“لا لا لاند”.. المجد للحالمين بقلم: أسامة عبد الفتاح   مشكلة الفيلم الأمريكى “لا لا لاند”، الفائز بنصيب الأسد من الجوائز فى حفل الأوسكار فجر أمس الاثنين بتوقيت القاهرة، والتى

la-la-land-poster

“لا لا لاند”.. المجد للحالمين

أسامة عبد الفتاح

بقلم:

أسامة عبد الفتاح

 

مشكلة الفيلم الأمريكى “لا لا لاند”، الفائز بنصيب الأسد من الجوائز فى حفل الأوسكار فجر أمس الاثنين بتوقيت القاهرة، والتى كانت السبب الرئيسى – فى رأيى – لعدم إعجاب البعض به، أو على الأقل شعورهم بأنه يعانى من أوجه خلل كبيرة، أنه “أوفر ريتد”، أى تمت المبالغة فى تقدير أهميته وتميزه – بل وعبقريته – من قبل وسائل الإعلام الدولية، وجمعيات واتحادات النقاد والصحفيين حول العالم، وبالتالى اعتبره عشاق السينما – قبل مشاهدته – فيلما ضخم الإنتاج، غير مسبوق على مستوى الفرجة والإبهار والمضمون أيضا، وصُدموا عندما شاهدوه ولم يجدوه كذلك.. أما لو كانوا – وغيرهم – تعاملوا معه على أساس حقيقته كفيلم بسيط الطرح قليل الميزانية، لوجدوه – كما حدث معى – عملا عميقا فذا، على الأقل تقنيا.

هذا النوع من الأفلام، على خلفية ذاك النوع من التقدير الإعلامى الطنّان، عالى الصوت، يتعرض لبعض الظلم فيما يتعلق بالتقييم، فإما تعبيرات حماسية إنشائية بلا معنى حقيقى من نوع: “هائل ورائع ومذهل”، وإما تنطع من السنوب أصحاب نظرية “خالف تُعرف” يؤدى بهم – من باب التميز عن غيرهم من “المديوكر” – إلى أحكام غير موضوعية بدورها مثل: “لماذا كل هذه الضجة؟ تافه، لم يعجبنى مطلقا”.. وفى الحالتين لا يحظى الشريط السينمائى نفسه بتقييم موضوعى يحسب ما له وما عليه.

ليس “لا لا لاند” فيلما لعشاق “البلوك باستر” الهوليودى المنتظر فى العطلات ومواسم الأعياد، ذى الميزانية الديناصورية والإيرادات القياسية، وذى المؤثرات البصرية الـ”جاميه فو” – أو التى لم يشاهدها أحد من قبل – التى تبهر المشاهدين وتجعلهم يفغرون أفواههم طوال مدة العرض، وليس حتى عملا استعراضيا لامعا براقا يرسم بالراقصات أشكالا ملونة على غرار أفلام جين كيلى وفريد أستير وإستر وليامز كما ردد البعض، مع التسليم بالطبع بأنه موسيقى فى المقام الأول.

هذا فيلم بسيط عن الحالمين وما يحلمون به، ومصيرهم إذا لم تتحقق أحلامهم، والثمن الذى يدفعونه إذا تحققت.. هنا أحلام بالشهرة والمجد فى مكان شديد القسوة لا يمنح الفرص إلا بصعوبة: هوليوود بمدينة لوس أنجلوس الأمريكية.. نادلة فى مقهى تهوى التمثيل وتحلم بالنجومية «إيما ستون»، وعازف بيانو تجبره ظروفه على عزف مقطوعات تافهة فى المطاعم والحانات بينما يعشق موسيقى الجاز ويحلم بحمايتها من الاندثار من خلال كازينو خاص به لا يعزف سواها «ريان جوسلينج».

الرابح الأكبر فى ليلة الأوسكار.. فيلم بسيط وعميق بميزانية صغيرة وظلمه البعض بالمبالغة فى تقديره

يقع الحالمان فى الحب، ويكون العائق أمام استمرار ارتباطهما – فى اختيار درامى ممتاز – من صلب العلاقة نفسها، وليس نتيجة أى مؤثرات خارجية، حيث يفرِّق بينهما – باختصار – الطموح، تسافر هى إلى باريس فى مهمة عمل تستمر شهورا طويلة وتحوّلها أخيرا إلى نجمة، ويبقى هو لإنشاء الكازينو الذى يحمل اسمه.. لا نهايات سعيدة تقليدية، صحيح أن المخرج / المؤلف “داميان تشازيل” يريك – فيما يشبه أحلام اليقظة – ما كان سيحدث لو كانا تزوجا وأنجبا وفق البناء التقليدى لمعظم الأفلام السينمائية فى أمريكا وخارجها، إلا أن النهاية الحقيقية هي: كلٌ فى طريق، مع ابتسامة غامضة وحدهما يعرفان سرها، والمؤكد أن هذا السر لا يتعلق بالحب، بل بتحقيقهما أخيرا ما كانا يحلمان به.

نسج تشازيل هذه الدراما بمهارة وعمق على خلفية موسيقية شديدة الرقة، خاصة فى الأغنيتين اللتين تم ترشيحهما لأوسكار أفضل أغنية: “مدينة النجوم”، التى أداها جوسلينج، و«اختبار» أو “المجد للحالمين”، التى أدتها ستون موسيقيا ودراميا باقتدار يجعلها – وحدة – جديرة بأوسكار أفضل ممثلة.. وعلى المستوى التقني، لا يمكن وصف العمل – عن حق وليس من باب الإنشاء – سوى بالفذ، خاصة فى التصوير والمونتاج. وأنجز تشازيل ذلك كله – دراميا وتقنيا وموسيقيا – بميزانية لم تتجاوز 30 مليون دولار، وهى صغيرة جدا بمعايير هوليوود، على الأقل فى هذه النوعية من الأفلام، علما بأن الفيلم ربح أكثر من 340 مليون دولار حول العالم.

برع فريق التصوير فى اللقطات الطويلة أو المشهدية دون تقطيع هوليوودى تقليدي، مما يتطلب موهبة كبيرة وبروفات كثيرة وإضاءة خاصة فى المشاهد التى تتضمن عددا كبيرا من الممثلين والعناصر مثل الاستعراض الافتتاحى فى إشارة المرور الطويلة.. أما المونتاج، فقد تميز للغاية فى الانتقال بشكل سلس ومبهر بين الماضى والحاضر والمستقبل والأحلام، والزوايا المختلفة لتصوير نفس الحدث، فضلا عن تميز عنصر الصوت بطبيعة الحال، سواء فيما يسميه الأمريكيون “مونتاج الصوت”، أو فى المكساج.

أما أبرز ما آخذه شخصيا على الفيلم، أو ضده، فهو الأسلوب المسرحى الذى اتبعه تشازيل فى إخراج عدد من المَشاهد بإظلامها تماما وتسليط بقعة من الضوء فقط على البطل أو البطلة أو العنصر الذى يريد أن يركز المُشاهد عليه، فى تدخل فى عملية التلقى نفسها وتوجيه إجبارى لا يليق لنظر المتفرج، أو على الأقل فرض نوع من الوصاية على ما يجب أن يركز عليه المتلقي. كما لم يعجبنى الاستعراض الذى أداه البطلان فى مرصد “جريفيث” الفلكى بلوس أنجلوس فى ليلة رومانسية جمعتهما، واختتماها بالرقص فى الهواء والسباحة فى فضاء المرصد وكأنهما خرجا من نطاق الجاذبية الأرضية، وهو ما أراه مفتعلا ومصطنعا ومبالغا فيه.