mogebriel تحتاج أطروحات النخبة المضادة إلى البدء فى مساءلتها بعد سقوط الإسلام السياسي، تمهيدًا لتفكيكها جذريًا، خاصة بعد غياب معظم رموزها تاركين آرائهم تسرى على نطاق واسع فى النقاشات السائدة

d8a7d984d985d8b3d98ad8b1d98a
%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%ac%d8%a8%d8%b1%d9%8a%d9%84

محمد جبريل

mogebriel

تحتاج أطروحات النخبة المضادة إلى البدء فى مساءلتها بعد سقوط الإسلام السياسي، تمهيدًا لتفكيكها جذريًا، خاصة بعد غياب معظم رموزها تاركين آرائهم تسرى على نطاق واسع فى النقاشات السائدة حول الحداثة والتراث والدولة والعلمنة، بدءًا من اللقاءات النخبوية وحتى الأحاديث الجانبية على مقاعد الدراسة.

والنخبة المضادة مصطلح أحاول أن أصف به مجموعة من المثقفين الذين حصلوا على مستوى عالٍ من التعليم العصري، وتبنوا، غالبًا، إيديولوجيات عصرية تابوا عنها لاحقًا مع الاحتفاظ بمفاهيمها وبمناهجها لاستثمارها فى نقد تلك الإيديولوجيات. وتميل تلك المجموعة إلى الشك فى الحداثة والعلمنة وفى المعايير الكونية بشكل عام وتقف على أرضية الخصوصية والأصالة، عملًا بمبدأ أنه ليس لثقافة أفضلية على أخرى، ولأن الحداثة فى نظرها إن لم تكن مسئولة على النازية والهولوكوست والفاشية كما قال عبد الوهاب المسيري، فهى سياق استعمارى فى جوهره يجب نقده وتفكيكه، ورغم موضع هذا التيار لنفسه فى موقع الهامش بين التيارين الإسلامى والعلمانى فقد كان فى قلب النقاشات دائمًا منذ السبعينات حتى الآن.

بدأت هذه النخبة حداثية مؤمنةً بالتحرر من كل أشكال الاستعمار وتحقيق النهضة الشاملة والتصنيع والاشتراكية، وانتهت إلى الـحداثة البديلة، التى ليست سوى الـتمسك بالثقافة الإسلامية والمحافظة عليها. المفارقة بحسب الكاتب السودانى محمود المعتصم فإن مفكرا مثل عبد الوهاب المسيرى يقترح هذه المحافظة كنوع من «التحرر».

بالطبع كان النقد المتزايد منذ عقود، مع اليسار التائب وغيره، لهامش الحداثة فى مجتمع يعانى تأخرا شاملا مهَّد الأرض وهيأ المناخ لاكتساح أصولى لا زلنا نعانى آثاره حتى الآن، حيث غابت النخبة المضادة، وبقيت ثمرتها جيلا من الشباب الإسلاميين الغاضبين الخارجية عن إيديولوجيا الدولة والحالمين بعدالة السماء وشريعتها، رسمتْ لهم تلك النخبة الخطوط العريضة لإيديولوجيتهم ومدتهم بالحجج والمفاهيم اللازمة لتحصينهم من «رجس» الحداثة، وتركت التفاصيل للقادة الحركيين للمنظمات الإسلامية الذين أدلجوا هذه القواعد الشبابية -بالمعنى السيء الصيت للإيديولوجيا- واعتمدوا عليها فى حيازة النفوذ والوصول إلى السلطة، بعد التدمير الممنهج لليسار، البديل الحقيقى للأصولية وخلو الطريق أمام «أهل الأصالة».

بالنسبة إلى القضية الأولى والأخيرة على جدول الأصالة، وهى الشريعة: يعتبر طارق البشرى مثلًا أن إقصاء الشريعة مع الإمكانات الهائلة لتطويها عبر التحامها بالحركة التشريعية، جرى بيد الهيمنة الاستعمارية وبعد حصول بلادنا على استقلالها من الاستعمار، بقى هذا الإقصاء وبقى له المهنيون «القضاة والمشرعون» المدافعون عنه والمفكرون الزائدون عنه، ويستدرك البشرى بأنه ليس المطلوب العودة إلى ما قبل الاستعمار لكن المقصود هو أن إرادة الاستقلال لا تحقق كاملة إلا مع الإدراك الثقافى والحضارى المتميز -البشرى مقدمة كتاب الشريعة والحداثة لعبد الله على إبراهيم- ما لم يصرح به البشرى هو ما جدوى هذا الإدراك المتميز بعد عقود من رفع لوائه على حراب الأصولية الدينية المكتسحة لـلشارع، ولا يريد البشرى إغلاق الباب أمام الاقتباس من التشريع الغربي، بل يحاول قلب المعادلة فبدلًا من أن يكون القانون الوضعى أساس البنية التشريعية فى مصر مع الاقتباس من الشريعة، يسعى لأن تكون الشريعة هى الأساس مع فتح باب الاقتباس من البيئة التشريعية الغربية، لكن القيادى الإسلامى الحركى الشهير حسن الترابى له رأى آخر فى المسألة فهو يرى أنه لا حاجة لبنية تشريعية من الأساس ولا لجهاز قضائى ودستوري، لأنه عند تطبيق الشريعة سيتولى القضاة الشرعيون مسألة التشريع للجهاز التنفيذى رأسًا دون وسيط، وأن وضع دستور إسلامى معناه إلغاء تشريع القوانين من الأساس لأن القضاة سيستنبطون أحكامهم من القرآن والسنة مباشرة. رأى الترابى يعكس وعى فائق الأهمية بتناقض الدولة الحديثة ومؤسساتها مع تطبيق الشريعة.

ويتساءل البشرى عما كان سيجنيه المجتمع لو أن العقول القانونية الفذة التى صرفت كل طاقتها لاستزراع القانون الوضعي، لو انها توجهت لدعم حركة التجديد الإسلامي، لكانت النتيجة أننا سنقدم مدرسة فى الفقه «ذات شأن شديد الإلفات» – دائمًا لفت نظر العالم هو الأهم؛ لكن الآن بعد مرور قرن على الأقل من مسيرة التشريع المصرى المنقسمة على اتجاهين: مدنى وجنائى يختص به المشرعون العلمانيون وشرعى فى الأحوال الشخصية تختص به مشيخة الأزهر، نجد أن أى محاولة من الأزهر نفسه لإقرار وضع اقتصادى معين كفوائد البنوك شرعيًا، يواجه بحسم من الجسد الدينى الإسلامى الرسمى والحركي، أما محاولة رئيس الجمهورية نفسه بإلغاء الطلاق الشفوي، فقد قولبت بأشد درجات الصلابة من المؤسسة الأزهرية بكاملها وبأشد درجات العداء من هيئة كبار العلماء، وبالتالى ليم المشرعون المصريون على عدم اجتهداهم فى تطوير الشريعة بلا معنى تقريبًا فى ظل الجمود الذى تحميه جحافل من ذوى السلطة والنفوذ على الشارع.

بوضوح وأتمنى أن أكون مخطئًا إن حركة التجديد الإسلامى ولدت ميتة ولا أحد يمتلك الشجاعة لدفنها أو القدرة على إحيائها.

على هامش ذلك الخطاب يحاجج البشرى -بمنطق غاية فى الخطورة – فيقول «العلمانى الوطنى إن بقى على وطنيته السياسية فإن التقارب الفكرى و«التنظيمي» -يقصد مع الإخوان على الأرجح- آتٍ بعد ذلك». فالمنطق الضمنى الذى يحكم تصور البشرى هاهنا هو أن المثقف العلمانى الذى لن يتماهى مع الإسلام السياسى فهو فاقد لوطنيته وإلا انخرط فى مشروعهم.

فى مرحلة مبكرة حولت الإخوان الشريعة إلى ايديولوجيا سياسية وسعت لمساءلة القانون الوضعى ومشروعية تطبيقه فى بلد مسلم، مطالبة بتقنين الشريعة مرحليًا وحتى التمكين، حيث يجرى تأسيس دولة الشريعة، على اعتبار أن الدولة الحديثة محض إرث استعماري. كان هناك إجماع بين التيارات السياسية على أن الاستعمار كان يهيمن على المجالات السياسية والاقتصادية، وخلاف على المجال الثقافي، فبينما يرى الأصوليون ان الاستعمار غزا الثقافة، ومن ثم يجب الرجوع إلى نبع الشريعة الصافي، يرى العلمانيون أن ما حدث مثاقفة دافعة للتقدم يحتاجها البلد ولا بديل لها فى التراث الثقافى الإسلامى الذى فقد فاعليته منذ دخولنا عصر الحداثة. قطع العصر الناصرى الطريق على تطور وتمدد الإيديولوجيا الإسلامية، لكن بعد هزيمة 67 بدأ النقاش الذى فرضه الإسلاميون الحركيون أو الدائرون فى فلك الأصولية على المجال العام، ففسروا الهزيمة دينيًا وفسروا النصر اللاحق دينيًا وفككوا الإرث الناصرى فى العدالة بتبريرات دينية، ودار الجدال حول تطابق القانون مع الشريعة، وبدأ المجتمع يحصد ثمرات الانقسام المزروع فى الحقبة الاستعمارية حيث تحول القرن العشرين -إلا قليلا- إلى صراع سياسى وفكرى مثلت «الشريعة» الساحة التى جرى عليها، والسلاح الذى حسم معظم جولاته، وظل ذلك الصراع مظلة تغطى الحياة السياسية فى البلد أيًا كان الطرف المنتصر والمغلوب فيه، حتى تحولت الشريعة نفسها إلى منظومة قانونية محافظة ومستعصية على التجديد، بحكم القوى التى تبنتها كبرنامج سياسى وشعار، وبحكم المؤسسة الأزهرية التى احتضنتها وانكفأت على نفسها لتحفظ بقية الدين فى عصر لم يعد يعبأ بالدين، وبحكم رد الفعل العلمانى على ذلك الوضع الغريب، فقد استدعت المطالبة المتشنجة بفرض الشريعة -الآن وليس غدًا- أسوأ مشاعر اللاوعى العلمانى الذى اعتبر أن مقبرته ليست سوى تحقق ذلك الحلم الإسلامى المبارك.

بالعودة إلى سؤال النخبة المضادة، تقول هبة رؤوف عزت ما فعلته هذه النخبة هو أن «تعاطت نظريًا مع متغيرات عودة الدين للمجال العام»، من كتاب «حال تجديد الخطاب الدينى – مؤلف جماعى – ص 25، ط الشروق» لكن حجم هذا التعاطى النظرى قد امتد إلى نقض مسيرة الحداثة، بحجة تبعية النبخة المثقفة لأنبياء عصر التنوير، وكأن تبعية نخبتنا المضادة لمفكرى ما بعد الحداثة هى الفتح النظرى الذى ينبغى أن يُتبع ويسود.

حركة التجديد الإسلامى ولدت ميتة ولا أحد يمتلك الشجاعة لدفنها أو القدرة على إحيائها

أثبتت النخبة المضادة عجزًا فادحًا عن دراسة الدين فى سياقاته التاريخية والاجتماعية أو دراسة الفروق العقائدية والتشريعية بين مذاهبه المختلفة، فالدين فى منظورها «مطلق» يتساوى بين جدارنه الوهابية أو الأشاعرة والصوفية، الدين الرسمى الذى تتبناه السلطة أو دين المعارضة، واكتفت بالحديث عن التراث كمفهوم شامل ومضلل، بغض النظر عن التيارات المتصارعة فيه، والأهم أنها تفتقر بشدة إلى التحليل الاجتماعى لنشأة الجماعات الدينية أو تطورها وعوامل صعودها أو أسباب انحسارها أو الفئات الاجتماعية التى نظمت نفسها بينها، بينما تتحدث دائمًا عن «عودة الدين» وكأن الدين عاد بنفسه إلى المجال العام دون جماعات ترفعه كبرنامج وشعار وفرضت الحديث حوله على أجندة المجال العام.

وقد كان الهدم المتواصل على المستويين النظرى والثقافى من قِبَلها، والهدم السياسى الاجتماعى من قبل الجماعات الحركية إيذانًا بعودة شبح الدولة الدينية فى واحد من أكثر أشكاله انغلاقًا، وإطاحةَ بمنجز تحقق عبر مجهود أجيال متعاقبة هو الدولة الوطنية. وبالطبع لا تريد النخبة المضادة فى حربها المفتوحة على العلمانية، دولةً دينيةَ، بل تحلم بتجاوز الثنائية «الدينية – العلمانية» إيمانًا بتوافر البدائل. لكن ما تغفله أن البديل للنقيضين لا تحمله قوة سياسية ولا يستند إلى شرائح اجتماعية تؤمن به وتسعى لتمثيله، فيُترجم سياسيًا، فيتحول الطرح البديل بمجمله إلى وردة فى عروة الإسلام السياسي. ومن هنا فالأصولى الذى ينادى بتطبيق الشريعة عن قناعة لاهوتية راسخة يغلف خطابه بمفاهيم الهوية الثقافية والحق فى الخصوصية والأصالة وإخفاق الحداثة والعلمنة، وهى الهوية التى «اخترقها الاستعمار، ويجب التخلص من ذلك الغزو بفرض الشريعة» فيحمل فى ضربة واحدة ايديولوجيا لاهوتية وخطاب ما بعد حداثي، إن جاز التعبير. ورغم وجاهة أطروحات النخبة المضادة وجدواها بالنسبة إلى المجتمعات المتخمة بالحداثة والعلمنة، فإنها ليست بنفس القدر والوجاهة فى بلد يهدد وجود دولتها جماعة دينية، بحجم الإخوان مثلا، ومجتمع لا يزال خاضعًا إلى حد بعيد لإكراهات الفكر الدينى الذى لم تطاله يد التجديد منذ قرون. فطرح الدين، فى ظل عدم تجديد فلسفته وأحكامه، كعلاج لمشكلات الحداثة لا يأخذ فى الاعتبار أن الدين لا يصلح لسد ثغرة أو لحل مشكلة جزئية بل يصلح -وفقط- بديلًا شاملًا وكليَا للحداثة مناقضًا لها وسابقًا عليها، إذا أردنا الوضوح.

فى المحصلة، تلك النخبة قدمت ذخيرة نظرية قوية ظلت تحتمى بها الجماعات الدينية إلى أن وصل الإخوان إلى السلطة، فرأوا أن مفاهيم الهوية والخصوصية والأصالة أصبحت عبئًا عليهم، وأن هذا هو زمان التمكين، فدخلوا فى صادم شهير مع هبة رؤوف عزت، وتجاهلوا البشري، ولم يكن جلال أمين على جدول اهتمامهم، وخاصموا حزب الوسط، فتورات النخبة البديلة وبقيت غرغرينا الإسلام السياسي.