تساؤل من ملتقى “قُمرة” للأفلام: لماذا ننظم مهرجانات سينمائية؟ الدوحة أحمد شوقي   للعام الثالث على التوالي، تستضيف الدوحة ملتقى “قُمرة”، الحدث الاستثنائى الذى ابتكرته مؤسسة الدوحة للأفلام، والذى كان

9999

تساؤل من ملتقى “قُمرة” للأفلام: لماذا ننظم مهرجانات سينمائية؟


الدوحة

أحمد شوقي

 

للعام الثالث على التوالي، تستضيف الدوحة ملتقى “قُمرة”، الحدث الاستثنائى الذى ابتكرته مؤسسة الدوحة للأفلام، والذى كان من حضروا الدورة الأولى منه وبينهم كاتب السطور يتساءلون عن طبيعته، وهل هو مهرجان أم سوق للفيلم أم ملتقى للمشروعات، حتى صار نظامه راسخا، وفهم الجميع أنه النسخة المثالية لفكرة الملتقى، بصياغة سنشرحها بالتفصيل لاحقا.
“قُمرة” الذى لم نعرف المقصود منه قبل سنتين بالضبط صار موعدا تتنافس المشروعات من كل العالم للمشاركة فيه. الأمر الذى كان من الضرورى أن يجعلنا نفكر ونقارن بما يحدث فى مصر الآن من توال لمهرجانات سينمائية بعضها مستحدث والآخر يكمل عامه الخامس والسادس، ومنها من غير عنوانه وهويته وبدأ العدّ من الصفر. والسؤال الذى صار لا بد من مناقشته والتفكير فيه، لأنه فى الحقيقة يفترض أن يكون جوهريا فى تحديد سياسة الدولة فى دعم المهرجانات، هو سؤال: لماذا تُنظّم مهرجانا سينمائيا؟
عن قُمرة
لتوضيح طبيعة الحدث لمن لا يعرف فإن المهرجانات الكبرى حول العالم أيقنت منذ عقود أنها لا يجب أن تكون مجرد مساحة عرض للأفلام التى تم إنتاجها، ولا مجرد سوق تُعرض فيه الأفلام للبيع والتوزيع، وإنما من أدوارها الرئيسية أن تدعم المشروعات الواعدة قيد التنفيذ وتساعدها على الخروج للنور. ولأن دعم الأفلام ماديا هو أمر مكلف ليس من السهل أن يتحمله مهرجان، جاءت فكرة الملتقى الذى يجمع فيه المهرجان أصحاب المشروعات مع جهات تعرض منحا وجوائز تكميلية، لتقوم لجنة تحكيم بالاختيار بين المشروعات للاستفادة من الجوائز، ومن التواجد والتواصل مع الجهات المشاركة.
هذا هو التصميم العام لفكرة أى ملتقى سينمائي، وميزتها كما هو واضح ألا تُكلف المهرجان إلا دعوة بعض الضيوف بينما تخرج بنتائج مؤثرة ومفيدة لصنّاع الأفلام. والآن كل المهرجانات الكبرى فى العالم تقريبا لديها نسختها من الملتقى بأشكال وأحجام مختلفة طبقا لحجم الحدث. وحتى مهرجان القاهرة السينمائى يمتلك ملتقى يديره المنتج محمد حفظى بنجاح تقييمه يعتمد على المشروعات والأشخاص المشاركين، وعدد الجوائز المتزايد وإن ظلت قيمتها الإجمالية محدودة بالمقارنة مع أى ملتقى آخر.
ما تفعله مؤسسة الدوحة للأفلام، والذى جعلنا نصف “قُمرة” بأنه النسخة المثالية لفكرة الملتقى، هى أنها تنظم ملتقى دون مهرجان، بوضع كامل الاهتمام على المشروعات المختارة، والعمل على أن تمثل أيام الملتقى الستة إضافة نوعية للمشروع المشارك. “قُمرة” يدعو مخرج ومنتج المشروع، مع عدد يتجاوز المائتى شخص من أهم الجهات العالمية المهتمة بدعم وتوزيع وعرض الأفلام. الملتقى يرتب لكل مشروع مقابلات عديدة مع الأشخاص المناسبين لطبيعته، فإذا كان فيلما روائيا مصريا فى مرحلة التطوير مثلا، يوضع الجدول بأن يقابل أصحاب المشروع ممثلين للجهات التى تعطى منحا للتطوير والمهتمة بالأفلام الروائية. أما إذا كان فيلما تسجيليا لبنانيا فى مرحلة ما بعد الإنتاج، فالمقابلات تصير مع شركات التوزيع المهتمة بالأفلام التسجيلية، ومع مندوبى أكبر مهرجانات العالم (كان وبرلين ولوكارنو وروتردام وغيرها)، من أجل بحث إمكانية مشاركة الفيلم بعد اكتماله فى المهرجان.
على هامش هذا يتم استضافة خمسة من كبار السينمائيين العالميين لمنح محاضرات مفتوحة (درس سينما) لجميع المشاركين. أسماء من نوعية نورى بيلج جيلان وكرستيان مونجيو وألكسندر سوكوروف شاركوا فى الدورتين الماضيتين، ويشارك هذا العام الإيرانى حامل الأوسكار أصغر فرهادى والفرنسى برونو دومون، الكمبودى ريثى بانه، الأرجنتينية لوكريسيا مارتل والمنتج البرتغالى المخضرم باولو برانكو. فى إضافة أخرى تُكمل الخبرة المثالية التى يخوضها المشروع خلال مشاركته فى “قُمرة”.
مهرجاناتنا بلا هدف
تنظيم هذا الحدث على أهميته لا تُكلف الكثير قياسا على تأثيره وقيمة المشاركين فيها، بينما تُهدر معظم المهرجانات المصرية ميزانياتها دون ترك أى أثر يبقى بعد انقضاء الدورة بل وأحيانا أثناء انعقادها. ما القيمة التى أضافها مهرجان أسوان لسينما المرأة مثلا بتنظيم دورته الأولى؟ ما المتوقع من مهرجان مثل شرم الشيخ للسينما العربية والأوروبية الذى يتم تنظيمه فى مدينة خالية من السكان؟ فهو منتجع لا يسكنه إلا عُمال الفنادق والسائحين الذين لن يتركوا بلادهم كى يشاهدوا أفلاما فى بلد آخر؟
الخبرة فى الحضور المستمر لعدد غير قليل من أكبر وأهم مهرجانات العالم، مع كثير من المهرجانات العربية المؤثرة فعلا فى الأجندة السينمائية العالمية، تجعلنى أقول ان تنظيم أى مهرجان سينمائى لا بد وأن ترتبط بهدف واضح من ثلاثة اتجاهات رئيسية: المجتمع والدعاية والصناعة. الاتجاهات التى تجدها مجتمعة معا فى مهرجان مثل كان أو برلين، بينما نحلم نحن بإيجاد ولو واحد منها لدينا.
المهرجانات المجتمعية هى التى ترتبط عضويا بالجمهور المحلى وثقافته، مهرجان كبرلين يحضر عروضه سنويا ما يقارب النصف مليون شخص، وأيام قرطاج السينمائية فى تونس تمتلك قرابة المائتى ألف مشاهد، بينما تُقام معظم عروض المهرجانات المصرية لمقاعد فارغة أو لعدد من الضيوف أتوا من القاهرة وحول العالم لمشاهدة فيلم فى صالة بالأقصر أو الاسماعيلية أو أسوان. وربما يكون مهرجان الأقصر للسينما الافريقية بورشاته المتنوعة وإشراكه أهالى المدينة فى أنشطته يبدو هو التجربة الأفضل فى هذا الاتجاه وإن كان لا يزال فى حاجة للكثير من العمل.
مهرجانات الدعاية أو السجادة الحمراء هى التى تستفيد من بريق النجوم فى إحداث تأثير إعلامى حتى لو لم تكن بذات الأهمية الثقافية أو المجتمعية. عندما يحضر فرانسيس فورد كوبولا لمراكش أو نجم عالمى لدبى هذه أمور تروّج عالميا لدولة المهرجان، سواء كصورة ذهنية أو دعاية سياحية واستثمارية. هدف كهذا يجب أن يكون مثلا على رأس أجندة مهرجان كشرم الشيخ، لكن ضعف الإمكانات يجعل المتاح هو دعوة ضيوف لا يعرفهم أحد، أو اللجوء للنجوم المحليين، مع افتراضات عبثية من نوعية أن وجود فاروق الفيشاوى وإلهام شاهين فى مهرجان أسوان أمر سيساعد على تنشيط السياحة فى المدينة!
آخر الأنواع هو ما يتماس مع “قُمرة”، أن يكون المهرجان مفيدا لصناعة السينما نفسها والعاملين فيها ممن يستحقون الدعم لإكمال أفلامهم. تجربة كان محمد حفظى مرة أخرى هو من حاول تطبيقها على قدر المتاح وقت إدارته لمهرجان الإسماعيلية، فما نابه إلا اللوم على اعتبار دعوة ممثلى أهم المنظمات وجهات الدعم هو نوع من إدخال “البيزنس” فى المهرجان، دون أن ينتبه أصحاب هذه الدعاوى أن المهرجانات السينمائية هى بالأساس بيزنس، وأن العالم قد تغيّر وعلى من يريد البقاء فيه أن يغير من نفسه، ويختار لما يفعله توجها وهدفا يسعى لتحقيقه، وإلا يصير الوضع كما هو الآن بالنسبة لغالبية مهرجاناتنا: ميزانيات منفقة على أحداث تأثيرها يساوى صفرا.