“فرانك سيناترا عنده برد”.. قصة صحفية بنكهة الأفلام السينمائية   بقلم: مريم سليمان   “لقد فعلت ما كان يجب عليّ فعله.. لقد واجهت كل ذلك ووقفت شامخا.. وفعلتها بطريقتى.. لقد

0007

“فرانك سيناترا عنده برد”.. قصة صحفية بنكهة الأفلام السينمائية

 

بقلم:

مريم سليمان

 

“لقد فعلت ما كان يجب عليّ فعله.. لقد واجهت كل ذلك ووقفت شامخا.. وفعلتها بطريقتى..

لقد أحببت.. ضحكت.. وبكيت.. وأخذت كفايتي.. ونصيبى من الخسارة.. والآن بينما تنهمر الدموع أجد كل هذا شيئا مسليا “ هكذا يغنى فرانك سيناترا (1915 – 1998) – فى أغنية “بطريقتي” أو -My way

تلك الكلمات التى تحفزنا بشكل تلقائى للتساؤل: وكيف كان هذا؟ لماذا فعلت ما فعلته؟ وهل تعتقد حقا أن هذا هو ما كان يجب فعله؟ إذ أننا هنا أمام شخص حقيقى ومشاعر حقيقية، حيث “لم تعد القضية أية أغنية سيغنيها، أو من كتب كلماتها، فهى جميعا كلماته، مشاعره، فصول من قصة غنائية لحياته” كما يقول جاى تاليز فى قصته الصحفية “فرانك سيناترا عنده برد” والتى اقترب فيها من عالم سيناترا دون أن يتحدث مع سيناترا نفسه إذ لم يُسمح له بمقابلته.

يبدو “جاى تاليز” فى هذه القصة وهو يدور حول سيناترا كالمصور الذى يلتقط الصور للحظات ثمينة لن تتكرر، وكمخرج الأفلام الذى يركز على مشاهد بعينها يعلم أنها تقول كل شيء دون أن تقول شيئا.

فى حوار لتاليز لمجلة باريس ريفيو قال: “أنا متأكد أن سيناترا كان يعرف بوجودي، ويعرف من أنا، لكنه لم يتحدث معى، وأنا لم أطلب أى شيء. فقط كنت أتحاور مع الكثير ممن يمكن أن نسميهم شخصيات ثانوية.

وحين عدت أخيرا إلى نيويورك، قابلت «جيلى ريزو» مالك “صالون جيلي” وهو من الشخصيات المقربة لسيناترا، وقد قادنى لرؤية والديّ سيناترا فى نيوجيرسي، وقد كانت فرصة عظيمة بالنسبة لي، فوالدة سيناترا امرأة لطيفة، وقد تحدثت معى حول علاقة سيناترا بآفا جاردنر.

بإمكانى الاعتقاد بأن سيناترا قال لوالدته ان بإمكانها أن تتحدث معي، وإلا لما وافقت على مقابلتي. يمكننى أن أقول ان سيناترا وأنا كنا نتعاون سويا بشكل غير مباشر، فأنا لم ألح فى طلب مقابلة، وهو لم يقل لا تكتب عني، كان الأمر أشبه برقصة صغيرة مرحة.

المترجم إيهاب عبد الحميد

المترجم إيهاب عبد الحميد

كانت مجلة “إسكواير” الأمريكية قد كلفت تاليز بكتابة ست قصص صحفية على مدار عام كامل، كان من بينها القصة التى بين أيدينا والتى نشرت للمرة الأولى عام 1966وأصبحت رائدة لنوع من الأعمال الأدبية غير الخيالية، والذى سمى لاحقا ب “الصحافة الجديدة”.

وتم اختيارها فى الذكرى السبعين لتأسيس المجلة كأفضل قصة نشرتها المجلة فى تاريخها، وقد نقلها إلى العربية المترجم والكاتب إيهاب عبد الحميد، وصدرت الترجمة عن البرنامج المصرى لتطوير الإعلام.

تبدأ أحداث القصة – والتى تبدو تماما كرواية قصيرة- بإلقاء الضوء على المزاج الغاضب الذى يعانيه سيناترا بسبب العرض المرتقب لفيلم وثائقى عن حياته قيل إنه يتعرض لخصوصياته، ويلمّح إلى صداقته المحتملة بزعماء مافيا؛ بالإضافة إلى قلقه من ظهوره المرتقب فى برنامج تليفزيونى حيث سيكون عليه أن يغنى ثمان عشرة أغنية بصوته المحتقن فاقد الثقة جرّاء إصابته بنزلة برد، وقد وصف تاليز نزلة البرد هذه بمهارة كبيرة، حتى أن مذيع أحد البرامج التليفزيونية التى استضافته للحديث عن الكتاب حرص على قراءة الفقرة كاملة، وحتى قبل أن يوجه أية أسئلة إلى تاليز: “كان سيناترا مريضا. كان ضحية مرض شائع لدرجة أن السواد الأعظم من الناس لا يعيرونه أدنى اهتمام، لكن عندما يتعلق الأمر بسيناترا فإن تلك الوعكة يمكن أن تغرقه فى بئر من الآلام، فى بحر من الكآبة العميقة، أن تجعله مذعورا، بل وغاضبا.

كان فرانك سيناترا مصابا بنزلة برد.. إن سيناترا المصاب بالبرد يمكن أن يرسل ذبذبات تربك صناعة الموسيقى والسينما والاستعراض وما وراءها من صناعات، تماما كما يمكن لوعكة مفاجئة أصابت رئيس الولايات

المتحدة أن تهز الاقتصاد القومى بأكمله”.

ولعل التفاصيل الدقيقة التى نسجها تاليز بجمالية عالية، هى أكثر ما يميز هذه القصة الرائدة، حتى أننا نشعر أنه لم يغفل أى شيء، برغم أن القصة لم تتعد خمس عشرة ألف كلمة، فقد تحدث عن كل شيء تقريبا، حتى مسألة الشهرة، والتى يعد الحديث عنها عموما من الكليشيهات المحفوظة عن ظهر قلب، إلا أن هذا لم يمنعه من ذكرها، كما لم يمنع ذلك لارى كينغ من الحديث عنها مع سيناترا فى برنامجه الشهير.

0888

لكن الأهم من كل شيء هو تحليله العميق لشخصية سيناترا، الذى “يخرج أفضل ما فى الناس وأسوأ ما فيهم”، “ذلك الرجل الذى ليس من الفطنة أن تحاول توقع ردود أفعاله، فهو رجل غير متوقع بالمرة، متقلب المزاج، ومتعدد الأبعاد، رجل يتصرف من واقع اللحظة وبدافع الغريزة، يتصرف فجأة، وبشكل درامي، ولا يستطيع أحد أن يتوقع ما يحدث بعد ذلك”.

كنت قد أمسكت بالقلم كعادتى أثناء قراءة الكتاب، لوضع الخطوط أسفل السطور الهامة، لكنى لم أستخدمه كثيرا، فالكتاب ليس من النوع الذى تعود إليه لتقرأ بضع فقرات، وذلك لأنه ينتمى لتلك الكتابات التى تحدث بعد الكثير من البحث ثم يتم إنجازها فى دفقة واحدة سهلة.. مكثفة وممتعة، ذلك النوع من الكتب

الذى يُقرأ بنهم وفى جلسة واحدة تقريبا، وإما أنك ستعود لقراءته بأكمله مجددا فى وقت لاحق، أو أنك لن تقرأه ثانية أبدا مكتفيا بالمشاهد التى علقت فى ذهنك أثناء القراءة الأولي، تلك المشاهد المرسومة بعناية بالغة بما يكفى لتشعر أنك لم تقرأ قصة صحفية، بل شاهدت فيلما سينمائيا من كلاسيكيات السينما العالمية،

فيلما يحكى ببراعة عن شخصية سيناترا، قاموسه الخاص، زيجاته، أبنائه، والديه، أصدقائه، أعدائه، قصة كفاحه، أماكنه المفضلة، أغنياته الخالدة..فيلما من تلك الأفلام الملهمة التى تدفعك لتتعمق أكثر فى حلمك الخاص حتى تراه “بالجلاء الذى رأى به سيناترا حلمه”.

ربما يكمن السر فى نجاح تاليز أنه رسم بعض المشاهد بموهبته الفريدة، ثم ذهب فى طريقه، وربما لأجل هذا ثارت كل هذه الضجة حول الكتاب، وربما لأجل هذا حقق كل ذلك النجاح، فقد ترك القراء فى تعطش للمزيد.. للمزيد من سيناترا وعالمه.. للمزيد من الفن والإبداع.. وللمزيد من الكتابة الجميلة.