gomar الحداثة الأوروبية الغربية جاءتنا غازية، على ظهر بارجة حربية، وبنيران بارود مدفع، ينسف البشر والحجر. حداثة مُعسكرة، حداثة مُنقضة، خطر داهم، فسعينا لرد الخطر عنا. ومقاومة اقتلاع رياحه،

baron_antoine-jean_gros-battle_pyramids_1810

 

%d8%ac%d9%85%d8%a7%d9%84-%d8%b9%d9%85%d8%b1

جمال عمر

gomar

الحداثة الأوروبية الغربية جاءتنا غازية، على ظهر بارجة حربية، وبنيران بارود مدفع، ينسف البشر والحجر. حداثة مُعسكرة، حداثة مُنقضة، خطر داهم، فسعينا لرد الخطر عنا. ومقاومة اقتلاع رياحه، العاتية، لأشجارنا الثقافية وجذورها. هذا التحديث الغازى المُعسكر، سواء تحت شعار الثورة على الرجعية وأنظمة حكم استبداد العصور الوسطى. عام (١٧٩٨/ ١٢١٢ّ). أو (١٨٣٠/ ١٢٤٥) أو فى الهند (١٨٥٧/ ١٢٧٤) و(١٨٨٢/ ١٣٠٠). أو تحت شعار نشر الديمقراطية كقيمة عالمية إنسانية ضد الديكتاتورية فى (٢٠٠٣ / ١٤٢٣). هو تحديث غازى قائم على تصور أن هذه الشعوب لن تدخل العصور الحديثة عن طريق، أنوار العقل واختمار الأفكار، فى المجتمع، كما حدث فى بلدان أخرى، عبر تفاعل اجتماعى ثقافى وعبر قرون. بل السبيل لنهضة هؤلاء الناس هو «قوة قاهرة على قوم وادعين جُهلاء» تفرض، جبرا، رغما عنهم. فلن يوَاجَه الاستبداد السياسي، والوعى الدينى الغارق فى الماضي، بأنوار العقل. وبقوة الأفكار التى تبنى وتغير الوعي، ليتحرر الإنسان من داخله، فيحرر نفسه سياسيا من الاستبداد، ودينيا من وصايا الدين وأوصيائه. ويتحرر مجتمعيا، بنقد التقاليد من داخلها، وفك أسسها من داخل الوعى المجتمعي. بل رأى اتجاه التحديث المُعسكر، أن التغيير يحتاج إلى قوة قاهرة تفرضه، حتى ولو غازية.

هذا التصور، قائم على أن الحداثة يمكن أن تُنقل ويتم فرضها بالقوة. ويتم اختصار الحداثة فى ثمارها، ومُنتجاتها، وهذه يسهل نقلها. وبنقلها نصبح معاصرين وحداثيين. الحداثة هنا، مكون خارجي، مادي. الجانب الثانى لهذا التصور: هو اختصار معوقات التحديث في؛ الاستبداد السياسي، فما أن يتم القضاء على هذه الفئة المستبدة الظالمة أو ذلك الحاكم الديكتاتور، سيتفجر التحديث ويمطر التقدم، وتعم النهضة. وعلى مدى القرنين الماضيين فشل التحديث المُعسكر الغازي، مرة تلو الأخرى.

حين سعى المشايخ، أن يولوا الباشا حكم البلاد: «بشروطنا»، وينزعوها عن والى الخليفة، وضد إرادة بابه العالي. الباشا الجديد شعر، بضعف دولة الخلافة، وشعر بالخطر الهابة رياحه من الشمال عاتية، وأن المنظومة القديمة، لا تُغنى ولا تحمى من خطر. فكان السؤال ماذا يمكن أن يفعل؟ وأنه لا سبيل للاستمرار فى الانعزال عن العصر. فحتى إذا حاولنا الانعزال، فلن يتركنا عصرنا ولا قواه الفاعلة، أن نفعل أو نتكهف بكهف. فلا بد من التغيير. لكن تغيير ماذا؟ وكيف؟ وإلى أى مدى؟

سعت السلطة لاستخدام مُنتجات الحداثة، ونظمها الإدارية، كقشرة خارجية لتظل سلطة الفرد المُطلقة رابضة تحت السطح.

كانت بنية السلطة، قائمة على القوة المباشرة، الحاكم الفرد، الصمد، يفرض وجوده بقوة الشوكة، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون. والسلطة تقوم بوظائف محدودة فى المجتمع، حماية البلاد من الأعداء، وجمع الضرائب، واستتباب الأمن، فكلما كان الحاكم قويا، وممسكا بزمام الحكم. وسلطته سارية عبر خوف الخائفين من الخروج عليه. وساكنا فى القلعة المُحصنة، فهذا غاية المُراد ونموذج استقرار الحال. وليس للناس دور أو فاعلية فى ممارسة السلطة أو فى تقرير الأمور السياسية العامة للدولة. ونخبة المشايخ والتجار، تشير ولا تتدخل فى الأمر. لذلك كان المجتمع تقريبا يدبر أغلب أموره عبر كيانات مجتمعية أهلية؛ فمساحة العلاقة بين فرد وفرد فى المجتمع، تنظمها أعراف اجتماعية تاريخية، وفقهية تم اختصارها فى كلمة: «الشريعة». وظلت العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ضعيفة فى المنظومة الفقهية، تناولها مبحث «السياسة الشرعية» والتى هى أقرب لمؤلفات تصور واقع ما حدث فى تجربة دول المسلمين، أكثر مما هى تحاول تأصيله نظريا وفكريا، عبر مقولات الفقه وأصوله.

هذا جعل السلطة فى الغالب مُطلقة للحاكم، ولكنها سلطة فوقية، فأمور التعليم والأوقاف والطرق الصوفية، هى مجتمعية وأهلية فى الغالب. وحتى القضاء بصورة غالبة كان يختص بأمور المعاملات بين الأفراد والمواريث، ومسائل الزواج والطلاق. حسب الفقه التقليدى وحسب تقاليد الطوائف كل طائفة حسب معتقداتها. فلم تكن هناك أجهزة دولة داخلة فى هذه الشؤون، بل مجرد أجهزة فرض سلطة وجباية ضرائب، ومحتسب فى التجمعات السكانية الكبيرة. أما أمور المجتمع فتقوم عليها تجمعات اجتماعية من خلال مشايخ الحرف، ومشايخ التجار، ونظم الوقف الدينية للطوائف.

ليرى الباشا/ السياسى أنه لا سبيل لمواجهة الخطر إلا عبر قوة جيش وسلاح حديث. جيش أصبح هو العمود، الذى تقوم عليه وعلى ساريه خيمة الدولة، وتنظيماتها «الحديثة» من تنظيم إداري، ومدارس ونظم تعليم. ومصانع/ فوريقات، ومن نظم اتصال ومواصلات، جيش تُنشأ حوله الدولة بأرضها وببشرها. فحين يُصدر الباشا تنظيما إداريا عبر «سياستنامة» كتنظيم إدارى مكتوب؛ بإنشاء سبعة دواوين فأربعة منها تدور حول الجيش تقريبا، ديوان للجهادية وللبحرية وللفوريقات، التى هى مصانع للإنتاج الحربى وما يتعلق به «من ملابس للجيش وذخيرة …» وديوان للمدارس، التى هى مدارس عليا «سواء للتدريب العسكرى أو قصر العينى لصحة الجيش، أو المهندسخانة أو مدارس مبتديان ابتدائية ومدرستان تجهيزيتان ثانوية…» وديوان للوالى وديوان للإيرادات وديوان للتجارة والأمور الإفرنجية. أى أنها العناصر السيادية للسلطة، من جيش وعلاقات خارجية ومالية وأمن داخلي. هذه الدواوين صلتها مباشرة مع الباشا، ولا صلة لها ببعض. فكل الأطراف هى أطراف تتجمع عند الباشا وفى حِجرِه.

عملية تحديث مُسيسة، يحدد أهدافها رجل السياسة، الحاكم، هى أيضا اختصرت الحداثة فى ثمارها ومُنتجاتها، من نظم تنظيم وإدارة، وفوريقات، وسفن ومدافع ومدارس للطب والتشريح وللهندسة و…. الخ هذا التحديث المُسيس قائم على حداثة منقولة ثمارها ومنتجاتها المادية. دون الأشجار التى أنتجتها، ولا طريقة الزراعة التى أنبتت أشجارها؛ من أسس فلسفية وفكرية، وقيم. وقام التحديث المُسيس على التجاور بين القديم على حاله، وإنشاء نُظم حديثة تجاوره. بل حاولنا التوفيق ان يظل القديم على حاله ونطليه من الخارج بطلاء حديث. وإذا كانت الحداثة فى أوروبا قد نقلت الحكم، من حكم الفرد المُطلق، إلى حكم القانون، أى من حكم الفرد إلى حكم المبدأ، وتقاسم السلطة فى جوانب ثلاثة مُستقلة تتعاون فى سياسة أمور البلاد. ولا تكون كلها بيد فرد واحد لا مُعقب على قوله. وأصبحت هناك منظومة حقوق تحمى الضعيف من سطوة الأغنياء. وتحفظ حقوقا للضعفاء فى مواجهة الأقوياء وأصحاب النفوذ. عبر قرون وتجارب تاريخية مرت بها هذه الشعوب، فكيف سيتعامل معها الباشا؟ وتحديثه المُدار لتحقيق أهداف سياسية بطبيعتها قصيرة المدى؟ وكيف سنوفق بين القديم والحديث؟

فسعت السلطة لاستخدام مُنتجات الحداثة، ونظمها الإدارية، كقشرة خارجية، كطلاء. كبدلة تُلبس. وتظل السلطة هى سلطة الفرد المُطلقة رابضة تحت السطح. السلطة «الحديثة»، ودولتها «الحديثة» جيش «حديث» تديره أسرة الوالى وأشياعهم. ويظل الفرد مجرد أداة، يدفع ثمن تطلعات الباشا السياسية التوسعية، الحالمة بميراث دولة الخلافة المريضة. لا هو من رعايا الباشا حسب النسق القديم ولا هو مواطن ذو حقوق وحريات. بل سعت الحداثة الفوقية المفروضة جبرا، إلى تكسير عظام المجتمع، بتفريغ تكويناته الاجتماعية الموروثة من العصور الوسطى، عبر خلق رأس لكل كيان اجتماعي، والسيطرة على الكيان، من خلال سيطرتها على رأسه، فيصبح هيكلا «مخوخا» من الداخل. وإن لم يخضع الكيان الاجتماعي، يتم القضاء عليه بالتدريج. ليتحول المجتمع إلى مجرد أرض وسلطة وجحافل من البشر، دون هيكل عظمي، اجتماعي. فيصبح مجرد كوم من اللحم والشحم، أو مجرد قطيع يتم التحكم فيه من خلال ميكرفون إعلام وعصا أمن ضاربة، تحتكرهما سلطة. سلطة تتصور حسب تقليديتها، أن وجود اى كيان او قوة أو تنظيمات، هى خطر عليها يجب السيطرة عليها أو تفريغها من مضمونها وإما القضاء عليها. وإذا ضرب عمود خيمة التحديث المُسيس كما حدث سنة (١٨٤٠) وحددت أعداده وتسليحه أو ضرب أذرعه فلا تطول كما حدث سنة (١٩٦٧) ينتهى الزعيم ويتحلل التحديث وتدخل البلاد فى نفق، مُظلم، من التشظي. قرنان من التحديث (المعسكر/ الغازي) والتحديث (المُسيس/ السلطوي/ الفوقي) ليظل تحديثنا مجرد قشرة، خارجية، جافة، رابض تحتها القديم بتصوراته، حية، نابضة، تسعى. فهل من سبيل لتحديث جديد لا هو (مُعسكر/ غازي) ولا هو (مُسيس/ سلطوي/ فوقي) تحديث نزرعه فى أرضنا حياة وليس مجرد نقل تسليم مفتاح لنتاج ما زرع آخرون؟

والله أعلم.