عراف المعبد   بقلم : سعد الدين حسن       صديق الوردة والشجرة والندى، صديق الريح والهسيس وقوس قزح، صديق الفقراء والمساكين والغرباء، إذا بحثت عنه ستراه فى التراب

12799373_10153887956852674_6225665771743776277_n

عراف المعبد

d8b3d8b9d8af-d8a7d984d8afd98ad986-d8add8b3d986-3

 

بقلم :

سعد الدين حسن

 

 

 

صديق الوردة والشجرة والندى، صديق الريح والهسيس وقوس قزح، صديق الفقراء والمساكين والغرباء، إذا بحثت عنه ستراه فى التراب الذى تحت قدميك، كما قال عن نفسه «والت ويتمان» فى ديوانه البديع «أوراق العشب».

نعم ستراه يغيث الضعيف والملهوف، ذلكم هو صديقى الشاعر البديع إبراهيم داود، يقودك بقصيدته إلى حيث تتماهى خطوط الكتابة الشعرية بخطوط الحياة.

جامح منذ عرفته، منطلق بروحه اللماحة المشوبة ببهاء السر وحكمته التى لا تخفى هديرها الحوانى.

12799373_10153887956852674_6225665771743776277_n

أسميه «المباغت»، لأننى أراه دائما أمامى بغتة، لا أعرف من أين أتى، ويباغتنى فى قصيدته. وجهه منحوت من إرث الإبداع وألق الأرض المصرية. متماسك الملامح، يبدو أقرب إلى سعفة الخطاب، منه إلى هشاشة الشاعر، كما لو قُد من رخام هيروقليطى مصهور بنار دائمة الاشتعال والانبثاق. أنظر إلى جبهته، سترى جبهة يعرش فيها الغضب واللغز، تنبثق اسفلها عينان يقظتان متقدتان مسكونتان بمكر ثمل، بلغة نارية تحاوران الأشياء وتعيان، فى الآن، حدود الانخراط فيها، انظر قصيدته وأرصد الانتماعات السرية الهاجعة بين ورودها واشجارها الأنوية وتأمل كينونته الجزيرية، المفصولة عن ركام القارات الحطامة المعتادة لنرى نوعا فريدا من الرصد الفعال للأهمية القصوى التى تكتسبها تجربة الانخطاف الشعرية، التى تتوحد مع لسان العناصر، تستعطف اسرارها، تحل فى حضرتها آخذة منها نبع القول كله.

قلت فى العنوان «عراف المعبد» لأن شأن الشاعر، شأن عراف معبد دلفى الإغريقى القديم، الذى لا يكشف ولا يخفى، ولكنه يكتفى بالإشارة. الشاعر يشير يتكلم، لا يشرح ولا يعين يفضى إلى موطن عتمته الشخصية عبر صور ملمومة على بزخ معانيها، يسمى الأشياء، لا عبر اخضاعها لسلطة التسمية، بل عبر صور استدعائها من انكتامها، من عنقها الشأنى، وترك الاسم يذهب نحو إرثها غير المسبوق، نحو مادتها الخام المتجذرة فى لمعان عناصرى، لا يخبو.

ما يفرحنى عند إبراهيم داود أن قصيدته تنبثق أمامى متألقة كحداد يقظ وذاكرة كإيقاع تملكه شعر الأساس المضىء/ المعتم/ المغلق/ المنسحب/ والمنطلق, كما سن مسكون بوقار حشمته, يدرك ولا يدرك, لا يوصف ولا يفسر.

حين اقرأ قصيدته تصيبنى بذلك الوهج الذى نحوه أذهب «أعزل» كما الشعراء.

1507661_10152087128542674_1715064914_n