شبرا .. إسكندرية صغيرة فى القاهرة   بقلم: نجاة علي   لا يدرك جيدا خصوصية الحى المصرى الشهير “شبرا”  إلا من عاش أو مرّ به، ذلك الحى الذى يحلو لكثيرين

0007777

شبرا .. إسكندرية صغيرة فى القاهرة

 

بقلم:

نجاة علي

 

لا يدرك جيدا خصوصية الحى المصرى الشهير “شبرا”  إلا من عاش أو مرّ به، ذلك الحى الذى يحلو لكثيرين تشبيهه بـ”الحى اللاتيني” فى باريس، ولطالما وُصِف كذلك بأنه حى “كوزمبوليتان”، إذ يبدو أقرب فى طبيعة تكوينه إلى مدينة “الإسكندرية” التى تعايش على أرضها العديد من المهاجرين من جنسيات وديانات متعددة، وهو ما جعل منهما معا -أعنى شبرا والإسكندرية- فضاء واسعا للتسامح الإنساني.

يمكننا أن نرى أيضا فى حى “شبرا” مثالا واضحا للعبقرية الجغرافية والإنسانية، ذلك المكان الذى مر به المفكر الاستراتيجى الكبير جمال حمدان الذى قضى تعليمه الثانوى فيه بمدرسة التوفيقية. وعاش به عدد كبير جدا من مشاهير الفن والأدب. منهم على سبيل المثال: الشاعران إبراهيم ناجى وصلاح جاهين، والفنانتان نجاة الصغيرة وسعاد حسنى، والمطربة العالمية داليدا، والملحن بليغ حمدى ونجوم السينما: استيفان روستى ومارى منيب، والمخرج خيرى بشارة وآخرون كثر.

وفى كتابه المهم “شبرا :إسكندرية صغيرة فى القاهرة” يأخذ المؤرخ محمد عفيفى على عاتقه التأريخ لحى شبرا، كاشفا من خلال الفصول الممتعة للكتاب عن الوجوه المتعددة لذلك الحي،الذى عُرِف بأنه “ حى المهاجرين من شرق البحر المتوسط،وأيضًا حى المهاجرين المصريين من الريف إلى العاصمة المصرية».

وقد مزج المؤرخ محمد عفيفى فى سرده بين التأريخ لذلك الحى وبين سيرته الذاتية، بوصفه أحد المنتمين لحى شبرا، ممن ولدوا به وتفتحت عيونهم على تلك التحولات التى أصابته، والتى كانت أشبه بمرآة عكست ما جرى بمصر كلها خلال العقود الماضية.

وقد استعان الكاتب فى سرده أيضا بجانب المراجع والحكايات بشهادة عدد من الكتّاب والسينمائيين ممن انتموا إلى ذلك الحي، والتى تكشف فى جانب منها أيضا عن الدور المهم الذى لعبه حى شبرا فى الحراك السياسى المصرى خلال العقود الماضية.

يشير الكاتب إلى أن النشأة الحقيقية لشبرا بدأت مع الدولة الحديثة بمصر مع عهد محمد عليّ، حيث شرع الأخير فى بناء قصره الشهير فى قرية شبرا الخيمة، وبالتالى عمد إلى شق طريق شارع شبرا ليربط بين قصره والقاهرة، وهو ما يفسر لنا كون أن “شارع شبرا” من أطول شوارع القاهرة وأكثرها استقامة.ربما لانه شق بإرادة من محمد عليّ نفسه، وتم زراعة أشجار اللبخ والجميز على طول الطريق. ليبدأ العصر الملكى لشبرا، حيث ستصبح “شبرا “موطن القصور الريفية للأسرة العلوية.

شبرا.. قديما

شبرا.. قديما

شبرا وعالم البحر المتوسط

فى أحد فصول الكتاب المهمة، يرصد المؤرخ محمد عفيفى عالمية “شبرا” فى الأدب المصري، ويتوقف أمام عدد من الروايات التى تناولت هذه الظاهرة منها رواية الروائى فتحى غانم”بنت من شبرا”ورواية نعيم صبري:” شبرا” وهى رواية ترصد ظاهرة هجرة الأجانب من شبرا، ومن مصر بشكل عام فى فترة الخمسينات من القرن الماضي.

ويروى محمد عفيفى كذلك أطرافًا من سيرة الفنانة العالمية داليدا “ابنة“ حى شبرا، حيث احتلت الجالية الإيطالية فى مصر فى النصف الثانى من القرن العشرين،المرتبة الثانية بعد الجالية اليونانية، من حيث التعداد ومن حيث التأثير الاجتماعى والثقافي. وقد ولدت “داليدا”بحى شبرا من أبوين إيطاليّ الأصل، مولدين أيضا فى القاهرة. وليس هناك أدل على انخراط داليدا فى الحياة المصرية من تقدمها لمسابقة جمال مصر، حيث تم اختيارها بالفعل ملكة لجمال مصر فى عام، 1954 ودون أن يحتج أحد على ذلك الاختيار. وظلت كذلك “داليدا”- كما عرف من سيرتها الذاتية -على عشقها لمصر ولحيِّها “شبرا” الذى ولدت به حتى بعد أن وصلت لشهرة عالمية،وأقامت خارج مصر.

تنظيم سرى وجبهة الأحرار الديمقراطيين فى شبرا

فى الفترة التى صاحبت الحرب العالمية الثانية، ظهر جيل جديد يسعى نحو فكر مغاير يواكب التغيرات العالمية الصاخبة, وكان ذلك عبر مجموعة من الشباب تجمعت حول القيادي”عصام الدين جلال” وأطلقت على نفسها مجموعة:”جبهة الأحرار الديمقراطيين”، واتخذت من سكن “عصام الدين جلال” بشارع شبرا مقرا للاجتماعات.ولم تكتف الجبهة باللقاءات والنقاشات بين أفراد المجموعة، وكان معظمهم طلاب جامعيين، ولكن تم الانتقال لعقد جلسات خارج القاهرة لضم طلاب جدد، وجمع بعض الأموال من الأعضاء. وانتقلت المجموعة بعد ذلك لعقد حوارات مع الماركسيين من خلال دار الأبحاث الماركسية وأيضا مع جماعة الإخوان المسلمين. وانتبهت جبهة الأحرار الديمقراطيين مبكرا إلى أهمية الجيش ودوره فى الحركة الوطنية، وإلى القلق الوطنى الذى بدأ يدب بين وحدات الجيش على ما وصلت إليه حال البلاد آنذاك.

وكانت بداية الاتصال بمجموعات معينة من الجيش،وذلك عبر خريجى مدرسة الفنون والصناعة العسكرية بالعباسية, وكان من أهم المجموعات التى توصلت معها من الجيش مجموعة “عبد القادر طه، وهو من منطقة “روض الفرج” بشبرا.وكان عبد القادر طه من الضباط المتأثرين بشدة بالفريق عزيز باشا المصري،الأب الروحى للضباط الأحرار. وستلعب جبهة الديمقراطيين الأحرار- فيما بعد- دورا محوريا فى ظهور اللجنة الوطنية للعمال والطلبة فى عام1946، وسيكون “عصام الدين جلال” نفسه إحدى القيادات البارزة للجنة، وعلى جانب العسكريين سيصبح عبد القادر طه أحد رموز الضباط الأحرار فى الجيش المصري,وسيطلق اسمه فيما بعد على أحد أهم شوارع روض الفرج بشبرا.

0009999

ترييف شبرا وضياع الحلم

ويرصد الكاتب عددا من المتغيرات التى طرأت على حى شبرا من حيث التركيبة السكانية وربما أهمها خروج الأجانب من الحى مثلما تقلصت أعدادهم فى القاهرة بوجه عام. وسيُفقد ذلك الأمر شبرا طابعها البحرمتوسطي. والمشكلة الحقيقية –بحسب محمد عفيفي- تكمن فى أن موجات الهجرة التالية، والتى عادة ما تأتى من الريف، ستحل محل الفراغ الذى تركه الأجانب، ولكن هذه الهجرات لن تحترم التنوع العرقى والدينى واللغوى فى شبرا،وبالتالى ستتربى هذه الأجيال الجديدة -عكس المهاجرين الأوائل وأبنائهم -على عدم معرفة التعددية والتمسك بالأحادية وعدم افتقاد القدرة على الانفتاح على الآخر.

ومع هزيمة عام 67 والأزمة الاقتصادية الحادة ستأتى إلى شبرا موجات جديدة من المهاجرين من الريف، وهى موجات لم تأتِ لتتكيف مع المدينة،وإنما جاءت فى ظروف تاريخية صعبة تمر على مصر بأكملها. وأدت هذه الهجرات إلى ترييف شبرا من ناحية القيم والعادات. وفى إطار ترييف ذلك الحى ستطرأ مظاهر جديدة غير مألوفة عليه ؛فبعد رحيل الأجانب من شبرا،كما رحلوا من وسط البلد أيضا، ومن الاسكندرية فى الوقت نفسه أو بعد ذلك بقليل، ستبدأ هجرة أغنياء شبرا من الأقباط إلى حى مصر الجديدة، إذ لم تعد شبرا مثالا للتعايش المشترك، كما سيهاجر أغنياء شبرا من المسلمين إلى المهندسين والدقي. وستبقى فى شبرا الشريحة الصغرى من الطبقةالوسطى يقاومون ترييف شبرا، لكنهم فى النهاية لم ينجحوا، وهو ما مهد بشدة لظهور التعصب الدينى على يد كل من الشيخ محمد عبد المقصود وممدوح إسماعيل وجمال صابر.