أ. د. أحمــد محمـد سالـم asalem: من مواليد 4/ 4 / 1969م. ليسانس آداب فى «1990م»، حصل على ماجستير فى الآداب «1995م»، وكان عنوان الرسالة: «إشكالية التراث فى الفكر العربى

16938565_1408560619164043_8889114496876368222_n

أ. د. أحمــد محمـد سالـم asalem: من مواليد 4/ 4 / 1969م. ليسانس آداب فى «1990م»، حصل على ماجستير فى الآداب «1995م»، وكان عنوان الرسالة: «إشكالية التراث فى الفكر العربى المعاصر… دراسة نقدية مقارنة بين حسن حنفى ومحمد عابد الجابري»، ودكتوراه فى الآداب عام «2000م»، وموضوعها: الإمام سعيد النورسى وآراؤه الكلاميــة. يعمل أستاذا للفلسفة الإسلامية والفكر العربى الحديث، منذ «2013م»، فى قسم الفلسفة، كلية الآداب، جامعة طنطا. نشر العديد من الأبحاث فى مجلة محكمة وفصلية فضلا عن عدد من الكتب مثل إقصاء الآخر، الإسلام العقلانى «تجديد الفكر الدينى عند الشيخ أمين الخولي» وغيرها من الكتب.

حوار: أحمد ليثي

amlaithy

ما الذى حدث للعقل المصرى الذى كان على أعتاب نهضة فى النصف الأول من القرن العشرين، كيف حصلت الردة؟

حظت مصر بعصر نهضة قوي، جزء منه فى الحقبة الاستعمارية، كان بها حياة نيابية، ونظام ليبرالى، ودستور 1923 ما مثّل علامة مضيئة فى تاريخ الحياة السياسية فى مصر، وقد كفل هذا الدستور مجموع الحريات الفكرية،والدينية، وحرية الرأى، وحرية التعبير مما كان له مردودا إيجابيا على مجمل الحياة الاجتماعية، والسياسية، والثقافية فى مصر. بدأت الردة بعد الانتقال من حكم الاستعمار إلى حكم الدولة الوطنية، حيث سعت تلك الدولة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، على حساب تقييد الحريات فى المجتمع، وبرغم اهتمام التجربة الناصرية البالغ بالثقافة، لكن كان هناك تقييد واضح للحريات المختلفة، أسهم ذلك فى بداية النضوب للعقل المصرى على مستوى الإبداع، وإذا انتقلنا للحقبة الساداتية حقبة الانفتاح الاقتصادى تجد الانهيار قد بدأ على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحدث تراجع واضح فى نظام التعليم الذى بدأ يترهل، إلى أن وصلت بنا الحال إلى مرحلة الانهيار الكامل فى الفترة الأخيرة من حقبة حسنى مبارك، حيث حدث إنهيار كامل فى أنظمة التعليم والبحث العلمى.

هل يمكن أن نقول ان الإستعمار كان قد أعاق الدخول فى عصر الحداثة؟

على الرغم من السلبيات الكبرى للاستعمار على وجه الحياة فى مصر، وتوجه الاستعمار نحو نهب ثرواتها، فثمة وجه آخر للاستعمار ايجابى، ذلك اننا عرفنا الحداثة مع قدوم الاستعمار الفرنسى إلى مصر، واهتمام علماء فرنسا المبكر بعلم المصريات، فكتاب «وصف مصر» هو نتاج فرنسى خالص ، وتأسيس الحملة الفرنسية للمجمع العلمى المصرى، ومدارس الليسيه. كان الاستعمار يبرر قدومه بأنه جاء ليعلمنا، فالغرب المستعمر كان يوظف الغرب المعلم لتبرير وجوده واحتلاله، ولم يكن فى مقدرة مشروع محمد على النهضوى أن يستغنى عن وجود الأجانب لتغيير وجه الحياة فى مصر، فاستعان محمد على بالأجانب فى كافة مؤسسات الدولة فى البداية كخبراء، ثم اتجه إلى إرسال أبناء مصر فى بعثات إلى أوروبا لتعلم العلوم والفنون والتقنيات المختلفة، وحين جاء الاستعمار الإنجليزى قام بإصلاحات كبرى فى مصر حتى تستطيع الأرض أن تنتج أكبر خراج ممكن، وقد تجلى هذا المشروع الإصلاحى للاستعمار فى كتاب اللورد كرومر «مصر الحديثة»، وأتاح الاستعمار قدرا من الحريات تبدى واضحا فى خصوبة الحياة الفكرية والثقافية فى تلك الفترة التاريخية، وتجلى ذلك وبوضوح فى إصدار الكتب والمجلات والصحف التى عبرت وبقوة عن فترة ازدهار فى حياتنا الثقافية، والتى ما زلنا نفخر بها إلى الآن، ولم يكن فى فترة الاحتلال أى ازدهار لجماعات الإسلام السياسى، فى ظل توافر مناخ ليبرالى لأحزاب قوية فى تلك الفترة، ولذا فثمة إدانة لأبناء الوطن فى عجزهم عن إقامة دولة مدنية حديثة، وذلك بسبب وقوع مصر منذ الاستقلال فى أتون الصراع على السلطة بين الجيش ودعاة الإسلام السياسى، وتلك محنة الوطن، وقوعه تحت اختيار إما الأصوليات الإسلامية أو المؤسسة العسكرية، ولا يبدو فى الأفق أى أمل فى وجود طريق ثالث يخطط لإمكانية قيام دولة مدنية حديثة فى مصر.

العقل العربى يعيش فى ماضيه أكثر من حاضره

هل أزمة دخول العقل العربى إلى الحداثة أزمة عقلية أم أزمة سياسية؟

أزمة عقلية فى المقام الأول قبل أن تكون أزمة سياسية لأن العقل العربى راكد فى أتون التقليد، ويقدس النص ويمنحه الأولوية على العقل، ويركن للماضى ويمنحه الأولوية على الحاضر، ويعطى تراث السلف القيمة الكبرى على تسيير شأن الخلف، فالسلف يسيرون الحاضر وهم فى قبورهم، ولذا فالعقل العربى يتغافل عن تاريخية إنتاج السلف وفقا لظروف الماضى التاريخى، ولذا فالعقل العربى يسجن الحاضر فى أفق الماضى، ويحدد حركة الزمنى فى إطار قيود الروحى، ولم يسع العقل العربى بتحرير الزمنى من تكبيل الروحى له، فالمحنة إذن فى نقل الحداثة فى أزمة العقل العربى فى حسم علاقتنا الحاضر بالماضى، وفى حسم حدود علاقتنا بالسلف، وهو ما أسهم فى عجز العقل عن تأصيل الحداثة فى مجتمعنا، ومن جانب آخر فإن أزمة عدم دخول العقل العربى إلى زمن الحداثة هى أزمة سياسية أيضا بسبب مركزية السياسى فى حركة الاجتماع البشرى العربى، فالسياسة مركزية فى حركة التغيير، ولكن السياسى يركن إلى التراث التقليدى ليستمد منه مشروعيته متى عجز عن تحقيق إنجاز فى الواقع.

كيف تواجه كليات الآداب والعلوم الإنسانية الخطاب الدينى السائد؟

الكليات فى وضع متدنى علميا ومعرفيا كجزء من تدنى وضعية التعليم فى مصر، ومع ذلك فإنها تملك خاصية كبيرة فى مسألة تجديد الخطاب الدينى، وهى أن الباحثين فيها يملكون منهجيات العلوم الحديثة، وهذه المنهجيات مفيدة ومهمة فى إعادة قراءة تراثنا الدينى قراءة حديثة بما يوافق حق الحاضر والخلف فى مساءلة الماضى والسلف، ولعل الإسهامات الكبرى فى تجديد الفكر الدينى، والمشاريع الفكرية الكبرى قد خرجت من كليات الآداب والعلوم الإنسانية مثل مشاريع أركون والجابرى وحسن حنفى، ونصر أبو زيد، وجورج طرابيشى، ورضوان السيد، وحسين مروة، وصادق جلال العظم …..الخ، تلك الاسهامات التى تعد من قبيل الهرطقات لدى علماء التقليد والاتباع، ولذلك فإن الدراسات الفلسفية والإنسانية تعد مخرجا مهما لإعادة انتاج خطاب دينى جديد، ويمكن أن تفجر الطاقات الخلاقة فى قراءة الظاهرة الدينية، بما يوافق حراك الواقع التاريخى الراهن، وذلك من خلال التطور الحادث فى منهجيات العلم الإنسانى، وخاصة علم الاجتماع الدينى، وعلم النفس، والتاريخ، ومختلف النظريات الفلسفية، وكل هذا يمكن أن يسهم فى إعادة انتاج خطاب دينى جديد يلاحق التطور الحادث.

1525551_684441944909251_791069650_n

هل الأزهر قادر على تجديد الخطاب الديني؟

الأزهر بحالته الراهنة عاجز عن تطوير نفسه فضلا عن عجزه البين فى تطوير الخطاب الدينى، لأن هناك عشوائية كبيرة فى نظام التعليم بالأزهر بدءا من تأسيس المعاهد، مرورا بأنظمة التعليم وبرامجه الجامدة، فضلا عن سيطرة دعاة التقليد على مقاليد الأمور فى الأزهر، وهذا ما جعل الأزهر مرتعا لحركات الإسلام السياسى، وبالمقابل فإن تيار التجديد داخل الأزهر محدود ومحاصر، وتعود الأزمة إلى جمال عبد الناصر حيث إرتكب جريمة كبرى فى حق الأزهر حين نقل الجامعة من الطابع الدينى الخالص بتوسيع دائرته بإنشاء كليات علمية مدنية ، وكان على الأزهر أن يظل فقط جامعة دينية تعنى بتخريج وصناعة علماء الدين، فى ضوء تطوير كليات أصول الدين، والشريعة والقانون، واللغة العربية، ولا تنشغل بتخريج أطباء ومهندسين، وللأسف أن الشيخ أحمد الطيب حين كان رئيسا للجامعة أعد مشروعا لتطوير الجامعة يفصل فيها بين الطابع الدينى الخالص، وبين الكليات المدنية، وأثار ذلك دعاة الجمود داخل الأزهر، وحين أصبح شيخا للأزهر وصارت فى يده كل السلطات، لم يسع إلى أن ينفذ مشروعه لإعادة تطوير جامعة الأزهر، على الأزهرا ن يعود من جديد لكى تكون مهمته هى العلوم الشرعية، وتطويرها وصناعة رجال دين جدد متسلحين بالمعارف الحديثة بالإضافة إلى العلوم الشرعية، فالأزهر هو درة الجامعات الإسلامية فى تاريخنا الثقاقى، ودوره ينبغى أن ينحصر فيما هو دينى وتجويده وتطويره ، وتظل قضية إصلاح التعليم فى الأزهر قضية ملحة لها تاريخ يعود إلى بداية القرن العشرين مع دعوات محمد عبده لإصلاحة وتبعتها جهود محمد الأحمدى الظواهرى، محمد مصطفى المراغى، وأمين الخولى، وعبد المتعال الصعيدى، وغيرهم الكثير.

لا يمكن تأسيس خطاب دينى جديد دون نقد للتراث

عندما نقرأ كتب الفرق والنحل نجد أن كلا منها ينحاز لطرف على حساب الآخر ويكفر كل منها الآخر، هل أزمة إقصاء الآخر التى تسود اليوم نابعة من هذه الكتب التى يرجع عمرها لأكثر من ألف سنة؟

أزمة إقصاء الآخر والتشهير به، وتكفيره هى أزمة تراثية تاريخية، لأن العقل العربى عقل يعيش فى ماضيه أكثر من حاضره، والذى حدث أن تراث الإقصاء فى الثقافة الإسلامية هو تراث كبير فى كتب علم العقائد والفقه الإسلامى، هذا التراث الذى يعكس الصراع بين الفرق الإسلامية على الحقيقة فبدلا من أن يكون الدين سبيلا للهداية والرشاد، وأن يكون الله هو محل الحقيقة، تنازع المسلمون سياسيا، وبدلا من أن يقروا بأن الخلاف سياسى وليس دينى، نقلوا الصراع إلى الدين، وإلى صورة الإله، فالكل يدعى أن سبيله هو سبيل الحق والرشاد، وأن ماعداه على كفر وضلال، وكل مذهب سعى إلى خصخصة صورة الدين والإله لحسابه هو، وأن الحق معه هو دون غيره، فالكل يكفر بعضه البعض، ويقصى بعضه بعض، ويعتقد أن تصوره البشرى للدين هو الدين الحق الذى ينبغى أن يدين به الجميع وأن باقى التصورات البشرية للفرق الاخرى على باطل، وينبغى إزاحتها لأنها ضالة وكافرة، وبدلا من أن يكون الدين طريقا للهداية، ومعينا للقوة الروحية للإنسان صار الدين على يد الفكر الدينى طريقا للتكفير، ونفى الآخر وإقصائه، وبدلا من تأصيل قيم التعايش والسلام والمحبة روج الفكر الدينى للقتل والعنف والدماء، لم تكن المحنة فيما أرسلته السماء، ولكن الأزمة فى صراعات الأرض التى تتخفى خلف المقدس وتتلاعب به لمصالح دنيوية بحته.

إذا كان الخطاب الدينى السائد يرجع لأزمنة سحيقة من تاريخنا الإسلامي، هل يمكن تجديد الخطاب الدينى إذن دون نقد كتب التراث؟

لا يمكن تأسيس خطاب دينى جديد، أو حتى تجديد الخطاب الدينى دون نقد حاكمية جوانب معينة للتراث ما زال لها تأثير بارز على حياة الناس وسلوكياتهم، فما زال هناك حضور لجوانب من التراث لها تأثير سلبى على حياتنا، مثل بعض أعمال أحمد بن تيمية، وتراث الإقصاء للفرق والمذاهب فى مدونات الملل والنحل، وتراث الإقصاء للأديان المغايرة للإسلام فى كتب علم العقائد، وتراث الفقه الذى يقصى الآخر فى موقفه من أهل الذمة وأصحاب الأديان الأخرى، وتراث الفقه الذى يكفر الفلسفة، ويكفر عمل العقل الحر. هناك جانب مظلم من التراث له تأثير سلبى وفاعل فى حياتنا اليومية، ويستند إليه دعاة الإسلام السياسى والحركات الأصولية، يجب القطع مع هذه الجوانب من التراث، ولا شك أن معظم المشاريع الفكرية المعاصرة قد قطعت شوطا كبيرا فى هذا الطريق والأمر فى حاجة إلى استكمال هذا النهج .