المؤسسات الثقافية المستقلة – مستقلة فعلا؟ بقلم: د.هبة شريف   لا أنكر أهمية المؤسسات الثقافية غير الحكومية ولا أنكر أنه كان لها أثر نختلف فى إدراكنا لقوته ولنوعه: إيجابى أم

873

المؤسسات الثقافية المستقلة – مستقلة فعلا؟

د.هبة شريف

بقلم:

د.هبة شريف

 

لا أنكر أهمية المؤسسات الثقافية غير الحكومية ولا أنكر أنه كان لها أثر نختلف فى إدراكنا لقوته ولنوعه: إيجابى أم سلبي، ولكننى كنت دائما أجد نفسى دائما أمام تساؤلات تخص هذه المؤسسات كلما اعترضت طريقي. فكنت أتساءل كثيرا عن كيفية تعريف هذه المؤسسات لنفسها؟ هل هى مؤسسات مستقلة فعلا كما تدعى عن نفسها؟ وماذا يعنى هذا الاستقلال؟ هل هو استقلال عن الدولة وعن القطاع التجارى الهادف إلى الربح فى نفس الوقت؟ وكيف يمكن لمؤسسات المجتمع المدنى المستقل التى تنتقد أداء الدولة أن تطلب من الدولة – أى دولة – أن تشارك فى تمويلها أيضا؟ وهل ينفى حصول هذه المؤسسات على تمويل حكومى حتى لو أجنبى فى النهاية استقلالها؟

فى البداية، أجد أنه من المهم أن نضع مفهوما أكثر تحديدا لمؤسسات المجتمع المدني. فهناك من يقول بأن المجتمع المدنى يشمل كل المؤسسات التى لا تندرج تحت سيطرة الدولة ومؤسساتها الرسمية والتى تتشكل بمعزل عن العائلة وبعيدا عن الأحزاب السياسية أيضا. وهكذا فإذا أسست مجموعة ما من الناس لا ينتمون جميعا الى عائلة واحدة أو الى حزب واحد – مؤسسة غير حكومية لتمثيل مصالحهم أو للدفاع عن قضية مجتمعية معينة، فهذا كيان يمكن أن يُطلق عليه مؤسسة مجتمع مدنى أو أهلي. والأمثلة هنا كثيرة، مثل أن يندرج بعض الناس فى كيان منظم من أجل الدفاع عن البيئة، أو يقيم أبناء قرية أو حى معين جمعية لتمثيل مصالحهم أمام الجهات الرسمية المختصة. كما تندرج الجمعيات الخيرية أو مراكز الدفاع عن حقوق الانسان والمؤسسات الثقافية العاملة على تقديم خدمات ثقافية فى المجتمع المحيط بها تحت مؤسسات المجتمع المدنى أيضا.

وهناك من يربط بين نشوء المجتمع المدنى وبين الديمقراطية والحرية بحيث لا تتحقق اشكال المؤسسات الناجحة للمجتمع المدنى الا فى ظل حد كبير من الحرية والديمقراطية التى تسمح بقوانين عادلة تحمى تأسيسها وتمويلها وتضمن فى نفس الوقت عدم تجاوز هذه المؤسسات لسيادة الدولة.

تمثل الجمعيات الخيرية حالة من حالات المجتمع المدنى الأكثر فعالية ووصولا الى الناس، حيث استطاعت، عبر فترة طويلة من الزمن، أن تؤدى الخدمات التى عجزت الدولة عن تقديمها من رعاية اجتماعية ممثلة فى اعانات شهرية للفقراء أو اعانات موسمية، أو رعاية صحية ممثلة فى المستوصفات الخيرية الطبية التى تقدم العلاج مجانا أو بمقابل بسيط،. وتمثل الجمعيات الخيرية نسبة غير قليلة من الجمعيات الأهلية المشهرة.

ويعود نجاح وازدهار الجمعيات الأهلية الخيرية فى مقابل ضعف أداء مؤسسات المجتمع المدنى الأخرى الى القوانين الحاكمة التى وضعتها الدولة لتأسيس الجمعيات الأهلية أولا، وسهولة تمويل هذه الجمعيات الخيرية ثانيا لأنها قائمة على تلقى أموال التبرعات والزكاة والتصدق، إلى جانب اقبال الناس على التصدق بأموالهم وبوقتهم إيمانا بضرورة التصدق بالوقت والجهد.

تعتمد المؤسسات الخيرية اذن على الثقافة التقليدية للمجتمع أو الثقافة الدينية تحديدا بما تتضمنه من قيم التصدق والزكاة، وهى قيم تتعارض مع قيم الحداثة التى تنتصر أكثر للقوانين الوضعية المدنية والتى تحاول أن تلزم الدولة بالقيام بمسئولياتها الخاصة ببسط مظلة الرعاية الاجتماعية على الفقراء والمحتاجين. أما المؤسسات الثقافية المستقلة فهى مؤسسات تنتصر بوعى للشكل والمضمون الحداثى أكثر من التجمعات التى تعتمد على الثقافة التقليدية للمجتمع، وتحاول بالتالى أن تعمل على تكريس مفهوم الحداثة على مستوى الإدارة وعلى مستوى مضمون مشاريعها الثقافية. فمن حيث الشكل فهى تعتمد منهج الإدارة الحديثة الذى ينص على ضرورة وجود مجلس إدارة ومجلس أمناء ومديرين تنفيذيين، ومن ناحية المضمون فإن هذه المؤسسات تعمل على إرساء قيم حداثية مثل المواطنة وحرية التعبير وإتاحة الثقافة من خلال دعم فعاليات وتعبيرات ثقافية تنشر هذه القيم.

وبرغم أن هذه الفعاليات الثقافية تنشر قيما نبيلة ومثالية، الا أننا لا يسعنا الا ملاحظة أنها تظل حبيسة مجموعة صغيرة من المتلقين، ولا تمس القاعدة العريضة من المواطنين بشكل اساسى ولا تشعر هذه القاعدة بوجود هذه المؤسسات الا فيما ندر.

قد يكون سبب ضعف تلقى فعاليات المؤسسات الثقافية غير الحكومية أن الأهداف التى نشأت من أجلها هذه المؤسسات لا تهم المجمل العام من المواطنين المصريين وسط الظروف الحياتية الصعبة التى عليهم مواجهتها كل يوم، وقد يكون أنها – وبسبب حداثة شكلها ومضمون التعبيرات الثقافية التى تقدمها واقتباسها لأشكال وأهداف موجودة فى دول حديثة تمول هذه المؤسسات – لا تجد لها صدى فى مجتمع لم يتحول للحداثة بعد، أو يستغرب هذه الأشكال والمضامين، أو يجدها لا تخاطب الا قلة قليلة من جمهور المتلقين الذين لا يشعرون بالغربة مع هذه المضامين والأشكال.

شهدت التسعينات تكوين مؤسسات ثقافية مستقلة فى مصر لأول مرة، وكان تكوين تلك المؤسسات قد لاقى تجاوبا من الكثير من المبدعين المصريين عندما يأسوا من سياسة الدولة الشمولية فى مجال الثقافة التى لا تتغير، حيث لم تكن الوزارة تدعم الا الفنانين المتماهين مع سياستها وغير المنتقدين لها، او تدعم مبدعين كبارا آخرين لتضمن ولاءهم، ويتنوع هذا الدعم من كونه دعما لنشر أو عرض أعمال فنية فى دار نشر حكومية أو فى مهرجان، أو من خلال منح تفرغ، أو من خلال وظائف وعضوية فى لجان. وبالتالى فقد تم تهميش الفنانين والمبدعين الذين لم يكونوا على استعداد للتماهى مع سياسة الدولة الثقافية أو عدم انتقادها. ومع بدء ادخال سياسات السوق الحرة شيئا فشيئا لمصر وضغط المجتمع الدولى الغربى من أجل الاسراع بالإصلاحات الاقتصادية التى تستلزم بالضرورة اصلاحات سياسية، بدأت الدول الغربية تدعم تسارع الانتقال للاقتصاد الحر ولمجتمع ديمقراطي، وكان من الطبيعى ان تدعم هذه الدول التغيير فى القيم الثقافية التى تكرس مركزية الدولة مما انعكس أيضا على مجال الثقافة. ومن هنا بدأ الكثير من الدول الغربية دعم مؤسسات ثقافية مستقلة لتشجيع تكوين مجتمع مدنى يكون نواة يفكك مركزية الدولة واحتكارها الدعم والتوجيه الثقافي.

ولا بد من الاعتراف بفضل بعض هذه المؤسسات الأهلية، فلا يمكن بأية حال من الأحوال انكار قوة الحراك التى أحدثتها المؤسسات المستقلة فى المشهد الثقافى وظهور مجموعة من المبدعين، خاصة فى مجال الفن البصرى والموسيقى والرقص المعاصر، لم تكن لتظهر دون دعم هذه المؤسسات المستقلة، نظرا لتحكم الدولة فى توجيه وتوزيع الدعم سواء المعنوى أو المادي. ولكن فى رأيى فإن الخلط كله يأتى من توصيف هذه المؤسسات لنفسها بأنها مؤسسات مستقلة، فأصل الاستقلال هو استقلال القرارات فى تنفيذ البرامج المختلفة داخل هذه المؤسسات دون الحاجة إلى مغازلة الدولة أو مغازلة أى ممول آخر- محليا كان أم أجنبيا – ودون الحاجة إلى تفصيل أهداف ومشروعات ثقافية تتناسب مع انحيازات الممول أيا كان هذا الممول – حكوميا مصريا أم حكوميا أجنبيا. ومن هنا فإن الأفضل فى هذه الحالة أن تصف هذه المؤسسات الثقافية أنها غير حكومية.

وإذا قارنا مؤسسات المجتمع المدنى فى مصر بتلك العاملة فى الدول الغربية، لوجدنا تباينا كبيرا. فمؤسسات المجتمع المدنى هناك ليست مؤسسات مستقلة عن الدولة بالمعنى الذى نفهمه فى مصر، فهى مؤسسات كونها أفراد لخدمة المواطنين بشكل تطوعى أو بشكل لا يهدف الى الربح، ولكنهم يتقدمون للدولة للحصول على دعم وتمويل مناسب لأنشطتهم، انهم مستقلون عن الدولة فقط بمعنى أنهم غير موظفين بها، ولكنهم مرتبطين بآليات الدعم وقوانينه التى تنظمها الدولة.

ولكن لأن الدولة المصرية لم تحقق الشكل الحداثى الكامل بعد الذى يستلزم الديمقراطية والشفافية ومجتمع مدنى قوى تطور بشكل طبيعى على مدى وقت طويل، فقد عجز القطاع الثقافى المستقل عن تحقيق الاستقلال الذى يدعيه، وعجز أيضا عن فرض وجوده على الدولة المصرية واجبارها على تقديم الدعم المناسب حتى فى شكل اتاحة الفضاءات الثقافية المملوكة للدولة للقطاع الثقافى المستقل. كما لم يستطع القطاع الثقافى المستقل الوصول للناس الذى يدّعى أنه يقدم الخدمات الثقافية لهم، فاضطر بالتالى الى الاعتماد بشكل يكاد يكون تاما على تمويلات الحكومات الأجنبية، وخلق هذا الاعتماد الكامل لدى المؤسسات الثقافية المستقلة توجسا دائما لدى بعض الناس تجاه هذه المؤسسات وخوفا مقيما داخل هذه المؤسسات من انقطاع التمويل الأجنبى وبالتالى من غلق المؤسسات إذا اختلفت اولويات وأهداف الدول المانحة يوما، أو إذا تغيرت القوانين فى مصر لتقنن أو تحجم من تلقى التمويل الأجنبى مثل ما يحدث الآن.

القطاعان الثقافيان – الحكومى وغير الحكومى – لا ينافسان بعضهما البعض كما يبدو، فهما يعلنان أنهما لا يدعمان التعبيرات الثقافية التجارية، بل ويتبرآن منها. إنهما يواجهان معا منافسة شرسة من التعبيرات الثقافية التجارية أو التعبيرات التجارية الشعبية. فكم من مرة سمعنا شكاوى عدة لكتاب ينعون حظهم العاثر ويحتجون على ظاهرة البستسللر التى تجعل كاتبا يكتب أدبا «غير راقي» فى نظر البعض يحقق مبيعات ضخمة، وكم من فرق موسيقية أو مطربين ومطربات ضجوا بالشكوى من أغانى المهرجانات التى يغنيها الناس فى الأفراح ويسمعونها فى التاكسي؟ ويتفق كل من القطاع الثقافى المستقل والقطاع الحكومى فى التأكيد على أن تعبيراتهما الثقافية والفنية ليست «تجارية». أى انها لا تعتمد على مبدأ الخضوع لذوق الجمهور رغم أن هذين القطاعين يحاولان جاهدين الوصول لأكبر عدد ممكن من الناس، لدرجة اتاحة فعاليتهما فى كثير من الأحيان مجانا للناس، ومع ذلك لا يقبل الناس عليها.

لا بد من الاعتراف أن اقبال الجمهور هو مقياس نجاح أى فعالية ومؤشر هام فى أى مشروع ثقافي. ولكن للأسف، فإن الجمهور كثيرا ما يعرض عن منتجات القطاعين – الحكومى والمستقل – ويقبل على «الفن التجاري» أو «الفن السائد» لأنه فن – فى نظر الكثير من الناس – أكثر امتاعا. وبالتالى تظل معظم منتجات القطاعين – الا فيما ندر – بلا جمهور حقيقي، جمهور فعاليات القطاعين الحكومى وغير الحكومي، هم منتجوها واصحابهم ومعارفهم والعاملون على ادارة هذه المنتجات من المديرين الثقافيين. ونجد نفس الجمهور يتكرر عند كل فعالية ثقافية.

والغريب أن الرسالة التى ترسلها الجهات الداعمة الحكومية وغيرها أن منتجاتها الفنية والثقافية هدفها تثقيف وتنوير الناس بعيدا عن شرور الفنون التجارية، ورغم ذلك فإن هذه المنتجات تستنكف أن تقدم فنا «جاذبا للجمهور» لخوفهم من شبهة «الابتذال» وشبهة «الفن السائد»، فتبقى هذه الفعاليات تدور فى نفس دوائر المتلقين الذين هم فى الأصل متنورون ولا ضرورة ولا حاجة لتنويرهم.

التعبيرات الفنية المدعومة من الدولة «واحيانا تلك المدعومة من دول أخرى»، تواجه مشكلة على مستوى التلقي، ومع ذلك فلا أحد على استعداد أن يتوقف ويتفكر قليلا فى طريقة دعم هذه المنتجات سواء فى القطاع الحكومى أو غير الحكومي. ولا أحد ينتبه الى أن القضية ليست التساؤل عن التمويل الأجنبى أم فى الدعم الحكومى ولكن فى التساؤل عن تلبية احتياجات الناس الفعلية، وفى التفكير فى مضمون وشكل الفعاليات الثقافية التى تخدم فعلا احتياجات الجماهير المتعددة.

ولكن هذا لن يحدث إلا إذا تنازل الفاعلون الثقافيون واقتنعوا أن الجمهور ليس جمهورا واحدا له مقياس واحد، وأن الجماهير المتعددة لها الحق فى أن يكون لها أذواق متعددة أيضا من حقها أن تُحترم.