الحضور المتحقق فى غيابه. وبالمثل تعمل الصور الفوتوغرافية المخادعة كالأحاديث والتعليقات الجارية على خلخلة مرجعية ماض مشكوك فى أمره، فهى تحيلنا دوما إلى ماض وهمى لشخص لا وجود له فى الواقع، كما أنها لا تشير إلى اتصال الزمن والوقائع بقدر ما تدلنا على ثباته وتقوقعه فى سطح ذى بعدين كعنصر مشابه لنسخة طبق الأصل لم يوجد لها أصل مطلقا فى تيار الزمن . وجميع الشخصيات وبنية النص تتحرك فى زمن حاضر أبدى، دون رجوع إلى ماض، فى إطار ليلتين يفصل بينهما نهار كئيب «كفاصل موسيقى»، فلا احد فى «جنة الشياطين» عاش فى الماضى، والحاضر وحده هو شكل كل حياة ممكنة، ومن رأى الحاضر فقد رأى كل شىء .

«العاب كرنفالية لأشباح”مع لعبة تبادل الأصوات بين العائلة والأصدقاء يعلن قانون المشهدية الكرنفالية، فـ«حٌبة» تتحدث عن طبل بصيغة احترام وقدسية كبيرة، مستعيرة صوت العائلة وخطابها: ”كان موظف كبير ومحترم”، والعائلة تستعير أيضا صوت العالم السفلى وهى تتحدث بنبرة استخفافية عن عالم الصعاليك والشواذ. ومع تلك المشهدية المعلنة يتم الاحتفاء بكل صور الزيف المخادعة وإحلالها محل الحقيقى غير القابل للتعويض، فالجسد يفك، والأسنان الزائفة تحل محل الحقيقة، والصندوق الأرو يصبح عوضا عن  جثمان منير رسمى، والأعضاء الجنسية تحل محل الأصابع والأظافر فى لعبة إيروتيكية الطابع، حيث يصبح القانون الأوحد للوجود هو قانون المراوغة والزوغان وتبادل الهويات فى إعلان صريح بنسبية منتشية تبسط نفسها على كل الأشياء، فتتعدد الاصوات فى انطلاقاتها مع اختلاط الاضداد«الحقيقة والوهم» داخل لعبة اتفاقية وضمنية، فيتم تبادل الأزياء من أجل التخفى والمواراة فيرتدى “عادل” ملابس” منير رسمى “التى اعدتها العائلة ليدفن بها فيصير فى التو منسجما فى مظهره مع الديكور المحيط به فى بيت العائلة البرجوازى . وهنا يختار” ذكرى” لشخصية منير رسمى «ديانة مسيحية» وتأمل قليلا أيها القارئ فى طبيعة الاختيار، فليس للاختيار هنا أى بعد رمزى او عقائدى أنه موضوع فقط من أجل الاستثمار الكرنفالى للأدوات والطقوس، فأهمية الاختيار تكمن فى الملابس، كى يستبدلها عادل بملابسه المتسخة، وحيث الطقوس المسيحية تفرض أن يدفن الميت بأزهى ما يملك .

«جنة الشياطين: باروك/فوميتو/باستيش»

يفيد أسامة فوزى من تقنيات وأساليب فنية متعددة يمزج بينها باقتدار وفهم عميق فى شكلpastiche  فيعتمد على الأسلوب الباروكى بطابعه المسرحى الذى يحيل الأجسام فى حركتها السريعة إلى مجرد خطوط تفتقد إلى الانتظام والهندسية، والمكان يتحول إلى نتف وأجزاء مفتتة تعمل على كسر الإطار وتفكيك صورة المكان «ككل» فى ذهنية المتفرج وذاكرته البصرية تؤكده حركية المونتاج بقطعات حادة وحركات الكاميرا المفاجئة والمقتحمة دون تمهيد من أى نقطة وزاوية، مع إظهار الخلفيات التى تتحرك عليها الشخصيات كأشكال الطباعة والحفر كمجرد صورة خطية ملخصة فى خطوط أفقية رأسية مع عدم الوضوح الكامل لها، ولا يوجد مشهد واحد فى فيلم أسامة فوزى لا يمكن اعادة تركيبه مونتاجيا من جديد.. فالمادة قابلة للإعادة وان تأخذ تنويعات مختلفة من الإيقاع، حيث تبدو بوضوح لمسه خالد مرعى فى قدرته الفائقة على قراءة المادة التى أمامه، وفى تحييد كل عناصر المشهد السينمائى «صوت/صورة» دون أن يتسيد عنصر على أخر لكنها تعمل جميعا على توليد دالات متغيرة وغير سكونية، ودون إضفاء صياغة صارمة ونهائية عند تخطيط المشهد.فالبورتريهات الجماعية للممثلين تبدو مفككة وغير مستقرة، مع التوزيع المتتحرر للميزانسين الأقرب إلى «الكرتونية» الشبيهة بأسلوب رسم المجلات الشعبية المصورة، كما يظهر فى مشهدين صاغهما أسامة فوزى ببراعة وتمكن هائلين: أولهما مشهد”الأظافر الخادعة” حيث يستلقى الأصدقاء على الأرض ضحكا وهم يهزون اقدامهم فى الهواء فرحا بالفوز بالخدعة .

وثانيهما: مشهد”الخناقة”داخل المقهى عندما “يشنكل“ طبل قدم صبى «يا له من سحر أن يشنكل ميتا قدم رجل آخر!!» فتبدأ فى الحال معركة تصل إلى ذروتها الغنائية بتطاير زجاجات البيرة فى الهواء، والسائل الكحولى يسيل على الجدران برغوته الفوارة، وشظايا الزجاج المتكسر تتطاير بحركة بطيئة وهى تومض ومضات خاطفة.

.. ينتهى “جنة الشياطين” فى لحظة الذروة التى يوشك أن يبدأ عندها من جديد، بدخول السيارة إلى النفق وقد تخلعت أبوابها، وفى نوبة شغف للحواس المضجرة ينطلق الجميع فى تجربتها ليدور فاصل من التهام الشفاه، بينهم طبل يتسلى بلعبة الحواس النزقة الموقوفة على قدرها دون أن يشارك فيها.

 

فقدر الشفاه فى فعل التقبيل كما كان قدر الزجاجة فى بداية الفيلم أن تفرغ من خمرها وأن تسقط على الأرض، فهل يمكن أن نتخيل للشفاه أو الأعضاء دورا آخر غير ما هو مقدر لها ؟! وفجأة، ودون تمهيد ينقلب منظور الكاميرا لتسبح السيارة فى خضم ضوء صناعى، منجذبة إلى ثقب أسود، وطبل يقودهم بقوة خفية إلى نقطة ما متوارية فى الأمام وهو يضحك ويقهقة بصوت مُرجع كحيوان يعوى فى وحشة خواء كونى. فمن أين يدرى الناس أين توجهنا ؟!!

 

هوامش النص

اسامة فوزى :ولد فى العام 1961،وعمل منذالعام1984كمساعد اخراج لحسين كمال/نيازي مصطفي،وفي العام 1984قام بانتاج فيلم (الاقزام قادمون)اول افلام المخرج “شريف عرفة”،فى العام1995حقق فيلمه الأول(عفاريت الأسفلت)عن سيناريو الأديب”مصطفى زكري”المكتوب مباشرة للشاشةوالذى نال جائزة لجنة التحكيم بمهرجان لوكارنو،وفى عام1999حقق فيلم(جنة الشياطين) عن سيناريو”مصطفى زكري” المقبس عن رواية (الرجل الذى مات مرتين) للكاتب البرازيلى ” جورج امادو”وقد حصد الفيلم الجائزة الذهبية لمهرجان دمشق السينمائي ،عام2004حقق فيلمه الروائي الثالث فى مسيرته بعنوان(بحب السيما)عن سيناريو الكاتب”هانى فوزي “الذى اتبعه بفيلم (بالألوان الطبيعية)عام2009.
(لاتدوم حياة كائن حى إلا ماتدومه فكرة):العبارة مقتبسة عن نص (دحض جديد للزمن) تأليف خوخى بورخيس-ترجمة خليل كلفت Demiurg • /ديمورجى: الفاتك بكبير الآلهة و قد اسقط جوبيتر عن عرشه و حل محله فزاد فحمة الليل سوادا
.
محى الدين بن عربى :”تركنا البحار الزاخرات وراءنا فمن أين يدرى الناس أين توجهنا “. • باروك:تطور فنى نشأ قرب نهاية القرن السادس عشر (1720-1580) وأصل الكلمة مشتق من كلمةBarroco البرتغالية و معناها اللؤلؤة الخام أو الخشنة و الكلمة تشير إلى ما ينطوى عليه طراز الباروك من عدم إنتظام فى الشكل • تشوانج تسو: اسم كتاب يحمل إسم مؤلفه (تشوانج تسو) و هو حكيم صينى أزدهر فى القرن الرابع قبل الميلاد و ترجع أهميته إلى تأثيره الكبير فى تطوير بوذية التأمل فى الصين ،و يعتبر من كبار فلاسفة (التاوية)و قد وضع أفكاره فى صورة أمثولات و حكايات رمزية و حوارية متخيلة و كان يردد دائماً أن أفضل طريقة لحكم العالم هى ألا تحكمه فالسعادة يمكن بلوغها (بالترك) و أن الصفات و القيم نسبية و ما هو موجود فهو خير ،و يرى أن الموت ليس إلا مظهراً للوجود مثله مثل الحياة، إنه إستبدال صورة من صورالوجود بصورة أخرى • فرانسس بيكون:واحد من أهم وجوه حركة الفن التشكيلى الحديثةولد فى دبلن سنة 1909 توفى بمدريد فى 28 إبريل 1993 .
Cynicism •:(نزعة كلبية)مذهب ينادى باحتقار العادات والتقاليدوالأخلاق السائدة. . fumetto •:نوع من القصص المصحوبةبرسوم تتسم• بطابع إيروتيكي هزلى .