« بشترى راجل» .. خفة ظله أنقذته من تهم خطيرة !   بقلم : مجدى الطيب     تهم كثيرة كانت فى انتظار فيلم «بشترى راجل» (100 دقيقة)؛ ليس أقلها

91111

« بشترى راجل» .. خفة ظله أنقذته من تهم خطيرة !

 

sora-magdy-el-tayb-45

بقلم :

مجدى الطيب

 

 

تهم كثيرة كانت فى انتظار فيلم «بشترى راجل» (100 دقيقة)؛ ليس أقلها إشاعة الفجور والفحشاء، والخروج على قيم وأخلاق المجتمع، لولا معالجته، التى اتسمت بالكثير من الرقة، وخفة الظل، والذكاء، وابتعدت عن الوقوع فى فخ الغلظة والوقاحة والمباشرة، وهى المهمة الصعبة التى اجتازها أصحاب الفيلم بنجاح، والمصير المأساوى الذى أفلتوا منه بأعجوبة !

تدور فكرة فيلم «بشترى راجل» (100 دقيقة) حول امرأة تُدعى «شمس» (نيللى كريم) دقيقة وصارمة، ومُتحققة فى عملها، كمدير مالي، لكنها تعانى بسبب رغبة أمها «نجوى» (ليلى عز العرب) فى تزويجها «زواج صالونات»، ورفضها القاطع للنظرة الذكورية للمجتمع، بعد سلسلة من التجارب العاطفية الفاشلة، التى فقدت معها الثقة فى الرجال، وأوصلتها إلى قناعة تامة بخيانتهم ووحشيتهم وأنانيتهم، وعندما يُنذرها خالها الطبيب «ماجد» (لطفى لبيب) بأن فرصتها فى الإنجاب باتت ضئيلة، وحلم الأمومة يكاد يتلاشى؛ نظرا لاقترابها من سن الأربعين، تُعيد التفكير فى مشروع الزواج، برؤيتها الخاصة، إذ توظف مالها الشخصي، مستخدمة حساب وهمى على موقع التواصل الاجتماعى «فيس بوك»، لإغراء الرجال بالتقدم لها، واختيار الأكبر قدرة منهم على التخصيب، ليكون «زوجا صوريا» لها؛ بمعنى أنها تشترى «الحيوانات المنوية» بأعلى سعر !

فكرة مثيرة للجدل كان يمكن أن تجر الكثير من المشاكل على كاتبة الفيلم إيناس لطفى ومخرجه محمد علي، ومن خلفهما منتجته دينا حرب، لولا الاتفاق الضمنى بين ثلاثى الفيلم على إعطاء الأولوية للرقة قبل القسوة، وألا تتحول الجرأة إلى وقاحة وغلظة، بل ان خفة الظل كان لها مكان كبير فى التجربة، بفضل السيناريو الرائع، والحوار الممتع، والتوازن الدقيق فى كتابة الشخصيات، بما منح كل شخصية ثقلا واضحا، وتأثيرا ملحوظا، يتساوى فى هذا البطلان الرئيسان، وأصحاب الأدوار المساعدة؛ ففى مقابل شخصية «شمس» هناك «بهجت» (محمد ممدوح) الطبيب البيطري، الذى يمتلك مزرعة ورثها عن عائلته، ويعيش لحظات عاطفية حميمة مع رفيقته «سالي» (ليلى عربي) المرشدة السياحية دائمة السفر والترحال، ويواجه أزمة مالية مع البنك الذى يتعامل معه، تجبره على القبول بشروط «شمس»، والإذعان لغطرستها، وغض الطرف عن عنجهيتها ونرجسيتها، وهى شخصية لطيفة لا تخلو من إنسانية، وتلقائية، وحب للحياة، فضلا عن حيوانات مزرعته، ومن ثم كان طبيعيا أن يجد نفسه، ويجتاز أزمته، عندما أصبح طرفا فى علاقة غريبة مع امرأة نالت منها الصدمات !

فيلم عن المسئولية حين تثير رعب الضعفاء.. والحب عندما يتحول إلى سلاح تغيير

لم يختلف الحال كثيرا مع الأم «نجوى» «ليلى عز العرب»، التى ابتعدت عن الشكل التقليدى المُتعارف عليه لشخصية الأم، التى «لا تهش ولا تنش»، وتبكى على حال الأولاد بأكثر مما تُسهم فى تغيير مصائرهم، لكنها هنا صاحبة الشخصية القوية التى نجحت فى تحريك الأحداث، وهو الحال الذى تكرر بدرجة أقل تأثيرا مع «نيفين» «دنيا إجلال ماهر» صديقة البطلة و«طارق» «محمد حاتم» خال البطل، الذى أضفى روحا مرحة على الفيلم؛ سواء من حيث طرافة التناقض بين تكوينه الجسمانى الهزيل، وضخامة تكوين «بهجت»، الذى يناديه «خالو»، أو تكرار أزماته العاطفية مع الفتيات اللائى ينظرن إليه بوصفه «أخا» ليس أكثر !

666777

بالطبع جاءت بعض المواقف الدرامية متوقعة؛ كالمفارقات الناتجة عن إخفاء «شمس» أمر «الاتفاق المنوي» بينها و«بهجت» عن الأم، واختلاف الطباع بين الزوجين، والمشاكل التى نجمت عن هذا، وعن تكتم «بهجت» أمر علاقته وعشيقته «سالي»، التى امتدت زهاء ثلاث سنوات، عن زوجته، وافتضاح أمرهما بعد أن بدأت «شمس» فى الاقتراب من «الزوج الصوري»، وتسللت الغيرة إلى نفسها، والحب إلى قلبها، بعد أن اكتشفت إنسانيته، وجمال فطرته؛ فالأزمات ليست جديدة، وتكاد تكون مستلهمة من أفلام كثيرة سابقة، لكن طزاجة الفكرة، طرافة الحوار، خفة ظل الشخصيات، والتوظيف الرائع لإمكانات الممثلين، أسفر عن مباراة قوية فى الأداء، خصوصا بين نيللى كريم ومحمد ممدوح، وأسبغ على التجربة الكثير من الجدة والجدية، وهو ما يُحسب للمخرج محمد علي، الذى أدار عناصره الفنية بثقة واقتدار؛ فاختيار أماكن جديدة؛ كالمزرعة، قاد الفيلم إلى لغة بصرية أخاذة كان للتصوير «عبد السلام موسى» دور كبير فى إبرازها، والانتقال بسلاسة من مشهد إلى آخر «مونتاج وائل فرج» كان سببا رئيسيا فى التواصل مع الفكرة المثيرة، والتجربة الجديدة،  فالاهتمام بالفيلم الرومانسى الكوميدى لا يشغل بال السينما المصرية كثيرا، رغم التجاوب الجماهيرى الدائم مع هذه النوعية عند تناولها فى الأفلام الأمريكية، واختلف الحال فى الفيلم الذى يتحدث عن المسئولية حين تثير رعب وخوف الضعفاء، والتسامح والغفران كخطوة وحجر أساس فى توطيد العلاقات بين البشر. والأهم أنه فيلم عن الحب عندما يتحول إلى سلاح تغيير فاعل وناجع.