فصل من رواية ملائكة الإسكندرية – لزينب ظاظا   تصدُر قريبا عن دار ميريت للنشر بالقاهرة   كلمة تمهيدية هذه الحكاية ضرب من الخيال.. إذا وجدتَ فيها شبهًا مع شخصية

7777

فصل من رواية ملائكة الإسكندرية – لزينب ظاظا

 

تصدُر قريبا عن دار ميريت للنشر بالقاهرة

9999

 

كلمة تمهيدية

هذه الحكاية ضرب من الخيال.. إذا وجدتَ فيها شبهًا مع شخصية حقيقية، فأنا غير مسئولة. لكننى أعترف بمسئوليتى فى إعادة رسم خريطة الإسكندرية على هواي. فرغم سنّى المتقدّم نسبيًّا، لم أكن قد ولِدتُ بعد فى الحقبة الزمنية التى أحكى عنها، لذلك سيسامحنى القارئ وقد اخترعتُ شارع لقمان الحكيم اختراعًا.

يمكن قراءة هذه الرواية مستقلّةً.. لكنّى أنصح بقراءة «يتامى الإسكندرية» التى سبقتها، واصبروا قليلًا.. فالثالثة ثابتة: «أفراح الإسكندرية» فى السكّة.

أوجّه جزيل الشكر وخالص المحبّة للصديق المخرج حسن شعراوى الذى فتح لى كنوز جبل الطير، وكنوزًا أخرى كثيرة.

أهدى هذا العمل لكل الملائكة فى حياتي

وإلى ذكرى عزّة سكّر التى ابتلعتها الأرض فى السبعينات.. لعلّ بعض سكّان الإسكندرية يتذكّرونها.

 

 

الباب الأوّل

فندق سيسيل – الإسكندرية

من وقف فى شرفة الطابق الأعلى بفندق سيسيل فجرًا فى شهر مارس، إن لم يخشَ الريح البحرية أو رعشة قد تصيبه من بقايا رطوبة الليل، كانت جائزته صفحة من الرصاص المصقول مترامية الأطراف يرسم عليها الموج خطوطًا بيضاء تولد وتموت فى رقصة رتيبة تحت سماء رمادية باهتة، فأحسّ بأنّه يشارك فى طقس مقدّس هو ميلاد الضوء، بل بأنّه جزء من ذلك الضوء الوليد.

لكن الرجل الواقف فى الغرفة العليا لا يرى ذلك ولا به يحسّ. فظهره للشرفة والستارة مواربة لا تُدخل من الضوء الأبيض إلا ما يلزمه لقراءة الورقة، الورقة التى ترتجف بين أصابعه، ولرؤية الصورة الفوتوغرافية المصاحبة للرسالة.

كذلك يرى المرأة الراقدة فى السرير الكبير. لم توقظها الرسالة عندما دفعتها يد مجهولة تحت باب الغرفة قبيل الفجر.

أيقظته هو، المتعوّد على ليالى الصحراء ومراقبَة كل حركة ولو خافتة.. عقرب يتوغل فى الخيمة.. عقرب.. نعم.

المرأة راقدة كأنّ شيئًا لم يحدث، كأنّ بين نومها الهادئ وبين دخول الرسالة لم تتغيّر الدنيا، لم تُزلزل الأرض..

يرى ويعرف جسمها الأفعوانى تحت اللحاف. يرى ويعرف وجهها المنغلق على وجدانها، الرافض أى اقتحام، فمها المكتنز المضموم الشفتين، فمها الوارم قليلًا، به براءة وشبق فى نفس الوقت، أهذا معقول؟ وجيدها الطويل المائل على الوسادة. لحمها المضيء فى العتمة، لحم بلون العنبر، والشعر الكستنائى يلصقه عرق خفيف على جبينها الناعم..

للمرة الألف يفحص الصورة وكأنّه يأمل أن تختفى بفعل ساحر تحت نظره فيعود العالم إلى نظامه المعهود، يغمض عينيه، لا، لم تختفِ، ولم تتبدّل الملامح، إنّها هي، تحتضن شابًا يعرفه تمام المعرفة. كذلك يعرف المكان. هذه البقعة بالذات من الساحل البكر غرب الإسكندرية.

الرسالة من مجهول. مكتوبة بلغته، بالفرنسية. كلمات قليلة تؤكّد ما أفصحت عنه الصورة.

يكفى يا شارل. يكفي. قصّتك قديمة ومبتذلة. زوجتك تخونك مع تلميذك المفضّل، الذى بنيت عليه آمالًا كبيرة، طالب موهوب وصاحب همّة ورؤية. تربية يديك يا شارل، حين كنت تعلّمه أسرار مهنة الآثار المصرية فى السوربون، هناك فى باريس، فى حياة أخرى، تكشف له عن نفائس أرض مصر، حجابًا خلف حجاب، كنت دليله وهو يفكّ الهيروغليف والرموز، وهو يحاور الملوك والآلهة، يطوى صفحات الماضى السحيق، يحلم ويخطّط ويجتهد. كان وريثك الطبيعي، يا شارل، يا من رفضت أن تزرع طفلًا من صلبك فى بطن الجميلة، المليكة، المرأة الناعسة، الغامضة..

كانت تقول: أحتاج إلى البحر. كانت تقول وتئنّ.. عاشت طفولتها فى جزر اليونان.. تحتاج إلى البحر.. وأنت لا حياة لك إلا بين أسوار السوربون أو ضفاف النيل جنوبًا، بعيدًا عن البحر.

قلتَ: سأهديك ِ أعظم بحر. وأسكنتَها جناحًا فخمًا فى فندق سيسيل. تركتَها لتعود إلى حفرياتك فى الصعيد وسقارة.

وخانتْك مع بيير دوليني.

هل هذا صحيح؟

هل هذا مهمّ؟

ألا تكتفى يا شارل بأن تستيقظ وهى بجوارك؟ أن تظهر فى المناسبات وهى بجوارك، ويصمت الكلّ لدى دخولكما، أنت الكهل الوسيم بطولك الفارع، بشعرك الفضّي، ونظرتك الثاقبة تقرأ فى كل الأعين تبجيلًا وإعجابًا ليس بها فقط، وإنّما بكما معًا، لأنّكما متناسقان، لائقان ببعضكما، أنتما منظومة متناغمة متكاملة مكتملة فريدة.. أرستقراطية العلم مع أرستقراطية الحسن..

يا شارل، أنت أحمق، مع كل ثقافتك الراقية، أنت حمار.

علمك لا يساوى قلامة من ظفرها.

الحقيقة الوحيدة هى الشهوة.

وأنت واقف أمام لغز الصورة كما وقفتَ صبيًا أمام باب غرفة والديك. الباب مغلق. الشهوة قوامها اثنان لا ثالث لهما. وأنت خارج الصورة.

إنّى أكره البحر.

ماذا ستفعل الآن يا شارل؟

مكان آخر

فى الليل أحاول أن أتذكّر أمّي.

لغة أمّى لا تأتينى منها سوى كلمات بسيطة. نام نام وادبحلك جوزين حمام.

كذلك يبقى وجهها ملفّحًا بضباب لا اميّز تقاطيعه. فقط: صوتها ويديها الدافئتين.

هنا كلّنا ذكور. أعرف أن المرأة كائن جميل ومقدّس.

أعرف أن أمّى كانت امرأة، مثلها مثل الإلهة فى الصور.

الرطوبة باردة ولزجة. أسعل كثيرًا. يعالجوننى بالأناشيد وبإبرة يقولون إنّها سحرية.

أعرف أنّ علاجى الوحيد عند أمّي.

يجب أن أجد الطريق

الإسكندرية، إبريل ١٩٣٦

قاعة الحفلات مزدحمة فى مدرسة المير دى ديو. اليوم ٧ إبريل ١٩٣٦ والمدرسة تتباهى باستقبال عالم آثار مصرية شاب قادم من فرنسا.

تعرّضت الراهبات حديثًا لانتقادات لم يكنّ يتوقّعنها من بعض العائلات التى اعتبرت أن المدرسة رغم جودة التعليم والتربية التى تقدّمها لتلميذاتها لا تبذل المجهود الكافى فى شأن الثقافة العامة.

طبعًا العائلات تقصد الثقافة الخاصة بمجتمعها. مدارس الراهبات كثيرة فى الإسكندرية. يوجد تقريبًا مدرسة لكلّ جيب ومزاج، شرط أن تكون النية صادقة. وأية أسرة لا تتمنّى أن تنمو بناتها نمو الوردة وتزدهر فى حديقة الأدب والذوق واللغات الأوروبية؟

إن تحدّثنا عن الأدب والذوق، فتعدّ نوتر دام دى سيون فى أعلى الهرم، إن صحّ التعبير، فلا أحد يجيد الريفرانس مثل بنات نوتر دام دى سيون، كما لا أحد يغلبهن فى التقدير الصحيح الدقيق لطول الجونلات والجوارب المثالى حسب المناسبة. بنات المير دى ديو قويات فى الفرنسية والأشغال اليدوية. لكن الزمن يتغيّر.. تسمع الإسكندرية، بل مصر كلها، عن نساء مثقّفات لا يتخلّين مع ذلك عن الأنوثة العذبة والاحتشام. ويهوديات الليسيه صرن يمثّلن نوعًا من الخطر. فالرجال الجدد لا يكتفون بدمية تتكلّم الفرنسية بطلاقة. طبعًا لا يتزوّجون اليهوديات. لكنّهم ليسوا ضدّ خيانة الدُمية الفصيحة مع اليهودية المثقّفة الجريئة.

إذن فكلمة الموسم هى: الثقافة.

وجدتها مديرة مدرسة المير دى ديو فرصة ذهبية لتوسيع شهرة المدرسة فى ساحة التعليم الفرانكوفونى بالإسكندرية. فالمديرة ذات فطنة وبصيرة. علّمتها تجربتها اللبنانية كيف تقود مركبتها مراوغةً بين تناقضات مدينة تنبهر بالجديد وتخشاه فى آن واحد.

كيف استطاعت الراهبات العثور على الباحث الفرنسى بيير دوليني؟ سيبقى ذلك سرًّا دفينًا قد يكمن فى كون الشاب من عائلة فرنسية عريقة لم تخضع للإلحاد الجماعى الشبه إجبارى الذى فرضته الجمهورية على الشعب، وقد يكمن كذلك فى مساعى لطيفة الراهبة اللبنانية الجميلة ذات الرموش الطويلة، المتعطشة إلى المعرفة والانطلاق فى سماوات الفكر والفنّ.

المهمّ أن الأستاذ دولينى رغم صغر سنه استطاع أن يبهر جمهورًا أغلبيته من النساء والفتيات، وهاهو ينهى حديثه فترنّ كلماته فى الهواء المعطّر المشحون بذبذبات قوية ومتباينة.

– إنّنى إذن سعيد جدًّا وشاكر جدًّا لانتباهكم ولاهتمامكم باكتشافاتنا الجديدة فى وادى الملوك، ولكن..

انخفض صوته كأنّه سيبوح بسرّ خطير:

-.. معظم الناس يعتقدون أنّ أسرار مصر ونفائسها كلّها مركّزة فى القاهرة والصعيد.. ولكن مدينتكم.. الإسكندرية.. الإسكندرية كذلك لها تاريخ عجيب كما تعلمون، وأنا جدّ محظوظ أنّنى مدعو هنا عندكم، فى تلك المدينة الساحرة.. ولى بعض الأفكار – أهى مجرّد هواجس؟ لا أظنّ – وعن قريب إن شاء الله آمل أن أتمكّن من إشراككم فى اكتشافات جديدة سوف تهزّ العالم..

بعد ثوانٍ من الصمت الحالم، تحرّر الحاضرون من حالة الذهول التى وضعتهم فيها كلمات المحاضر العجيبة، وانفجر التصفيق من كل جهة. كان الجوّ حارًا فى القاعة، ترتفع فيها عبارات الاستحسان والتساؤلات، بكلّ نكهات اللغة الفرنسية الإسكندرانية.

التفتت إفين نحو جارتها يوليا التى لم تُعِرها أى اهتمام حيث إنّها كانت تتأمّل الفرنسى بعيون مبهورة.

قرصتها إفين:

– حتّى أنت يا يوليا؟

أدارت يوليا وجهها ورفعت حاجبيها مستفسرة. ضحكت صديقتها:

– أنت أيضًا وقعت فى دباديب الولد الأبيض؟

– ولد أبيض؟

– طبعًا أبيض يا بيضاء! وغير مستوى!

– لكنّه عالم كبير، يا إفين.. وكيف يتكلّم! أسمعت؟ لا تقولى أنّك لم تشعرى بشيء وهو يصف الحضارة المصرية واكتشافات وادى الملوك!

– أكيد، أكيد.. كما شعرت سور لطيفة ومدام فرعوني.

بحثت يوليا بعينيها الزرقاوين عن منقار مدام فرعونى الشهير ووجدتها تطلّ برأسها المعمّم فوق الجميع، وتكاد تلتهم الشاب الفرنسى بعينيها المكحولة.

– البومة العجوز! انظري، ستأكله!

فى الحقيقة، كانت كلّ الحاضرات يحملقن فى العالِم الشاب بنظرات تتراوح ما بين العاطفية الحالمة والناهمة. تساءلت إفين، ماذا يجدن فيه؟ نحيف ورقيق البنية، حليق الوجه به طفولة ونضارة البشرة «غير المستوية» على رأى إفين التى لا تسترجل أمجاد الذهن إلّا إذا صحبها شيء من العضلات..

وبالمناسبة.. ألا يوجد رجال فى القاعة؟ التفتت رأس إفين بشعرها القصير المفلفل ولم تشخّص سوى عدد قليل من الذكور. آباء تلميذات أرادوا معاينة الفرنسي، أزواج أو عشّاق لم يرتاحوا للأساطير السائرة عن رجال فرنسا فآثروا الحضور لحماية حريمهم.. معظم التلميذات يأتين من أسر وفّرت لها التجارة مستوى معقولًا من الرخاء. والثقافة، شعار الموسم، فالمطلوب أن تكون زينة إضافية فى جهاز العروس، أما أن يهتمّ بها تجّار الأحذية أو الأثاث أو الأسماك المحفوظة، فالأمر مستبعد.

وتقريبًا الوحيد الذى تابع المحاضرة بلهفة ممزوجة بالاستنكار هو طبعًا مجنون المدينة الرسمي، البروفسور باليولوجوس فى بدلته السوداء القديمة. لمحته إفين وهو ينصرف فى حالة انفعال على ساقيه الطويلتين كسيقان طير مالك الحزين.

ابتسمت إفين. كم كانت تحبّ مدينتها وناسها، على كلّ عيوبهم، ذنوبهم الخفيّة وفضائحهم الرنّانة. قد سمعت عن مدن أخرى فى أوروبا البعيدة، مدن منطقية تسير فيها الأمور بشكل أخلاقى وعقلاني. أهذا صحيح؟ أهذا ممكن؟ حتمًا هناك مثل هنا، مجنون يسير مخاطبًا نفسه.. عواجيز يسرفن فى التزويق وينظرن إلى الشبّان بعيون جائعة..

خرجت الفتاتان مسرعتين كى تسبقا الزحام إلى محطة الترام. مشتا فى شارع أبوقير وهما تتنفّسان رائحة الأشجار التى لم يدركها جفاف الصيف بعد. تنهّدت إفين:

– ما أحلى الربيع..

ودارت على نفسها، نشوى بالسكون والعطور النباتية النقية وطراوة الهواء الليلي، ثم توقّفت وبهتت ابتسامتها.

– ما بك يا إفين؟

– أبدًا. افتكرت إيزيس فجأة، لا أعرف لماذا جاءت على بالي. تذكرينها؟

– إيزيس. نعم. مسكينة.

– سبع سنوات وهى مريضة طريحة الفراش.. أيعقل أنّنا لم نسأل عنها يومًا؟

رمقتها يوليا بنظرة جانبية.

– أنت لم تذهبى لزيارتها. كنت مشغولة بخطوبتك.. أما أنا فزرتها مرّة.

أحسّت إفين بوخز التأنيب، وبحركة قصيرة من يدها أبعدت شبح خطيبها الذى مات وكان على كل حال رجلًا حقيرًا لا يستحقّها بل لا يستحقّ أن يعيش. سألت صديقتها باهتمام:

– متى زرتها؟ كيف كانت؟ أين تسكن؟

أتى الطرماى فى إيقاع خشبى متكاسل. ركبتا وصعدتا تلقائيًّا إلى الدور العلوى شبه الخالى من الركّاب. أجابت يوليا وقد خلا وجهها من عبثه الدائم:

– كان ذلك منذ عام ونصف العام على ما أذكر.. بيتها ليس بعيدًا عن بيتك، لكن على الصفّ الآخر صعودًا من شارع النبى دنيال، أخذت العنوان من سور لطيفة لكنّها لم تشجّعنى على زيارتها. تعرفين أنّها قبطية وتعيش وحدها مع أبيها. المسكينة مشلولة تمامًا، تعبّر بعينيها فقط. أبوها يعتنى بها وحده بعد وفاة أمّها، ولا يحبّ الناس، يقبل على مضض بمساعدة سور لطيفة لأنّه لا يستطيع وحده القيام بكلّ ما تحتاج إليه إيزيس من خدمات.. ولا تساعده المادة. استطعت بصعوبة أن أقنعه بإدخالى على إيزيس، كان واضحًا أنّه غير متحمّس لزيارتي. جلست معها ربع ساعة، حدّثتها عن أخبارنا، عن أيام المدرسة. كانت تنظر إليّ بعينيها المأساويتين وترمش من حين لآخر وكأنّها تحثّنى على الكلام. وجهها ممصوص. حاولت أن أقرأ تعبيره. لا أعرف. بدت لى خائفة أو مسكونة بشيء مُريع لا يسعها الإفصاح عنه.. لكننى قد أكون مخطئة، وأنا تحت تأثير مغامراتك..

tram-1

جاء الكُمسارى الشاب وألقى نظرة خجولة على السيقان الأنيقة قبل أن يطلب الأجر بأدب.

نزلت يوليا فى الأزاريطة وكملت إفين المشوار حتى محطة الرمل، غارقة فى تفكير عميق.

السبت ٩ إبريل ١٩٣٦

جلس الضابط إبراهيم بلا حماس فى مكتب الحكمدار حيث كان جرجس قد سبقه. كان الحكمدار جالسًا إلى مكتبه الكبير تحت صورة الملك فؤاد وأمامه الصحيفة الإنجليزية مفتوحة على صفحة الكلمات المتقاطعة. نظر إليهما فى وجوم وهاله ما بدا على إبراهيم من اكتئاب. لم يحدّثه إبراهيم كثيرًا عن مشاكله الشخصية لكنه كان يعلم بظروفه بعد أن قرّبت القضية السابقة ما بينهما. تنهّد متذكّرًا سراية آل بكير والنساء العجيبات اللواتى طالما شرب معهن فى المطبخ الشاى الكردى اللذيذ.. طالما؟ الحقيقة أن تلك الأيام مرّت بسرعة غير مفهومة.. إفين وعمتها الكردية ذات الخدود الوردية والضفيرتين البيضاء تتأرجحان فى عصبية على عجيزتها الضخمة الشهية.. احمرّ وجهه.. نعم، الشهية! كم تختلف عن زوجته الإنجليزية العجفاء الباردة.. وإبراهيم، الشاب الصعيدى الذائب فى حلاوة الخادمة الجميلة زمرّد.. لكن هيهات! فلم ترضَ أم إبراهيم بأن يخطب الخادمة اليتيمة ذات العينين الخضراوين.. جرجس يحملق فيه بعينين جاحظتين.. أف! كلّه كوم وجرجس كوم.. تنحنح وبدأ الروتين اليومي.

– هل انتهت ترتيبات الأمن بالنسبة للصيف وتشريف أهل السراية إلى قصر رأس التين وقصر المنتزه؟

بادر جرجس إلى الردّ بهمّة:

– نعم يا باشا. كل شيء تمام. فتّشنا القصرين من أسفل إلى أعلى بما فيه المطابخ وعيّنا أفرادًا للحراسة مضمونين وأغلقنا المنطقة حول كل واحد منهما..

أكمل إبراهيم فى تهكّم:

-..حتّى لا يعكّر سواد الشعب مزاج الصفوة.

رمقه جرجس بنظرة استنكار:

– الملك يا إبراهيم أفندي. أتريد للحثالة أن..

– لا. لا. حاشا لله. الملك. إذا شرّف. فهو كما تعلم مريض وقد يطلع السرّ الإلهى فى أى لحظة.

– نعم ولكن الاحتياط واجب وولى العهد..

نفس اللحن المتكرّر منذ بداية مرض الملك. قادم إلى الإسكندرية؟ غير قادم؟ ولى العهد شاب ومن حقّه أن يفرح وأن يتمتّع بجو الإسكندرية بعد عام دراسى شاق فى شابورة لندن الدائمة.. حتى إذا توفّى الملك فؤاد.. فالجنازة لن تدوم الصيف كلّه، أليس كذلك؟ والحداد على شاطئ البحر أرحم منه فى جحيم القاهرة. يريد بكم اليسر يا أخي.

تصفّح الحكمدار بعض الأوراق المبعثرة على مكتبه وقال غير مكترث:

– وصلنى أيضًا بلاغ من بعض محافظات الصعيد.. عندهم حالات اختفاء لأطفال، حدثت كلها فى هذه الأيام الأخيرة ويطلبون المساعدة من كل المحافطات الأخرى للعثور على المفقودين.

ثبّت الحكمدار نظّارته على أنفه الإنجليزى الطويل وتفحّص الورقة:

– الغريب أنهم كلهم ذكور وكلهم من الأقباط. خمسة أولاد حتى اليوم. المنيا، أسيوط، قنا..

رفع جرجس رأسه وضيّق عينيه مردّدًا:

– خمسة أولاد من الأقباط..

صدّه الحكمدار رافعًا يده:

– لا تقل لى اليهود. عيد الفصح غدًا صحيح، لكنّى أحذّرك يا جرجس، أننى لن أعمل مع من يصدّق تلك الخرافات.

ارتسم حزن ذليل على وجه جرجس اللحيم وقال:

– لم أقصد يا باشا. ما لنا وما لليهود؟ لسنا فى الشام. لكن هذه الأحداث.. ألا تذكّر حضرتك بشيء؟

9999