طائرٌ يغنِّي في وحشته   بقلم : محمد فريد أبو سعدة       فى المكان المخصص لمجلتى «إبداع» و«فصول» بهيئة الكتاب، المكان الذى كان صالونا أدبيا رفيعا أيام طيّب

adad

طائرٌ يغنِّي في وحشته

 

بقلم :

محمد فريد أبو سعدة

 

 

 

فى المكان المخصص لمجلتى «إبداع» و«فصول» بهيئة الكتاب، المكان الذى كان صالونا أدبيا رفيعا أيام طيّب الذكر د.عبد القادر القط، التقينا كان المكان قد خلا إلا من اثنين أو ثلاثة حول وليد منير «رحمة الله عليه» وكان يعمل بـ“فصول”، رأيت ابراهيم مهموما لا ينتبه حتى يشرد

-مالك يا أستاذ إبراهيم ؟

أبدا..عندى دعوة يا أخى للمغرب .. وموش عارف أعمل إيه

-مؤتمر يعنى؟

آه . بس يا أخى عايزينِّى أتكلم عن تجربتى فى الكتابة و ..

والكتّاب اللى اتأثرت بيهم يعنى وكده.

وعاد إلى شروده، كانت المرة الثانية، التى سيسافر فيها خارج مصر، بعد سفره إلى المربد في عام 1972.

لا تكتب شيئا ..

-إزاى يعنى ؟!

اكتب  ما تحكيه كده بالضبط ..

اااه

لا تفتش عن كلام لتكتبه . تكلم فقط

لا يا شيخ!!

**

وتكلم إبراهيم

قال إنه الابن الأكبر لـ 12 ولدا وبنتا، ولد في شبشير؛ قرية صغيرة بين المحلة وطنطا، وغادرت الأسرة إلى القاهرة وهو فى الثانية من عمره . رحلت أولا إلى الحسين، ومنه الى باب الشعرية، ثم الىالكيت كات، حيث رأى فيضان النيل، ورأى الطمى الناعم الذى يتخلف عنه، ويغرى باللعب فيه “ تلعب في حاجة كده زى كالشيكولاتة “ قال : كنت فاشلا فى التعليم . وكنت شقيا جدا . كنت أقوم من النوم وأمشى وأنا نائم !

بدأ تعليمه فى كتَّاب محمد قطب «والد الفنان جمال قطب» فى امبابة، فى  شارع السوق، وحصل على الابتدائية من مدرسة إمبابة الابتدائية، ثم منها الى مدرسة لإعداد المعلمين، لم يستمر فيها سوى سنة وتركها، إلى مدرسة فنون السجاد ليتعلم  فنون التصميم والتنفيذ، سنة وتركها أيضا، فأدخلوه مدرسة الصناعات العسكرية، وهى مدرسة داخلية فى محاولة منهم لضبطه، لكنها هى التى اغلقت هذه المرة، بعد أن قضى فيها عامين ونصف العام، قفلت وحوّلت التلاميذ إلى مدرسة للصناعات، قسم هندسة السيارات ولم يكمل أيضا، وانتهى مشوار تعليمه ! .

كان فى الثامنة عشرة عندما ألحقه والده بالعمل فى البريد فى مهنة “طوَّاف” بالمحلة الكبرى، يطوف بالقرى المحيطة على درّاجة أو حمار، وبتعبير ابراهيم كان مثل مكتب بريد متنقل، يسلِّم الجوابات، أو تُعطى له جوابات ملضوما بها قرش صاغ مخروم،  وعليه هو أن يضع طابع البريد ويرسله !

استطاع أبوه أن ينقله الى القاهرة ليعمل «موزِّع بريد» في منطقة المنيرة، يدخل البيوت، ويصفق مناديا “ بوسطة”، فينزل صاحب البريد ويأخذ بريده.

%d8%a3%d8%b5%d9%84%d8%a7%d9%86

**

امبابة، كانت العالم الذى تكون فيه وعىُ ابراهيم، يقول : هنا ملهى الكيت كات الشهير، الذى كان يحضره فاروق الاول، ملك مصر والسودان، ليلعب البوكر، وهناك البوابة الحجرية، التى تسجل معركة الأهرام بين المماليك ونابليون أثناء حملته الشهيرة عام 1798، هناك حديقة الجوافة الكبيرة، وحقول الشمام المترامية الأطراف، وهى الحقول التى هرع اليها جنود الفرنسيس، والتهموا منها ما طاب لهم، فعاقبتهم بالإسهال، حتى أصدر بونابرته مرسوما يمنع أكل الشمام حفاظا على جنوده !

بدأتُ القراءة مبكرا فى امبابة، كنت أقرأ كالمحموم، واليوم الذى لا أقرأ فيه كان ضميرى يؤنبنى كالمؤمن المصلى إذا فاته الفرض !، قراءة عشوائية، لم يكن فى بيتنا سوى القرآن الكريم، وكتاب دلائل الخيرات، ونسخة كاملة من الف ليلة وليلة، وكنت أعرف معانى المفردات من السياق العام، عملت اشتراك في دار الكتب واستعرت كتاب “لزوم ما لا يلزم” لأبى العلاء المعرى ولم أفهم كلمة منه !، تعلمت من ساعتها أن أقلب فى أى كتاب قبل أن أقرأه.

رغم عدم تعليمى المنتظم إلا أن مصادر تكوينى الثقافية كانت مشتركة مع الذين أكملوا تعليمهم، كان سوق امبابة الشهير يجمع كل شىء، فهناك لكل شىء مكان، الاحذية القديمة مخيّطة وملمّعة في ركن، البضائع المختلفة كل نوع له مكان، الاجهزة القديمة، وبواقى الاجهزة، وقطع الغيار لها مكان، الاثاث المستعمل والمتهالك له مكان، البطاطين القديمة التى ضاعت ألوانها، والملابس المستعملة لها مكان، الكتب القديمة لها مكان، وأول رواية جيب قرأتها كانت من هذا السوق، كنا نعيد القديم الذى قرأناه ونأخذ بدلا منه ما لم نقرأه وندفع الفرق ملاليم !، فى السوق سمعت السيرة الهلالية، وكان منشد السيرة يرويها أسبوعيا – كالمسلسلات – ويتوقف فى كل مرة عند موقف مثير !

**

التقى أصلان بالاستاذ يحيى حقى عام 1965، ونشر له فى مجلة “المجلة” معظم قصص مجموعته الأولى “بحيرة المساء”.

يقول عن حقى : كان يمثل لى النموذج الأمثل لثقافة الكاتب أو الفنان، كان حقى خبيرا في الشعر، وخبيرا في الفن التشكيلي، وخبيرا في الموسيقى، وهو الذي نبّهنى للاهتمام بهذه الفنون المختلفة، كان يرى أن الظاهرة الابداعية واحدة وإن اختلفت في الوسائط، وأن لكل وسيط امكانات تعبيرية لا تتوافر في وسيط آخر، ولأنني أستخدم اللغة علىَّ أن أعرف قدراتها التعبيرية .

وقد اتسمت أعماله بـ «أناقة أسلوبية ملحوظة. نالت تكريماً استثنائياً من كتاب جيله الذين خصوه بعدد خاص من مجلتهم الطليعية “غاليري 68”.

يقول: أنا ذاكرتي بصرية، وسعيى كله، وخناقتي مع اللغة، لأننى أريدك أن “تشوف”، وهى غير مؤهلة لذلك، عكس السنيما أو الفن التشكيلى، وحتى تشوف كان صراعى ومحاولاتى لرد اللغة الى عناصرها الاولى، اريدك أن تسمع و”تشوف” وتشم، أى انه سعىٌّ  نقيضٌ  لفعل القراءة المتتابعة، هناك قسمات بين جيل الستينات مثل الميل الى الرؤية البصرية كما عند البساطى وصنع الله، هذا الميل الى تجسيد مشهد، أو فعل ما داخل هذا المشهد، أوتتبع حركة ما فيه، فالافراط في السرد غير مطروح، بل استخدام ما يلزم فقط لرصد العلاقات بين التفاصيل فى النص .

لقد جسد مقولة “تشكيوف”: العبقرية بنت التركيز .إذ تمتعت أعماله بالتكثيف والتركيز والإيجاز.

كاتب القصة الذى يعتبره الشعراء واحدًا منهم ويعتبره السينمائيون واحدًا منهم، وأيضًا الموسيقيون وأولاد البلد، كان لا يزال يعمل فى هيئة البريد، التى تعلم فيها الاختزال والتقشف فى استخدام المفردات، كان مطلوبًا منه بحسه الإنسانى لا المهنى أن يعيد صياغة التلغراف، يأخذ الكلام من السيدة أو الرجل الذى يقف خلف الشباك ويحوله إلى رسالة قصيرة للغاية تفى بالمطلوب وتوفر لمرسلها «الفقير غالبًا» مزيدًا من المال، كما يقول ابراهيم داود.

يقول أصلان : كل الأفكار الكبرى لا تكتسب أهمية عندى الا عند قراءتها عبر الحياة الاجتماعية والشخصية، الفنان أو الكاتب يفكر بجسمه بعينيه وأذنيه وانفه، وليس بشكل تجريدى كالفيلسوف.  كانت السياسة بالنسبة له عملاً أدنى من عمل المبدع، ومع هذا كان يعمل فى السياسة على طريقته، حتى انه كان دائما محسوبا على اليسار رغم عدم انتمائه لأى تنظيم : لا أحب أن أكون فردا في جماعة تقول نفس الشىء أو اخضع ضميرى لضمير عام أيا كان، الكتابة مثل أشغال الحفر على النحاس، تحتاج الى جهد واتقان وصبر، والكتابة شهادة جمالية على الزمن، والبعد الاجتماعىأساسى فى هذه الشهادة.

**

كنا فى سيارة ميكروباس تنهب الطرق الجبلية في صباح رائق، وكان السائق الليبى يُشغِّل راديو السيارة على إذاعة الشرق الأوسط، البنت هيّه الشّابة وانت الجدع تشوف وانت ان بصيت لرجليك تقع الخ، كنا مجموعة الوفد المصري إلى مؤتمر”الشعر والحرية”، الذى عُقد في مدينة البيضاء يوليو 1991،  وكالعادة – في مثل هذه الانتقالات –  كان البعض يتجمع هنا، وهناك منخرطون فى أحاديث مختلفة، وفجأة قطعت المذيعة دلع رباعية صلاح جاهين العظيم،  لتعلن بلهجة محايدة وفاة الكاتب الكبير يوسف ادريس، ومع الوجوم الذى حل علينا فجأة، انطلقت صرخة ابراهيم أصلان : ياخرااابى يا يوسف . انطلقت حارّة ملتاعة لا كلوعةِ من فقد أباه، بل كلوعةِ أمّ ٍ فقدت ابنها فى التو، يا الله، لا تزال جأرة الألم هذه تفاجئنى كلما تذكرت رحلة ليبيا رغم مرور أكثر من عشرين عاما عليها !!

**

بعد انتهاء مؤتمر “الشعر والحرية” أخذونا إلى المطار، وقفنا فىالطابور الذى ينتهى عند باب الطائرة الصغيرة، وتوالى دخول الوفد الى الطائرة، وفجأة منعوا جمال القصاص من الدخول : ليه ؟ فيه إيه ؟!  التفت لى ابراهيم مندهشا : بيقولك خلاص مفيش أماكن . بجد إزاى ووجدت جمال يكاد يتوسل، وأن شنطه دخلت الطائرة، و فرق لهم حاله واستسمحوا أسرة ليبية مسافرة بركوب جمال، على أن يحمل أحد ابنائها طول الرحلة، وركب جمال، وطارت الطيارة !

الله .الله وبعدين؟!  صرخ ابراهيم .

الشنط فى أيدينا وليس معنا فلوس، ولا نعرف ماذا نفعل، تذكرت رقم تليفون صديق ليبى، وسمح لنا واحد فى مكتب فىالمطار بالاتصال، وجاء الصديق أحمد الفيتورى فعلا، وعمل الاجراءات اللازمة لتجديد صلاحية التذاكر للرحلة القادمة، ثم اصطحبنا إلى الفندق من جديد، وجدد حجز الغرفتين، واصبحنا فى رحلة أخرى أنا وابراهيم لمدة اسبوع، كانت المرة الأولى التى نقترب فيها إلى هذا الحد وكنا نقضى الليالى وهو يحكى لى  عن عمارات جاردن سيتى وسكان الماضى، عن العذابات الصغيرة، عن العمارة والرسم وفنون السجاد، عن سوق امبابة والحيل المدهشة، عن الكيت كات والوراق وجيل الستينات، عن المجانين الذين قابلهم فى حياته، عن القصص العجيبة فى وردية ليل، ويسألنى بقلق إن كانت تصلح رواية أم انها مجموعة قصصية.

**

كان يقول «انا مثل طائر يغني في وحشته» وأنه كاتب «الكاميرا» كما كان يسمي نفسه.

وجد أصلان دعماً مبكراً من نجيب محفوظ الذي كان أول من زكاه للحصول على منحة للتفرغ مكنته من ترك مهنته كساعي بريد العام 1971، واحتفظ أصلان برسالة التزكية التي وجهها صاحب نوبل لمسئولي وزارة الثقافة مشيرا فيها إلى أصلان «فنان نابه، موهبته فذة، له مستقبل فريد»، ودعا محفوظ مسئولي الثقافة لأن ينال أصلان حقه «وأن يكرم بما هو أهل له».

أدرجت أولى رواياته “مالك الحزين” ضمن أفضل مائة رواية في الأدب العربى وحصل أصلان على عدد من الجوائز منها: جائزة طه حسين من جامعة المنيا عن رواية “مالك الحزين” عام 1989م، جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2003م – 2004م. جائزة كفافيس الدولية عام 2005م، جائزة ساويرس.