كيف تلتئم.. عن الأمومة وأشباحها إيمان مرسال تكشف كيف شوهت “الأم المثالية” العالم بقلم: ناهد نصر   “تعددت الأسباب التى ترويها جدتى يومًا بعد يوم لتكبر شجرة الذنب،.. كيف فشلت

000777

كيف تلتئم.. عن الأمومة وأشباحها

إيمان مرسال تكشف كيف شوهت “الأم المثالية” العالم

بقلم:

ناهد نصر

 

“تعددت الأسباب التى ترويها جدتى يومًا بعد يوم لتكبر شجرة الذنب،.. كيف فشلت فى حماية ابنتها من الخطف ولماذا يحق لها أن تعيش وتأكل وتشرب وتتنفس وتنام فى سريرها بينما ابنتها وحدها فى وحشة القبر! .. ولقد راعنى أن تصف كاتبة أمريكية رحلة حدادها على ابنتها بأنه شعور لا نهائى بالذنب”.

والجدة هى سيدة عاشت وماتت فى قرية ميت عدلان بمحافظة الدقهلية حزينة على وفاة ابنتها التى رحلت قبلها بعشرين عامًا، أما الكاتبة الأمريكية فرئيسة قسم الدراسات النسوية فى جامعة ماساتشوستس، وما يربط بينهما هو “الشعور بالذنب موحد الأمهات على اختلافهن. الشعور الجوهرى الذى يصلح كتعريف لممارسات الأم فى حياتها اليومية”.
فما منشأ هذا الشعور وكيف يسكن وعى ولا وعى النساء؟ هل تحاول إيمان مرسال تلمس إجابة عن السؤال أم أنها تبحث فى علاجه؟ هى تترك الخيار للقارئ فى كتابها “كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها” الصادر بالتعاون بين مشروع “كيف تـ” للنشر، وجمعية “مفردات للفنون المعاصرة” والذى لا يتجاوز الـ140 صفحة بقطع أشبه بكتيبات الجيب لكنه مكتظ بالأفكار والتساؤلات والتجارب والحقائق المدهشة بأجزائه الأربعة.

%d8%ba%d9%84%d8%a7%d9%81-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af-%d9%84%d8%a5%d9%8a%d9%85%d8%a7%d9%86-%d9%85%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84
وليس هذا عرضًا لمحتوى الكتاب بقدر ما هو محاولة للاشتباك مع بعض ما يطرحه من تساؤلات وأفكار مهمة تلقى حجرًا فى بركة راكدة لا لكى تصنع دوائر تتسع ثم تذوب وإنما لتفجر أمواجًا لم تسلم الكاتبة من التعرض لتلاطمها مدركة أنها ليست وحدها فلا سبيل برأيها إزاء ما تصفه بالعنف والغضب والإحباط داخل الأمومة سوى “أن تسردى تجربتك أو تأنسى إلى السرد الذى يساعدك على إدراك أنك لست وحدك”. فالكاتبة فى معرض بحثها عن إجابات لتساؤلاتها الملحة فى الذات وخارجها فى الشعر والرواية والفوتوغرافيا والتاريخ والجغرافيا والحواديت تحرضـ(هن) على التخفف من أحمال ذنب الأمومة الذى لا يخصهن وحدهن بل كل امرأة على سطح الأرض بداية من حواء.
مع ذلك فالكتاب لا يتوجه للنساء وحدهن، بل هو قراءة مغايرة للسائد فى موضوع قلما أثار الجدل فى عالمنا العربى بالمقدار الذى يثيره موضوع “المرأة” بشكل عام، إذ يركز على مفهوم الأمومة على وجه الخصوص فى علاقته بالمرأة. ما الذى يشكل وعى المرأة بالأمومة وكيف يفتك بها هذا الوعى بالذات، وهل من سبيل للنظر للأمومة خارج إطار المثالية؟ إذ لا يشغل الكاتبة كيف أو من صنع الأمومة النموذج وإنما استعراض آثارها على ضحاياها الذين تتسع رقعتهم لتشمل المجتمع البشرى بأسره.
والكتاب يجمع بين مهارات الأكاديمى والأديب فالكاتبة أستاذ مساعد الأدب العربى ودراسات الشرق الأوسط بجامعة ألبرتا بكندا واحدة من أبرز شعراء جيل التسعينات الذين دمجوا الذاتى بالعام بأسلوب بدا ثوريًا ومتمردًا ومقاومًا لبيئة ثقافية اعتادت مكافحة الصوت المغاير بإصرار. ولا ينفصل الذاتى فى تجربة مرسال عن كونها امرأة يشكل جزءا من وعيها مقاومة الإطار العام الذى دأب على التنميط وضغط التجارب الفردية فى قوالب. خبرة الأكاديمى الذى يبحث فى الظواهر المحيطة بموضوعه من خلال دراسات لحالات بعينها والتأصيل التاريخى والجغرافى لتلك الظواهر تلتقى بخبرة الشاعرة التى تدمج تجربتها الذاتية فى قلب رحلتها البحثية. وهو ما يجعل الكتاب أشبه بمرآة يجد القارئ لنفسه موقعًا فيها، لكنها مرآة مدعومة بأسانيد والكثير من الأسئلة لا مجرد حكاية قد تتماس فى بعض تفاصيلها مع حكايته.

يتولد الذنب فى المسافة بين النظرة المثالية للأمومة المفطورة على التضحية والمحبة غير المشروطة وواقع ممارسة التجربة. فالعلاقة بين الجنين والأم تبدأ بصراع بيولوجى لا يخلو من أنانية وحب الذات والرغبة فى الحياة من خلال الآخر سواء بالاعتماد عليه داخل الرحم وخارجه أو باعتباره امتدادا فى الحياة وبعد الموت وهو ما يولد إحساسًا بالفشل فى الوصول إلى الأمومة المثالية كما تكونت فى الوعى العام، فكأن اختفاءها كفيل بإعادة تشكيل مفهومها تلقائيًا على أسس مختلفة.
وفى إطار بحثها الدقيق تنتصر الكاتبة للخبرة الفردية، فلا تجربة تشبه الأخرى فالشاعرة البولندية أنٌا سوير تدافع عن كينونتها بمقاومة فكرة استخدام وليدتها لها كجسر للعبور، بينما الشاعرة السورية سنية صالح ترتعب من فكرة انفصال ابنتها عنها ليس خوفًا عليها من خبرتها مع العالم المتوحش فحسب وإنما خشية فقد كينونتها ذاتها التى اكتسبتها بالأمومة بعد فقدانها بوفاة والدتها. وتدين الكاتبة الحركات النسوية الغربية لتعاطيها مع الأمومة بأسلوب لا يقل تنميطًا “أحد مآزق النسوية الغربية يكمن فى تصورها أن الحديث عن خصوصية الأمومة يناقض الدعوة المتماسكة للمساواة بين المرأة والرجل”. ولا تتبنى الكاتبة التى قضت نصف حياتها فى الغرب نموذجًا على حساب غيره، إذ تبدو خبرة الأمومة فى معاناتها مع مختلف أشكال الصراع البيولوجى والاجتماعى والثقافى خبرة عالمية لا تقلل الحداثة من فداحة فشل أساليب التعامل معها، ففى حين تموت ملايين النساء فيما يعرف بالعالم الثالث من الإهمال والجهل تتسبب غزارة المعرفة فى إصابة النساء بالقلق والرعب فى العالم المتقدم، وهى حقيقة لا تساوى الانتصار للجهل وإنما تبرز أن ثمة قصورا عالميا فى التعاطى مع تجربة الأمومة، فجدتها الأم التى قتلها الذنب بالتدريج طوال عشرين عامًا ليست أكثر معاناة من الأستاذة الجامعية الأمريكية التى فقدت ابنتها.
تبرز الكاتبة بشكل عصى على التجاهل ما تعتمل به نفوس النساء/ الأمهات فتحرضك على إعادة النظر فى مفهومك عن “الأم” فى كل السياقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. إنها تحاول البحث فى حقيقة الأمومة تأكيد أنه لا حقيقة واحدة وثابتة تحكمها. وهى تعرج على المنشأ الأول لتلك المعاناة فى النص الدينى “تكثيرًا أكثر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولادًا، وإلى رجلك يكون اشتياقك، وهو يسود عليك” سفر التكوين 3:16 حيث عقاب المرأة مضاعف بالأمومة “عوقب آدم بأن يشقى فى الأرض وهو عقاب قد نرى من موقعنا فى العالم الحديث أنه ليس خاصًا بالرجل بل بالبشر جميعًا رجالًا ونساء. لكن عقاب حواء يخصها وحدها ولا يشاركها فيه رجل وهو آلام الولادة”.

61111
فى الجزء الثانى “الأمومة والفوتوغرافيا” تتعرض مرسال لفكرة مشوقة عن العنف الذى يمارس تاريخيًا ضد الأمهات مستخدمة وسيط الصورة الفوتوغرافية، فهى لا تتعرف على أمها فى الصورة الوحيدة التى جمعتهما قبل وفاتها بأسابيع داخل استوديو “لم أشعر قط أن المرأة فى هذه الصورة أمي. ربما نظرتها المتوترة أمام العدسة كأنها تركت مملكتها فى البيت وتقف الآن بلا سلطة” وكأنها اختفت خلف القناع الذى تلجأ له النساء تجاوبًا مع العالم خارج البيت. غياب الأم حاضر أيضًا فى البوم الصور العائلى لصديقتيها حيث تم نزع الأم عمدًا عقابًا على فعل الخيانة أو ندمًا على خطيئة الكشف بعد الحجاب. وتورد الكاتبة أمثلة عن الإخفاء العمدى للأم منذ بداية تاريخ التصوير، وعن استخدام صورة الأم كأداة إما كأيقونة للتأثير كما فى صور الكوارث، أو لتأثير عكسى ينفر من مخالفة النموذج. لكن أمهاتنا الحقيقيات حتى لو ظهرن فى الصور تترجمن فى أذهاننا لا على طريقة النموذج، وإنما من خلال خبراتنا نحن بهن. فالكاتبة تتعرف على أمها من خلال صورة لطائر فى قطعة كانفاه كانت تحيكها. أى أننا نحمل فى داخلنا نفس المسافة بين الحقيقة والتصور العام تجاه أمهاتنا وكأن المسافة التى تولد الذنب لدى الأمهات تولد شعورًا شبيهًا لدى الأبناء. ربما لولا النموذج المثالى المصطنع لكنا أكثر تسامحًا مع الاختلاف، مع فردية الحكاية، ومع أمهاتنا. وكأن شرور العالم مصدرها تلك الصورة النمطية الكبيرة التى لو تخلصنا منها صرنا أكثر قبولًا للآخر.
وعلى ما يحتويه الجزئين التاليين “يوميات” و”كيف تمشى فى طريق الحداد” من تكثيف يبرز براعة وشفافية مرسال الشاعرة فى سرد سيرة أمومتها من الواقع والخيال والأحلام أحيانًا فإن أكثر التفاصيل الملفتة هى تلك التى تحكى فيها عن كيف وجدت نفسها تلجأ بقميص ابنها الذى يعانى “وطأة الفراشات” إلى شيخ فى إمبابة لعله ينقذها وينقذه تقول “أن تكونى أمًا يعنى أن تؤمنى بقوة عليا أو تكونى أنت نفسك آلهه. ليس هناك مكان وسط”.
فليس هناك مكان وسط بين تمثال المرمر الذى صنعه العالم والتاريخ والجغرافيا للأمومة، وبين خبرة الأمومة كما تعيشها النساء، وسواء قامت الكاتبة بتلك الزيارة بالفعل أم كانت محض حلم فإنها أشبه برسالة صادمة مفداها أن العالم غير عادل فى تصوراته عن الأمومة. وأنه بحداثته وعلومه وأديانه وفلسفاته وقوانينه لا يفهم الأمومة. بينما هذا الفهم بالذات لا يصب فى صالح الأم/ المرأة وحدها بل هو وسيلة لإعادة النظر فى العلاقات البشرية. فالحفر داخل الخبرات المختلفة للأمهات حسب الكاتبة “يمكن أن يغير وعى المرأة والرجل معًا”. إنها أشبه بدعوة لإعادة النظر فى الجذور الحقيقية للتشوه الذى أصاب العالم منذ اللحظة التى تكرست فيها صورة الأم المثالية.

6000