mhagag كاد أحد الرحالة المسلمين أن يفقد رأسه فى حضرة بلاط السلطان خوارزم شاه، حينما صرح أن هناك أرضا تشرق عليها الشمس وقتما تكون أرض أخرى تحت ضوء القمر، حتى

charles-darwin
lll

معتز حجاج

mhagag

كاد أحد الرحالة المسلمين أن يفقد رأسه فى حضرة بلاط السلطان خوارزم شاه، حينما صرح أن هناك أرضا تشرق عليها الشمس وقتما تكون أرض أخرى تحت ضوء القمر، حتى أنقذه البيروني، عالم الفلك وأول من قال بدوران الأرض حول محورها. وقف الإسلام الأصولى قديما، كغيره من الأصوليات، فى مجابهة المعرفة الإنسانية، فحرم نقل علوم الأوائل من رياضيات وفلسفة وفلك التى وجدوها فى الدول المفتوحة، أو حاول أن يفرض عليها سطوته الدينية، استنادا على رد عمر بن الخطاب على سعد بن أبى وقاص بعدما فتح بلاد فارس، التى وجد بها كتبا كثيرة، فأرسل لعمر يستأذنه فى تلقينها للمسلمين، فقال: “اطرحها فى الماء، فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله بأهدى منه”. لكن عاملا واحدا حينها وقف فى صف تلك الكتب قليلة الحيلة، كنا فى طور الحضارة الصاعد، وما كان لهذا أن يحدث لو أهملت معارف الحضارات الأخرى، فحتى عمر نفسه سيأخذ عن الفرس علم الإدارة كى يستطيع حكم مساحات شاسعة طواها الفاتح العربى أسفل حوافر خيله.

لم تكن حضارتنا فى مجدها متسامحة مع معارف الدول المفتوحة، رغم ذلك أجبرت على شيء من الانفتاح على ثقافتها، فزادت الفرق والمذاهب وساد الجدل حلقات العلم، وتحالفت النخبة العسكرية العربية الفاتحة مع النخبة الثقافية الأعجمية للبلاد المفتوحة، فنمت الترجمة والتأليف فيما بعد. لكن أغلبها، خاصة علوم الطبيعة، ظلت حبيسة بلاط السلاطين وأهوائهم، إذا حكم خليفة متفتح كهارون الرشيد نشطت وإلا تنطفئ شعلتها، ولعدم اكتمال الترابط بين المعرفة النظرية والتطبيقات التكنولوجية فى هذه العصور عموما، لم يؤثر هذا الهجر للمعرفة كثيرا على وضع الحضارة، ولم يكن أيضا قد تمت سيطرة الأصوليين على مقاليد الأمور سيطرة تامة، الأمر الذى سيحدث فى النهاية، وإن كانوا فى كل الفترات السابقة مصدر إزعاج للعلماء، فأحرقوا كتبهم وحاصروهم فى منازلهم، ونال بعضهم عقاب الحكام وهياج المحكومين. ثم غادرت الحضارة مجتمعاتنا بعد ما قدمه علماؤنا للمعرفة الإنسانية من إنجازات، وأخذت معها الانفتاح النسبى على العالم، وتركنا تحت رحمة خيال الأصولية الإسلامية الخانق المفلس، تحقيقا لقول أبى بكر الخوارزمى “إذا تم أمر بدا نقصه.. ترقب زوالا إذا قيل تم”.

عندما وقع انقلاب الجنرال “ضياء الحق” فى باكستان، منع التليفزيون الباكستانى إذاعة النشرة الجوية عاما كاملا منذ سنة 1983، لأن القوى الإسلامية المتشددة المتحالفة مع نظامه كانت ترى فى التنبؤ بالأرصاد دربا من علم الغيب. يعد نموذج ضياء الحق النموذج الأكثر مركزية فى تنفيذ الفكرة الأصولية لأسلمة العلوم، فقد قاد أسلمة رسمية شاملة للمجتمع وعلومه، فأخضع المدارس الحكومية للعلوم التقليدية، ومنع تدريس نظرية داروين منذ عام 1977، وأقام عديدا من اللجان والمؤتمرات تهدف إلى أسلمة العلوم برعايته، والتى يقدم فيها أبحاثا على شاكلة “التركيب الكيميائى للجن وعلاقته بصورة النحل فى القرآن”، وتدور جلساتها حول “أشياء لا يعلمها إلا الله”، كما حدث فى المؤتمر الدولى للمعجزات العلمية فى القرآن والسنة فى باكستان عام 1987.

وعلى رغم طرافة النموذج الباكستانى إلا أن دولا إسلامية أخرى كان لها نماذج أشد طرافة، واحد من تلك النماذج هو النموذج المصري، والمصرى معروف بخفة ظله، ومن ضمن أولائك الظرفاء كان مصطفى محمود الأشهر بينهم. فتراه يرد فى كتابه “حوار مع صديقى الملحد” الشهير على محاوره ردا لا يخلو من الهزل بقدر عدم خلوه من الاستغفال: “والذى يسألني؛ لماذا خلق الله الخنزير خنزيرا؟ لا أملك إلا أن أجيبه، بأن الله اختار له ثوبا خنزيريا لأن نفسه خنزيرية، وأن خلقه هكذا حق وعدل”. هذا الكتاب الذى حقق ويحقق أرقام توزيع فلكية أعتبره أعظم مثال على أزمة المعرفة فى مجتمعاتنا.

لم تخض مجتمعاتنا ذلك الصراع الأخير الذى خاضه العلم حتى يخلص نفسه من الأسطورة الشعبية والأفهام الضيقة لرجال الدين، ويتخذ لنفسه قواعد لا يحيد عنها سواء فى نتائجه أو نقضها، لكننا علمنا بهذه النتائج فى صورة الرصاص والمدافع وما حمله الاستعمار الغربى من موت ودمار لأراضينا، فانكب رواد النهضة على العلوم قديمها وحديثها لمعرفة مكامن الخلل الذى أدى لهذا المشهد المأساوي، مملوك يركض بحصانه فى مواجهة تشكيلات جيوش نابليون حديثة التجهيز، فى شهقة أخيرة لحضارة تحتضر. ولأن الحروب إحدى وسائل انتقال الحضارة، كما كان الغزو العربى للأندلس قديما، خرج من هذه المرحلة تيار إصلاحى يريد تجاوز هذه الفجوة الحضارية، ورغم أن كثيرا من اجتهاداتهم لم تكن صائبة، لكن وفقا للسياق العام كانت جيدة ومبشرة بعالم أفضل. إلا أن انهيار مشاريع دول ما بعد الاستقلال السلطوية جعل عقارب الساعة تعدو إلى الوراء، وارتدت أغلب الأنظمة التالية عليها ثوب الأسلمة لإخفاء عدم شرعيتها، سواء كانت هذه الأنظمة انقلابات على انقلابات، أو من داخل انقلابات، وتركت للإسلاميين فرصة إيهام الشعوب بتسجيل انتصارات زائفة على المحتل القديم.

لا أعتقد أنه من قبيل المصادفة أن يختار محمود صديقه الملحد دكتورا حاصلا على شهادته من فرنسا، ولا أظن أيضا أنه اختاره عن وعى وترتيب، فى ظنى أن اختياره للمحتل القديم الأكثر تأثيرا فى وعى النخب العربية، ولا سيما مصر ودول شمال إفريقيا، كان ناتج عن لا وعيه الذى يريد تحقيق انتصار زائف على عدوه، فرسم له صورة رجل ساذج يسأل أسئلة محسومة، تكفل القرآن بالإجابة عنها، فلا سبيل أن تسأل عن حقوق المرأة والقرآن قد كرمها بالضرب وقد أثبت العلم الحديث أنه علاج لها “الضرب والهجر فى المضاجع من معجزات القرآن فى فهم النشوز، وهو يتفق مع أحدث ما وصل إليه علم النفس العصرى فى فهم المسلك المرضى للمرأة”.. انجاز علمى فى سطرين دون أن نلطخ أيدينا بتراب العلم!

ساعدت هشاشة مؤسسات الدولة وعلى رأسها العلمية، واعتمادنا على استيراد تطبيقات العلم من الغرب المتقدم، دون الخوض فى أحدث تجاربه ونظرياته، ونتيجة لتراجع علوم الدين واقتصارها على نقل التأويلات القديمة، غزت هذه الهرطقات مجتمعنا وضمن السيادة لها، وفى السياق المصرى كانت هزيمة 1967 دافعا قوي، وإن كانت ثغرات اللامعقول كامنة فيما قبل هذه اللحظة. ولا جرم على المواطن الخارج من معسكرات قتل الفكر النقدى الملقبة زورا بالمؤسسات التعليمية، والذى لم يشارك فى إنتاج الأدوات التى يستخدمها، المتضرر من قرارات حكامه المتهورة واستبدادهم، فى أن يسقط فى شباك الجهالة، الجرم على من تواطأ فى نصبها له.

فاستقبلنا رأيه فى نظرية داروين على انها دليل علمى على وجود الله وإعجاز القرآن، بعدما قام بتأويل متعسف لآيات الذكر الحكيم، وأعلن فى غير موضع أن فى نظرية داروين فجوة، وهذه الفجوة هى أنه لم يستطع أن يستدل بنظريته بوجود صانع عظيم خلف التطور، كما يوجد صانع ذكى خلف الساعة. وهو بذلك يقف فى خندق الذين يستدلون بالداروينية على عدم وجود الله، الاثنان يقومان بإدخال الله إلى المعمل ووضعه تحت الميكروسكوب، رغم أن هذا الأمر يقع خارج حدود أدوات العلم ولا يمكن أن يفصل فيها.

لم تخض مجتمعاتنا ذلك الصراع الأخير الذى خاضه العلم حتى يخلص نفسه من الأسطورة الشعبية والأفهام الضيقة لرجال الدين

ورغم أن الفريد والاس المتدين قد توصل لاستنتاجات داروين اللاأدرى حول التطور، وأن عديدا من أعلام البيولوجى والتى تعد نظرية داروين حجر الزاوية فيها، بتعبير دوبجانسكي، مؤسس البيولوجيا التطورية “ليس هنالك ما هو قابل للفهم، أو له معنى فى البيولوجيا إلا فى ضوء التطور”، مؤمنين، إلا أن النظرية ارتبطت فى الثقافة العامة بمعارضة تفسير الدين للخلق، وكان لدور كل من الملحدين هاكسلى قديما ودوكنز حديثا دورا سلبيا فى إدخال النظرية فى صراع ميتافيزيقى بحت. وإلى الآن حتى فى الغرب يظل الصراع حول النظرية فى الثقافة قائما، أما فى المعامل فالأمر محسوم، لكن ما يوقف مسعى الأصولية المسيحية، هو رسوخ المؤسسات العلمية هناك، والتطبيق التكنولوجى الهائل لنتائج العلوم، والاستثمارات الباهظة التى تصرف من أجل تعضيد العلم والاستفادة المثلى منه.

ويسوق محمود فى نقده للداروينية دلائل إن أشارت لشيء فهى تشير إلى أنه لم يقرأها، فقد اعتبر أن داروين لم يفسر الجمال فى الكائنات، مع أن داروين فى كتابه فصل الأنواع قد خصص بابه الخامس “قوانين التباين” فى تفسير أسباب التنوع فى الكائنات، واستخدم المثال الذى طرحه محمود، وهو ذيل الطاووس. وفى حلقة له عن الداروينية يقول يوجه لداروين سؤال “لماذا لم ينقرض الشمبانزى لو أننا ارتقينا منه؟” وهو دليل آخر على أنه لم يقرأ الداروينية، فالإنسان لم يتطور عن القرد، بل كليهما جاء من سلف مشترك، فالتطور شجرة وليس سلم للاتقاء.

ويترك محمود داروين فى ثراه ليقلق الفراعنة فى ثراهم، فيصنع حلقة “الهرم المعجزة”، تقلب كل ما نعرفه عن الحضارة الفرعونية، فهو يقول لنا ان خوفو مؤسس الهرم الأكبر تعنى بالهيلوغريفية “الله جل جلاله”، والمسلات هى “مآذن التوحيد فى مصر الفرعونية”، و«القرآن يخبرنا بأننا أمام شعب مؤمن يكتم إيمانه من الحكام والكهنة”، وأن مهندسا يدعى دربال صنع مجسما للهرم بنفس أبعاده واتجاهات أضلاعه، ووضع بهاطعاما وشفرة حلاقة، ولم يفسد الطعام وظلت شفرة الحلاقة حادة، وهذا الأمر لو صح لسارعت شركات كبرى فى تطبيق هذه التقنية لتجنب تكاليف التبريد والحفظ، بل لقد وصل بمحمود الأمر إلى أن يقسم بأنه قام بالتجربة بنفسه وأدت إلى نفس النتائج.

والحقيقة أن «محمود» قد نقل تلك الخزعبلات نقلا عن أنيس منصور فى كتابه “الذين هبطوا من السماء”، والذى نقلها بدوره عن ليل واطسون من كتابه “فيما وراء الطبيعة”، والذى يأخذنا إلى أنه أنيس وليس حتى المصدر الأجنبي، هو التأثر الملحوظ لمحمود بأنيس والبادى فى تشابه عناوين كتبه لكتب الأخير، والذى يعاود لمشاهدة الحلقة سيجد أن جملة الذين هبطوا إلى السماء تسللت لحديث محمود فى سياق كلامه فى الدقيقة 19.

كان توجه دولة العلم والإيمان بقيادة السادات تربة خصبة لنمو تلك الخزعبلات، ففتحت المؤسسات الإعلامية المقروءة والمرئية أمام محمود ومن سار على طريقه، وعرفانا بالجميل وجه الأخير سهام نقده للماركسية، سواء فى برنامجه الذى حمل شعار الدولة أو فى كتبه، وكانت جميعها تشويه لا نقد، يفتقر للقراءة الموضوعية، التى تنظر للأمور فى سياقاتها التاريخية، بخلاف التدليس المتعمد والجهل بالماركسية.

عندما أمسكت كتابه “لماذا رفضت الماركسية؟” مؤخرا لكتابة هذا المقال، فتحت 29 هامشا أسفل سطوره، لن أستطيع أن أقف عليها جميعا، وسأكتفى بملاحظات سريعة. أول ما لاحظته هو تعاليه الناس وتحقيره للأغلبية “الأغلبية دائما عبيد هوى”، “فالأغلبية هى الغوغاء”، “الماركسية تجعل الجوعانين يحقدون على الشبعانين”. والثانى هو التدليس على تاريخ الماركسية “وبدأت الثورة البلشفية بهدم المساجد والكنائس وإحراق الأناجيل والمصاحف”، وهو سحب جرائم عهد ستالين على لينين، فقد كان ضمن شعار البلاشفة الحرية الدينية التى حرم منها 16 مليون مسلم تحت سلطة القيصرية الروسية حينها، وكثيرا ما انضمت تيارات إسلامية للحزب البلشفى ولصف الجيش الأحمر فى الحرب الأهلية، مع التفرقة بين مذهب الحزب والدولة المتجردة من التحيز الديني، وبين إمكانية أن يكون فى أعضائه متدينون، فقد انضمت قرى وفصائل وتنظيمات بأكملها إلى صفوف البلاشفة، حتى قال القائد البلشفى التتارى مير سعيد سلطان غالييف “خلال الحرب الأهلية كان من الممكن أن ترى قرى بأكملها تشارك فى المعركة فى صف القوات السوفيتية وضد قوات بيشاراهوف، فقط لأجل أهداف دينية، السلطة السوفيتية تعطينا حريات دينية أكبر من تلك التى يعطيها البيض”. ورغم محاولة حصار الثورة بـ14 جيش أوروبى وآسيوي، إلا أن الحريات الدينية ظلت فى حالة جيدة، وضم الحزب البلشفى كثيرين من مسلمى وسط آسيا، قبل أن يستأثر ستالين ومعه شوفينى روسيا من ضباط الجيش وكبار موظفيها بالسلطة، ويقوموا باستراتيجية هجوم على المظاهر الدينية.

لكن من ذا يستطيع الوقوف فى وجه كتاب محشو تدليسا، إذا ما كان الكتاب يستشهد بسلطة فوق النقد فى مجتمعاتنا، سلطة الحاكم وهذا ما أشار إليه الرئيس السادات فى كلمته التاريخية: «لقد ترك لى عبد الناصر تركة من الحقد لا أجد لها إلى الآن حلا”. ومع أننى لا أقدر نظام عبد الناصر، أرى أنه وجد لتركته حلا فى خيال مفكره المفلس.

 

*الصورة لتشارلز داروين عالِم الأحياء وصاحب نظرية أصل الأنواع