عبدالله المصري : أنشودة المطر “أن ترى العالم للمرة الأولى” أربعة مشاهد روسية   حوار : محمد صالح   الأول: بين العام ١٨٩٧ عقب سيمفونيته الأولى مصنف ١٣ التى لاقت

c19n5

عبدالله المصري :

أنشودة المطر “أن ترى العالم للمرة الأولى”

أربعة مشاهد روسية

 

حوار :

محمد صالح

 

الأول: بين العام ١٨٩٧ عقب سيمفونيته الأولى مصنف ١٣ التى لاقت إخفاقا واضحا، والعام ١٩٠٠ حينما بدأ فى كتابة الكونشيرتو رقم ٢ للبيانو والأوركسترا مصنف ١٨، عانى المؤلف الموسيقى الروسى الشهير سيرجى رخمانينوف (١٨٧٣-١٩٤٣) أزمة إبداعية، فتوقف عن الكتابة وأحس للحظة وكأنه عاجز عن التأليف. لكن الطبيب ومتخصص التنويم المغناطيسى نيكولاى دال تمكّن من علاجه، ودفعه لكتابة أحد أهم وأشهر أعماله، وأشهر الأعمال فى ريبرتوار البيانو، فأهداه رخمانينوف هذا الكونشيرتو/التحفة الفنية التى اخترقت حواجز الزمان والمكان وتسرّبت إلى وعى ملايين المستمعين حول العالم منذ وقت كتابتها حتى كتابة هذه السطور.

الثاني: قبل وفاته مباشرة عملت مع أحد أهم مخرجى أفلام الأطفال فى روسيا والعالم رولان بيكوف (١٩٢٩-١٩٩٨)، كان رئيسا للجنة تحكيم مهرجان سينما الأطفال فى القاهرة، كان من ضمن ما حدّثنا عنه يوما أن السر فى الطفولة هو الدهشة.. فالطفل يتعاطى يوميا مع كم هائل من المعلومات التى تتدفق إليه، فلا يتوقف عن الدهشة من كل معلومة جديدة يراها أو يسمعها، فإذا ما احتفظ الإنسان بهذه القدرة على الاندهاش، احتفظ بطفولته وبحيوية أفكاره.

الثالث: منذ عشر سنوات ترجمت رواية/مسرحية فرنسية عن اللغة الروسية.. أوسكار والسيدة الوردية لإريك إيمانويل شميت، الترجمة الروسية قامت بها الصديقة العزيزة وعميدة مترجمى المسرح الفرنسى إلى الروسية رئيسة جمعية نقاد المسرح/ إيرينا مياخكوفا، كانت الترجمة من الروعة بحيث أرغمتنى على ترجمة الرواية عن الترجمة الروسية. ترجمتها إلى العامية المصرية، لأن أحداثها عن طفل مريض بالسرطان يكتب رسائل إلى الله، فى احدى الرسائل الأخيرة، حينما تكشفت له الحقيقة يقول بطل الرواية أوسكار:

“إنت فتحت ليّا سرك.. بصّ دايما على العالم، وكأنك بتشوفه لأول مرة”

الرابع: أثناء عملى على نص للشاعر الروسى أليكساندر بوشكين (١٧٩٩-١٨٣٧) “حكاية القيصر سلطان” مع الممثل المسرحى والسينمائى المعروف الرائع المخضرم/ عبد الرحمن أبوزهرة قال لي: “إننى حينما أمسك بنص مسرحى جديد، أحس وكأننى نسيت كل ما عرفت وأعرف وأعود كما كنت مبتدئا أبحث عن الطريق، عن “مسكة” للنص حتى أؤديه، ينتابنى رعب وكأننى أمارس الفن للمرة الأولى”.

المطر

كتب الشاعر العراقى بدر شاكر السياب (١٩٢٦-١٩٦٤) قصيدته “أنشودة المطر” عام ١٩٥٤ مستلهما فيها التراث الأسطورى للعراق بما فى ذلك التراث البابلى والعربي، حيث أصبحت القصيدة والديوان الذى صدرت به والذى يحمل نفس الاسم أهم ما نشر فى الشعر العربى الحر، بل وحجر الزاوية فى بناء مدرسة هذا الشعر… بعد ذلك التاريخ بنصف قرن، وتحديدا فى صيف العام ٢٠١٠، كان صاحبنا المؤلف الموسيقى اللبنانى البارز عبدالله المصرى «عضو رابطة المؤلفين الروس وأحد أقطاب التأليف الموسيقى الأكاديمى العربى المعاصر» يجلس وحيدا فى شقة بمدينة موسكو فى جمهورية روسيا الاتحادية. لقد اجتاح موسكو فى ذلك العام دخان حرائق الغابات المحيطة بها فدفن المدينة فى ضباب ساخن خانق يمنع الرؤية والتنفس، كانت موسكو وأهاليها يتضرعون إلى نقطة مطر واحدة تغسل المدينة “المحروقة”، بعد أن عجز الأهالى عن فتح النوافذ لاستنشاق هواء نقي، وارتفعت درجة حرارة الجو إلى ما يصل إلى الأربعين درجة مئوية.

فى تلك اللحظات تحديدا وضع عبدالله المصرى جملة موسيقية يؤديها البوق الإنجليزى بمصاحبة مجموعة النفخ الخشبية يتبعهم البيانو المنفرد «بصوت رامى خليفة البيانيست المتميّز الذى طالما كتب له عبدالله» والماريمبا فى مدونته الموسيقية للقصيد السيمفونى “أنشودة المطر” على شعر بدر شاكر السياب، بضعة موازير بدت وكأنها تحضير لاستقبال صوت المغنية العذبة أميمة الخليل كما تخيّله عبدالله على ورق المدونة، صدحت أميمة فى مخيلة المؤلف بكلمات بدر شاكر السياب “تثاءب المساء، والغيوم لا تزال.. تسح ما تسح من دموعها الثقال”.. تحرّكت الموسيقى فى خياله وتفاعل النسيج الأوركسترالى الذى تعلّم كتابته المصرى فى نفس تلك المدينة الكئيبة القاسية «الخانقة أيضا» موسكو، المدينة التى شهدت شبابه وحبه وحياته كلها، هاهى اليوم تلتف بذلك الرماد المقبض الحار الكئيب.. يرى عبدالله أن الموسيقى هى الجوهر الحقيقى لحياته، وسيلة اتصاله مع العالم، بل قل مع العوالم الأخرى.. بدت تلك الليلة وكأنها مناجاة للخلاص من ذلك الإحساس المرعب بالكلاوستروفوبيا «الخوف من الأماكن المغلقة» الذى خلقه الرماد والجو الخانق.. لم يجد طريقا سوى الكتابة والكتابة، كتابة الموسيقى .. كما تعوّد أن يفعل دائما لعشر ساعات أو يزيد يوميا، حينما تتملكه هيستيريا الموسيقى والنغمات والأصوات على اختلاف أنسجتها فلا يستطيع الجلوس ساكنا… سافرت عائلته فى زيارة لبطرسبرغ وهو يجلس وحيدا كما يحب أن يكون .. “إن الإبداع وحيد.. متفرد.. محاولة للبحث عن المطلق بداخل النسبي، سماع لصوت الموسيقى بداخلك، ما يناجيك، أو تناجيه.. فالإبداع صلاة”.

كتب الفقرة الموسيقية السابقة فندهته النداهة ليفتح النافذة فإذا بالمطر ينهمر على موسكو بعدما حُرمت منه أسابيع تسببت فى كل تلك الحرائق والرماد.. لحظة تطهّر حقيقية، لحظة تماهٍ بين النسبى والمطلق، بين الجغرافيا والتاريخ.. بين الزمان والمكان.. بين العراق وروسيا ولبنان وعبدالله “المصري”.. بين السياب والمصرى وأميمة الخليل.. بين الموسيقى والشعر والغناء.. بين الموسيقى الكلاسيكية الأكاديمية والحروف العربية .. بين موسكو وبيروت وبغداد والكويت «حيث يعمل عبدالله المصرى أستاذا بكلية التربية الأساسية التابعة لهيئة التعليم التطبيقى بدولة بالكويت» ..

يؤمن عبد الله المصرى المؤلف الموسيقى اللبنانى بالماورائيات، يؤمن بتلك الطاقة الكامنة القادرة على التغلغل «من خلال الموسيقى ربما» إلى الوعى البشرى فتحوّله من حال إلى حال، وتغير تركيبته الكيميائية، وتدفعه إلى البحث عن الخير، عن المعرفة، عن الحقيقة..

الشرق والغرب

يقول عبدالله المصري: لقد كنت محظوظا لدراستى بالاتحاد السوفييتي، فمدرسة التأليف الموسيقى فى موسكو هى من زرع فيّ القدرة على استيعاب العمل الموسيقى كوحدة واحدة، عجينة ممتزجة لا يمكن أن تفصل فيها بين التوزيع الأوركسترالى ومهارات الكونترابنط ومهارات التأليف والهارمونى والموهبة اللحنية. فى النهاية تصل جميع الأشياء إلى نهاياتها وأهدافها بالجرعة المناسبة. إن التعبيريين أمثال ديبوسى ورافيل استقوا بعض أفكارهم وأساليبهم فى التأليف الموسيقى من ريمسكى كورساكوف (١٨٤٤-١٩٠٨)، ما تعلمته فى المدرسة السوفييتية هو الكتابة ببساطة، بمباشرة، بلا سفسطة إذا شئت، لكن فى الوقت نفسه لا بد من البحث عن التفرّد، عن الفكرة، عن الهوية، عن الشخصية.

> هل كان الطريق صعبا؟

-كان النظام فى المعهد التأهيلى للكونسيرفتوار نظاما صارما، كنا ندرس آلة البيانو والقوالب الموسيقية وتاريخ الموسيقى، وكان علينا أن نحفظ كل البرامج دون خطأ واحد، كنا نتعلم “التكنيك” «المهارة» كأفضل ما يكون، تعلّمت فى تلك الفترة دروسا بليغة فى التأليف من أستاذى كونستانتين بتاشوف الذى جاء ذات مرة بإحدى مقطوعات بيوتر تشايكوفسكى (١٨٤٠-١٨٩٣) للأطفال، وكانت المقطوعة فى غاية البساطة، لكن الأستاذ كان يشرح على ذلك المثال كيف تعامل تشايكوفسكى مع النغمات الموسيقية وماذا تعنيه كل نغمة منها وعلاقتها بموضوع المقطوعة. ساعتها أدركت أن لكل نغمة وزن، ولون، وكتلة، واتجاه، وطاقة، أدركت أن الكتابة الموسيقية ما هى إلا جملة من المفردات والأفكار التى ينقّحها المؤلف حتى يصل إلى كل نغمة وكل جملة موسيقية بحيث تكون هى النغمة/الجملة الوحيدة التى يمكن أن توجد فى هذه اللحظة وفى هذا السياق. ليبدو العمل الموسيقى فى نهاية المطاف وكأنه عفوي، صادر فى التو واللحظة.

>وكأنك تؤلف للمرة الأولى؟!

– بالضبط، هذا هو. وكأنك تخلق العالم وتراه للمرة الأولى. إن وظيفة المؤلف الموسيقى هى الاختراع، الابتكار، الخلق.. باستخدام أدوات، من وجهة نظرى أن أصعب ما فى الكتابة الموسيقية حينما تظن للحظة وكأن رأسك قد خلت من الأفكار، فتضع خطا هنا، وكتلة هناك، جملة موسيقية هنا، ونغمة لآلة على المدرج الموسيقى هناك.. وتظل تدور فى فلك تلك الصناعة وذلك الخلق أياما وأسابيع وربما أشهر، حتى تتكوّن الفكرة، الوحيدة، الطازجة، المدهشة التى تجرّك نحوها جرّا، فتبدأ فى الكتابة، فلا تستطيع التوقف لاهثا وراء أفكارك التى تبدو وكأنها تتحرك وحدها على الورق، ليظهر العمل فى النهاية، وكأنه بحق ابنا لك.

> هل تنفعل بأعمالك؟

– هناك لحظة فى القصيد السيمفونى “أنشودة المطر” لم أستطع حبس دموعى فيها، حينما تصدح أميمة خليل بكلمات السياب: “أصيح بالخليج، يا واهب اللؤلؤ، والمحار، والردي! فيرجع الصدى كأنه النشيج: يا خليج يا واهب المحار والردى” قبل دخول الكورال فى ذلك العمل، على الرغم من أننى قد صنعت هذه الألحان وذلك التشابك الأوركسترالى بيدي، إلا أنه يبدو وكأنه عمل مستقل بذاته يخاطبني، فيحرّك بداخلى أشجان انفعلت بها فى وقت سابق، ووضعتها على المدونة الموسيقية، فتبدو لى وكأننى أتعرّف عليها من جديد.

– هل تغويك الأرقام والدلالات والتعامل المجرّد/الرياضى مع التأليف الموسيقي؟

هناك مرض موسيقى حميد اسمه إيجور سترافينسكى (١٨٨٢-١٩٧١)، ظهر مطلع القرن الماضى فغيّر معالم التفكير الموسيقى فى مجال التأليف والسمع على حد سواء، لقد غيّر سترافينسكى من الوعى الموسيقى ومن الجو الموسيقى العام، غيّر من الأبجدية والطيف الموسيقى الذى تعوّدنا عليه جميعا، أصبحت الفكرة عن سترافينسكى (الفكرة المجردة أحيانا وليس بالضرورة الفكرة الموسيقية) هى البطل. فى إبداع بيتهوفن أو شوبيرت أو حتى باخ كانت هناك أفكار موسيقية بسيطة تصنع أعمالا كاملة، لكنها فى النهاية كانت مبنية على أسس موسيقية، أما سترافينسكى فأثبت أن الأفكار المجردة فى الإيقاع أو الهارمونى أو الكونترابنط يمكن أن تصنع نفس التأثير حتى لو بدت للوهلة الأولى غريبة أو نشازا، لا يلبث الإنسان أن يتعود على تلك الغرابة، وينفذ من خلال سطح تلك الغرابة إلى عمق الفكرة الإنسانية. كان ذلك بمثابة تفكيك لعناصر التأليف الموسيقي، وبمثابة فصل للشرق عن الغرب.. فما نراه اليوم فى مدارس التأليف الغربى «الألمانى على سبيل المثال» من سيادة الأفكار التى شطحت بعيدا عن فكرة الموسيقى بالأساس جعل من الموسيقى شيئا أقرب إلى معادلات الرياضة البحتة المغرقة فى النظرية والبعيدة عن قلوب الجماهير والمنغمسة فى الذات. أما فى الشرق «فى روسيا مثلا حيث تعلّمت» فإن شوستاكوفيتش (١٩٠٦-١٩٧٥) أو بروكوفييف (١٨٩١-١٩٥٣) قد خلقا شخصية موسيقية روسية متفرّدة من خلال استخدام كل الأنماط الموسيقية فى العمل الواحد، ليصلوا لهدفهم باستخدام تلك العجينة الممتزجة التى لا يمكن أن تفصل فيها بين التوزيع الأوركسترالى ومهارات الكونترابنط ومهارات التأليف والهارمونى والموهبة اللحنية، ولا يمكن أن تفصل فيها بين استخدامه لنظام “الدوديكافونية” هنا أو “الرياضة المجرّدة” هناك، فى النهاية تصل جميع الأشياء إلى نهاياتها وأهدافها “الحتمية” بالجرعة المناسبة، وكأن الموسيقى تتماهى مع الفنون والثقافة والفلسفة الروسية التى اشتهرت وتشتهر دائما بالقدرية والدراما والمأساوية، وهو ما يؤكد وحدة الفن والثقافة والهوية.. جوهر واحد يضم علاقة كل الأشياء بكل الأشياء.

تعريف الفن

هو كذلك، الفن هو علاقة كل الأشياء بكل الأشياء، والبحث عن وإيجاد تلك العلاقات.

– لكن الموسيقى المنتشرة عندنا فى الشرق الأوسط والعالم العربي، تبتعد مفاهيمها ورؤاها كثيرا عما تحكى عنه، هل اضطررت للتنازل يوما عن أفكارك كى تصل إلى دائرة أوسع، بمعنى آخر هل تؤيد “دمقرطة” الفن والثقافة، بغرض “الانتشار” ربما؟

أبدا لم ولن أفعل، هناك نموذج معيّن تربّيت عليه وتعلّمته فى الاتحاد السوفييتي، ولا أخونه مهما كانت المغريات. هناك موقف موسيقى قد تصل قدسيته إلى قدسية المواقف السياسية والأيديولوجية، هناك اعتبارات وقواعد مهنية كمساحة الصوت «للمغنية» أو علاقة النص الأدبى بالموسيقي، هذا ما يعنينى كمؤلف موسيقي، أما المحددات التى يضعها الذوق الموسيقى العام الغارق فى التلوث السمعى والبصرى «سواء فى العالم العربى وغيره بالمناسبة» فهذه محددات لا ألتفت إليها، المعيار/المسطرة التى أقيس عليها إبداعى هى تصوّرى الشخصى عن الجمال كقيمة، استنادا إلى سنوات من الدراسة والكتابة وممارسة فعل التأليف الموسيقي.

– هل تؤيد مقولة ان “دمقرطة الفنون والثقافة هى طاعون القرن العشرين”؟

بل سرطان القرن العشرين وما تلاه، فبالأمس كان على المؤلف الموسيقي/الكاتب أن ينقّح ما كتب، ثم يعيد قراءته، ثم يمرّ عليه المراجع، ويقرؤه الزملاء والقريبون ثم يمر بآليات رقابة أو معايرة حتى تتم إجازته للطباعة والنشر، وبعد أسابيع وشهور يظهر المطبوع/المدونة/الأسطوانة، طريق طويل يتكلل بعمل اجازته النخبة. الآن أنت تكتب وتنشر وتحصد “لايكات” على موقع اليوتيوب أكثر من عدد النسخ التى طبعتها سيمفونيات بيتهوفن بينما أنت جالس أمام شاشتك فى البيت. أرى أن تأثير تلك “الدمقرطة” قد يؤثر على الذوق العام ومفاهيم الجمال التى اتفقت عليها البشرية على مدار قرون، ذلك أن حظ الجميع من التعليم والمعرفة ليس متساويا ولن يكون، لذلك فإن تلك الدمقرطة بنظرية الأوانى المستطرقة سوف تدفع بالثقافة والفنون إلى الحركة للأسفل أو لذلك الوسط المائع نظرا لسيادة مفاهيم الشعبوية والانتشار والربح المادى السريع.

-هل هناك مشاريع مستقبلية؟

لا أضع خططا للمستقبل فيما يخص التأليف الموسيقي، لقد بدأت الجماهير فى القاهرة وبيروت وقطر ولندن وموسكو تعرف أننى مؤلف بعد تراكم ثلاثين عاما من العمل المتواصل، ما سأستمر فيه هو البحث عن الحقيقة، عن جوهر الموسيقى، جوهر الجمال، سوف أحاول ما استطعت نشر الثقافة السوفييتية/الروسية التى تعلّمتها يوما على يد أبرز الأساتذة وأهمهم على الإطلاق فى أعرق المدارس الموسيقية، وهذا ما أراه من جوهر رسالة الفنان فى نشر القيم والمبادئ وثقافة الجمال.

خاتمة

حينما التقيت عبدالله المصرى منذ أكثر من عشر سنوات، حينما عزفنا «نحن أوركسترا القاهرة السيمفوني» سيمفونيته فى إطار مهرجان لآفاق عربية، المهرجان المختص بالموسيقى الأكاديمية المكتوبة بنمط الكتابة الغربية، لم تغب عن ذهنى ألحانه فى اليوم التالى للحفل، وكأننى أتذكر طعما عذبا بقى فى مخيلتى من موسيقاه وتلك خاصية قال عنها أستاذى الروسى يوما انها تخص من يستطيعون الإمساك بهوية ما.. بشخصية ما..

عبدالله المصرى فنان عربى الهوية والهوى، روسى المعرفة والعشق وربما التفكير تمكّن من خلال مشوار فنى طويل متراكم أن يؤسس لنفسه أسلوبا موسيقيا واضحا يجمع بين المعاصرة والقومية، بين نشأته وتعليمه، بين الشرق والغرب، بين الأمس واليوم.. لسبب واحد بسيط: أنه ينظر للعالم دائما وكأنه يراه للمرة الأولى، ويصنع الموسيقى دائما وكأنه يصنعها للمرة الأولى.