الموسيقار محمد صالح يكتُب.. هل يعادي شيخ الأزهر الفن؟!     فى حديثه مع الإعلامى محمد سعيد محفوظ وعبر فيديو نشره الحساب الرسمى للأزهر الشريف، صرّح فضيلة شيخ الأزهر الإمام

999

الموسيقار محمد صالح يكتُب.. هل يعادي شيخ الأزهر الفن؟!

 

 

فى حديثه مع الإعلامى محمد سعيد محفوظ وعبر فيديو نشره الحساب الرسمى للأزهر الشريف، صرّح فضيلة شيخ الأزهر الإمام الدكتور أحمد الطيب بأن الفن «يؤثر سلبا على الشباب بنسبة تصل إلى ٩٠٪، لأنه يجعل الشباب غير جاد فى التعامل مع الحقائق».
هكذا بلا زيادة أو نقصان، يخرج علينا رأس الأزهر الشريف رمز «الإسلام الوسطى الجميل» ونبراس «تجديد الخطاب الديني» ليقول لنا إن الفن .. لاحظ «الفن» جملةً، بكل فروعه وأطيافه ومستوياته ومدارسه يدفع بشبابنا نحو الهاوية، ويوردهم موارد التهلكة. ذات الأزهر الذى يرفض «استنادا لقواعده الفقهية» تكفير تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم داعش، لمجرد أنهما يحملان العلامة التجارية «الإسلام»، يعلن بكل أريحية أن الفن لا يدفع الشباب إلى الجدية، بل يدفعهم إلى العبث واللهو والمجون، بديلا «كما يبدو لنا من الخارج!» عن الجديّة التى ربما يرى أنها تتمثل فى التكفير والتطرف والإرهاب وقطع الرءوس وبقر الأبطان وقضم الأعضاء والتمثيل بالجثث وتدمير الثقافة والمعمار الإنساني.. هل يعقل أن يكون هذا ما نرومه من «تجديد للخطاب الديني»؟
الفن

1
إن الفن يا مولانا فضيلة الشيخ الجليل هو علاقة كل الأشياء بكل الأشياء، الفن هو إعجاز القرآن فى بديع خلقه وميزانه وحكمته وكلماته وموسيقاه، الفن هو الجمال متجسدا فى صوت الطائر المغرد وحفيف الشجر وزرقة السماء وخضرة الزرع وخرير المياه، الفن هو الله متجسدا فى الإنسان، بل هو دليل الوجود الذى يؤكّد انتقال الكلمة والفكرة واللون والنغمة والحركة عبر التاريخ والجغرافيا لتمسّ شغائف القلوب فى مكان آخر وزمن آخر، هو ذلك الخيط الخفيّ الذى يربطنا بالإلياذة والكوميديا الإلهية وشكسبير وديستويفسكى وباخ وبيتهوفن وريمبراندت وماتيس حتى دون أن تربطنا بهم لغة، الفن هو الحب الإلهى متجسّدا فى تجويد القرآن وحركة الدراويش وألوان الزخرفة الإسلامية، الفن هو كل نفس يدخل ويخرج إلى أجسادنا فى إيقاع منتظم ليؤكّد لنا فى كل لحظة أن الإنسان فى حد ذاته وطبيعة تكوينه موسيقى، وشكل، ولون، وخط، وكتلة، وعمل فنيّ بديع معجز من خلق الله عز وجل، الفن هو الجسد الإنسانى بمنحنياته وتعرّجاته وملامح وجهه وملمس شعره وروعة كتلته وألوانه وخطوطه، الفن هو الروح الإنسانية التى تبقى لتؤثر فينا حتى بعد فناء الجسد، هو الفكرة التى أتينا بها إلى العالم، وهو أقصر طريق لنقل تلك الفكرة من خلال المشاعر والأحاسيس، الفن ضرورة وأساس وليس رفاهية أو لهوا كى نتحدث عنه بهذا القدر من البساطة والسطحية و«عفوا سيدي!» السذاجة.. الفن عماد الشخصية السوية وجزء لا يتجزأ من هيكل الإنسان السليم المتّزن.
الفن والملوك والكهنة
أقول إن الفن هو كلمة الله على الأرض، إذا شئت فهو التجسّد المادى بالحرف والكلمة والشكل والصورة والصوت والحركة لفكرة المطلق، الفكرة الخالدة بعد فناء الجسد، ذلك المزيج المدهش بين الروحانى المتسامى والمادى المغرق فى سذاجته وحتى غبائه أحيانا، تلك العجينة الإلهية التى تقف سرمدية شاهدة على عظمة الإبداع الربانى فى الإنسان، خليفة الله على الأرض. الفن هو روح المطلق التى تتجسد دائما فى صور مادية محدودة، متشابهة الوظائف، مختلفة الهيئة تظهر بلونها الخاص فى كل بيئة، برؤية خاصة لهذا العالم، وتتمكن من عبور الزمان والمكان، معلنة عن الواحد الأحد الأزلى الكامل الموجود العارف، وكأنها ذراع المعرفة الحنون التى ترطب من قسوة وجفاف المعرفة والعلوم، وتنقل للإنسان البسيط كلمة الله، المعرفة، الحقيقة التى يتوق إليها الإنسان بفطرته.
لكن الملوك والكهنة غالبا ما لا تروقهم تلك الأرض الواسعة الممتدة، المزروعة بالقدرة على الوصول إلى المطلق دون وسيط، فصاحب السلطة لا يروقه أن يشاركه أحد فى السلطة، والكاهن يشرح وينظّر ويفنّد استنادا إلى معرفته التى يحوزها، ويمنعها عن العوام، فيرسم قواعد السلطة ومراتبها، ويقنّن الأنصبة، ويمنح ويمنع باس السلطة الواحدة المطلقة، التى يدّعى زورا وبهتانا أنه ظلّها على الأرض. بينما يتّصل الفنان بذلك الحبل السُرّى العضوى فى اتصاله بالحق، ذلك القبس الإلهي، والموهبة التى يمنحها الله للبعض، تلك البساطة والتجانس مع الطبيعة ومع الإنسان، نبت الله البار فى أرضه الخصبة، تلك الشرارة التى تنتقل فى سلاسة ويسر من عبد الله الذى يمنحه الرب ملكة التعبير إلى عبيد الله ممن يتوقون إلى بارئهم، ويبحثون عن معنى لوجودهم، فيرون الحق فى الرقصة والأغنية والقصيدة واللوحة، دون ساتر أو حاجز، ويفهمون حديث الآلهة دون مفسّر، فيصدّقون الفنان قبل الكاهن، ولتصبح حاجة الإنسان للفن ملحّة إلحاح الماء والغذاء، فحاجة الإنسان للفن هى حاجته للبحث عن معنى الوجود، وحاجته لمعرفة الحقيقة، ورغبته فى رؤية المطلق متجسدا، بعدما عجز الكهنة بكل قدراتهم فى استخدام السلطة والقمع والعنف والترهيب والترغيب عن دفع الإنسان دفعا إلى حظيرة الرب، لذلك كان منطقيا أن نرى الكهنة يمنعون الفن، لكنهم ربما يستخدمونه مقننا محدودا فى إطار سلطتهم، وتحت إشرافهم، فيتشكّل الفنان ويتلّون بلون البيئة «الدينية» التى ظهر فيها، فيهرب من سلطتها أحيانا، ويمالؤها أحيانا أخرى، ويجالسها أحيانا ثالثة، ويكتوى بسعير غضبها أحيانا رابعة، ولكنه «الإنسان» وعلى الرغم من ذلك لم يتوقف عن ممارسة الفن يوما.. فى شتى قوالبه، وبكل أشكاله.
من هنا يصبح الفن ممنوعا، محرما، يحض على «الفسق»و«الفجور» و«العصيان»، لأنه بوابة «الشيطان» إلى النفس الإنسانية، ويصبح من المنطقى أن نجد مؤسسات دينية على اختلاف الأديان تعبّد طريقا «فنيا» إلى الله يمر عبر قنوات «شرعية»، بينما تعتبر مؤسسات دينية أخرى الفن وكرا خبيثا يدفع بالإنسان المؤمن إلى الهلاك، ويؤثر سلبيا على الشباب بنسبة ٩٠٪ لأنه يمنعهم عن التعامل مع الحقائق «بجدية»!!! فالكهنة لا يريدون طريقا إلى الله سوى من خلال مؤسستهم، ويتسابقون مع الفنانين أمام الملوك فى بسط سلطتهم على العامة، والملوك يتجهون إليهم تارة، وإلى الفنانين تارة أخرى فى بسط سلطانهم على البسطاء.

9997777
«إن بعض الظن إثم»
ربما ما أراده فضيلة شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب فعلا، وأتمنى أن أكون محقّا فى ظنّي، أن ما يذهب عقل الشباب ويدفعهم إلى الإنحراف والهاوية هو ظواهر خبيثة فى الفن «لكنها على كل حال لا تخلو من فن ما!» مثل «موسيقى المهرجانات» أو بعض الأفلام الهابطة فى إطار ظاهرة «سينما السبكي» مثلا، ما دفعه إلى أن يهاجم الفن عامة متمثلا فى تلك الظواهر، تماما كما يفعل مرضى الإسلاموفوبيا فى الغرب حينما يهاجمون الإسلام عامة ظنا منهم أن داعش والقاعدة والإخوان والسلفية الجهادية والوهابية هى الإسلام.
إن التعقيد فى المشاعر الإنسانية نتيجة لتراكمات ثقافية ومعرفية تجعل من عمليات التفكير، والتعلّم، والاستنباط، والتفكيك متعة عقلية تتشابك مع المتع الحسية فتضاعف حالة النشوة، أو تكسوها بأطياف وجدانية مختلفة عن النشوة الحسية المجردة التى تعتمد على الغريزة الحيوانية، وبينما تحرك إنسان ما بعد عصر النهضة نحو التعقيد، تدفع الحداثة والعولمة وما تبعهما من دمقرطة الثقافة، وحالة الأوانى المستطرقة المؤدية لشعبوية الفنون، تدفع نحو سيادة الذوق العام جنبا إلى جنب مع الديمقراطية بمعناها السياسي. أضف إلى ذلك التوسع الهائل بمعدلات مرعبة فى اختراق شبكة الإنترنت لمجتمعات كثيرة، بما يعنيه ذلك من نفاذ لمفردات ثقافية جديدة لم نكن نعرفها من قبل، وما يتبعه ذلك من كسر كثير من التابوهات التى ينزع الإنسان بطبيعته الحرة لكسرها.. لقد أدّى ذلك كله إلى انتشار مريع للمواقع الإباحية، واتساع شبكة مستخدميها خاصة فى الشرق الأوسط، ليعبّر ذلك عن احتياج حقيقى وواضح لهذا النوع تحديدا من «الفنون» السينمائية المعتمدة بشكل أساسى على الغريزة الجنسية وحدها دون أى مواربات أو مواءمات فنية. ففنون النحت الإغريقى المعتمدة على جمال الجسد العاري، لا تندرج بطبيعة الحال تحت تلك الفنون، بل هى فنون رفيعة بكل المقاييس، تبرز جمال الإنسان جسدا وروحا.. الإنسان الذى اصطفاه الله من العالمين خليفة فى الأرض، بينما تتجه تلك «الفنون» فى اعتمادها على استهداف الجزء الأسفل من الجسد «الغرائز والمتع الحسية»، بدلا من استهداف الجزء الأعلى من الجسد «العقل والوجدان والخيال»، وحينما نعود بذاكرتنا إلى الأفلام المصرية القديمة نجد أنها تنتمى للفنون التى تميل إلى استهداف الجزء الأعلى من الجسم، ثم تحركت شيئا فشيئا نحو استهداف أجزاء أسفل فى السبعينات وظهور الأفلام التجارية، والمسرح التجارى الذى كان «وما زال!» يستهدف الأشقاء العرب «ممن يأتى إلى الشقيقة الكبرى مصر بغرض السياحة «الجنسية» أو السياحة بمعناها الاستهلاكى المسطح» بما يعنيه ذلك من «مقبلات» وإيحاءات جنسية، فى تلك الفترة تحديدا ظهرت أفلام كثيرة تستهدف الربح التجاري، فكان الطريق الأسهل هو التحرك نحو الأسفل، سواء باستخدام الجنس أو الكوميديا أو كليهما. ربما يكون ذلك ما يثير حفيظة شيخنا الجليل .. ذلك الكم الهائل من الجنس والبلطجة فيما يسمى بـ «خلطة السبكي»، خلطة «الفاست فود» «مطاعم الأكل السريع» التى تنتشر كالنار فى هشيم الجسد المصرى المتهالك الذى يحاول التعافى من آثار عقود من الدمار الثقافى والأخلاقى والقيمي.

5
وعلى الرغم من كل هذا، فإن ذلك لا يمكن أن يكون مسوّغا لتعميم الحديث عن الفن جملة، فالفن أنواع وألوان وأطياف ومشارب، فالفن «بما فى ذلك فن السبكى بالمناسبة» يحمل ثقافة وفكرا ما، يتعيّن علينا مواجهتها بثقافة وفن مضادين، لا أن نغلق ما نظنه أنه «باب الخبائث» ونحن عاجزون عن إغلاقه لا لأنه عصيّ على الغلق، وإنما لأنه ليس بابا بالأساس، بل هو عالم يتعذر على أى مخلوق فى عالمنا اليوم أن يتحصّن منه داخل أسوار منيعة، يتعذّر على أى شخص اليوم «حتى أعتى الطغاة.. اللهم إلا فى كوريا الشمالية، وربما إيران!» أن يغلق السماء ويقطع الاتصالات التى تأتى بالجيد والردىء معا، وبالطيب والخبيث معا فى عبوة واحدة، بل إن الحصانة من الخبث والرداءة والقبح إنما تكون بثقافة مضادة، وفن مضاد، وتعليم مضاد يعلى من شأن العقل لا من شأن النقل، ويعلى من شأن المتعة العقلية فى الموسيقى والرياضيات والفيزياء والكيمياء وسائر العلوم، تعليم وثقافة وفن تتقدس فيهم قيم العمل ودوره فى المجتمع، ويعزّزون فى النشء قيم الفضيلة والأخلاق الحميدة والوطنية الحقيقية التى تحوّلت مؤخرا إلى «إفيه» من فرط استهلاكها وابتذالها من قبل الإعلام التعبوى الرخيص، إن هذا يا فضيلة الشيخ الجليل هو ما نفهمه من الدستور الذى صادق عليه أغلبية الشعب المصرى بإرادته الحرة، الشعب المصرى الذى يحب الحياة، ويحب العمل، ويحب الثقافة، ويحب الفنون لأنها الجسور التى سوف يعبر عليها نحو المستقبل.
4
110720224749