matallah غالباً ما تعاطى مؤرخو الإسلام والفكر الإسلامي مع سنة ٤٠٩ الهجرية بأحادية. فلا شيء مهم حدث خلال هذا العام سوى تلاوة الخليفة القادر بالله على الملأ رسالة ضمَّنها تكفير

5549cf2c251441820093599
%d9%85%d8%a7%d9%8a%d9%83%d9%84-%d8%b9%d8%b7%d8%a7%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87

مايكل عطاالله

matallah

غالباً ما تعاطى مؤرخو الإسلام والفكر الإسلامي مع سنة ٤٠٩ الهجرية بأحادية. فلا شيء مهم حدث خلال هذا العام سوى تلاوة الخليفة القادر بالله على الملأ رسالة ضمَّنها تكفير مَن يقول بخلق القرآن إضافة إلى ثوابت التوحيد الإسلامي. وبالفعل، منذ ابن الجوزي وصولاً إلى محمد أركون وانتهاءً بجورج طرابيشي، تجاهل مؤرخو الإسلاميات بشكل تام وعلى طول الخط أية مفارقات تُلابِس هذه السنة.

ومن منظور العلاقة بين الفقه والعلم في الثقافة الإسلامية، سأحاول استنطاق مفارقة هامة.

ففي الوقت الذي كان فيه الخليفة القادر بالله منْكبّاً على اضطهاد وتكفير وتنكيل “الآخر” غير السني الأورثوذكسي، وتسنين رسالته في ما يشبه بياناً عقائدياً قويماً،  كان ابن الهيثم، عالم البصريات والمتخصص بتفسير الوظيفة التشريحية للعين، منهمكاً في تأليف كتاب علمي عن “المناظر”.  وإن كانت المعاصرة التاريخية لا تكفي وحدها لأقيم المقارنة، فإن ملابسة إبستمولوجية ملفتة ستملي علي أن أقارن دون إخفاء التحيز نظير ما يفعل بعض مثقفينا المهووسين بالتحليل المحايد.

فالخليفة يتحرك وفق إمرة الشريعة وابن الهيثم يتحرك وفق إمرة التجربة. الأول يسلّم والثاني يشك. الأول يضبط عملية الرؤية والثاني يفسرها. إنسان ابن الهيثم شديد الاندفاع نحو المعرفة وإنسان الخليفة يمشي مرعوباً من شبح النص الديني فوق رأسه. سِكِّين الخليفة يطعن ليضع حدا وسِكِّين ابن الهيثم يشرّح ليكتشف حدوداً جديدة. الجثة عند الفقيه منتهية الصلاحية، وعندالمشرِّح مَصْدر لا ينفد للمعرفة الطبية. العين التي يريدها القادر بالله هي عين مُطالَبة-وفقاً للآية القرآنية- بغض البصر، والعين التي يطلبها ابن الهيثم شديدة الجحوظ. ابن الهيثم يدعو الإنسان الى المفاخرة بإنسانيته بعد اكتشافه عظمة العين وتعقيداتها الوظيفية رغم صغر حجمها، والخليفة يريد -طبقاً لبعض الأحاديث والفتاوى- فقء العين وسملها، أي المزيد من الاستهتار بالجسد البشري. إنسان الأول موعود بمزيد من الرؤية وانسان الثاني مهدد بانعدام الرؤية.

وعندما بدا العلم وكأنه يسعى إلى تأسيس نفسه في حقيقة موازية للحقيقة الدينية، ما كان أمام الفقه سوى تزييف العلم.

ولئن كان القادر بالله كثير التنكيل والاضطهاد والمطاردة والسفك والحرق، فليس عجباً أن يكون ابن الهيثم كتير الترحال من مكان إلى مكان، فهو شديد القلق في عصر كان الفقه فيه -ولا يزال- شديد الاطمئنان إلى ثبات وضعيته المتخشبة. وبعبارة واحدة: كان علم ابن الهيثم خجولاً في عالم كان فيه الفقه وقحاً.

وعندما بدا العلم وكأنه يسعى إلى تأسيس نفسه في حقيقة موازية للحقيقة الدينية وأكثر إقناعاً منها، ما كان أمام الفقه -وتجنباً للدخول في صدام مباشر- سوى تزييف العلم. من هنا انبثقت أسطورة الإعجاز العلمي في القرآن. فمعها ما عادت الحقيقة العلمية بشرية بل إلهية، وما عاد الإنسان مدعوّاً لأي تحرٍّ معرفي، ما دامت المهمة منتهية والمعرفة ساقطة سلفاً من السماء.

وإذ يبدو  الزمن العربي اليوم بالغ الرداءة فلأن ثقافتنا قفزت فوق ذلك الرجل الحاذق وارتدّت إلى بلاط القادر بالله، وتحديداً إلى واحد من موظفيه الأيديولوجيين، هو الماوردي.

فهذا الفقيه كان من المنظّرين المبكرين لأكذوبة الإعجاز العلمي في القرآن (خلال تقديم كتابه التفسيري)، وهي الأكذوبة التي ستحافظ على مكانة صلبة على مدى قرون.

وها هو الكواكبي المنسوب زعماً إلى التيار النهضوي في القرن التاسع عشر  يقول: “العلم كشف في القرون الأخيرة حقائق تعزى لكاشفيها من علماء أوروبا وأمريكا؛ والمدقق في القرآن يجد أكثرها ورد به التصريح أو التلميح في القرآن منذ ثلاثة عشر قرناً؛ وما بقيت مستورة إلا لتكون عند ظهورها معجزة للقرآن”. بيد أن المعجزة الكبرى التي لا تقارَن بمعجزة المدَّعين هي أننا منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً لم تنقرض لدينا سلالة الماوردي والكواكبي، اللذين لولا حضورهما وحضور أمثالهما الطاغي لأطيح باللاهوت منذ زمن كما أطاحته أوروبا.

أما عندما تخرس العقلانية، بسبب مكر الفقهاء وسذاجة الناس، فإنني لا أجد مندوحة عن التحسر. ذلك أن ابن الهيثم ما استطاع أن يواجه وحيداً كل ذلك العالم الفقهي الجبار. وبدل أن يقلب التيولوجيا بواسطة الفيزيولوجيا، انقلبت الفيزيولوجيا وتحولت إلى ضرب من التيولوجيا. وذلك تحديداً في زمننا هذا المعمَّد باسم “الصحوة” الإسلامية التي لا تعدو أن تكون غفوة، ولكنها غفوة أشبه بسبات طويل لا ينتهي.

*باحث بالجامعة اللبنانية