سوريا من الداخل..  شهادات برائحة الموت على أطلال الوطن     رشا حسنى   عن «دار الجديد» اللبنانية صدرت الطبعة العربية لكتاب «سوريا من الداخل.. مشاهد وشهادات» الذى نشر فى

TOPSHOTS-SYRIA-CONFLICT-CLASHES-HOMS

سوريا من الداخل..

 شهادات برائحة الموت على أطلال الوطن

 

 

رشا حسنى

 

عن «دار الجديد» اللبنانية صدرت الطبعة العربية لكتاب «سوريا من الداخل.. مشاهد وشهادات» الذى نشر فى طبعته الأصلية تحت عنوان: «رؤى من داخل سوريا» عن دار نشر «إديتسيون فاوست» الألمانية وترجمت لاريسا بندر معظم نصوصه للألمانية.

يضم الكتاب نصوصا كتبها نخبة من الأدباء والنقاد السوريين حينما كانوا فى الداخل بين خريف 2013 ومطلع عام 2014 والإسهامات التى يتضمنها الكتاب تدور حول موضوعين رئيسيين كما تشير المترجمة: فهى تصف وحشية القمع وآلياته التى قام عليها نظام البعث من ناحية ودهشة أصحاب هذه الإسهامات واستغرابهم من أن يقوم جيش دولة نظامى فى القرن الحادى والعشرين بمساعدة ميليشيات داخلية وخارجية بقتل شعبه وتهجيره من أرضه على مرأى ومسمع المجتمع الدولى الذى لا يبدى أى حراك!

تقول المترجمة فى مقدمة الطبعة العربية: «بعد خمس سنوات من انطلاق «الحركة الاحتجاجية» تقدر أعداد القتلى بأكثر من 250 ألف شخص إضافة إلى ملايين من الجرحى والمصابين بعاهات جسدية ونفسية فيما يجد أكثر من نصف الشعب السورى نفسه مشردا منهم خمسة ملايين باتوا لاجئين فى دول الجوار وأوروبا ومن بقى داخل البلاد يخاطر بحياته».

يهدف الكتاب كما تقول المترجمة لنقل تجارب ووجهات نظر مثقفين سوريين عايشوا «الثورة السورية» وفيما بعد تجربة دمار وتدمير بلادهم وكيف تحولت آمالهم فى التغيير وفى مستقبل أفضل إلى كوابيس وحالات من الكآبة والسؤال الذى يفرض نفسه: ماذا يعنى لكاتب يشعر بأن الكتابة لم يعد لها معنى أن يكتب عما يجرى فى بلاده؟

يقدم الكتاب 17 نصا تمثل شهادات من قلب الحدث الملتهب، مشبعة برائحة الرصاص والموت، تائهة بين اليأس والأمل حيث تبدو كل شهادة كلقطة من زاوية بعينها يمكن بتجميعها رؤية المشهد أو على الأقل جانبا منه بوضوح وإن كان ما يؤخذ عليها افتقادها لترتيب زمنى ربما كان بمقدوره مساعدة القارئ على تصور المشهد بدقة وفقا لتتابع الأحداث وتداعياتها.

998

حياكة الأمل

ثمة بعض الشهادات التى يبدو من رائحة الأمل التى تفوح بها أنها كتبت مطلع الثورة كما فى شهادة خضر الأغا: «السوريون يستعيدون ألسنتهم» التى يقول فى جانب منها: «تكلم السوريون إذا، تكلموا بكل ما حرموا خلال نصف قرن بصوت واثق جهورى وعندما سمعوا صوتهم لأول مرة منذ نصف قرن أحبوه فقرروا عدم كتمانه تحت أى ظرف» لكنه يستطرد كاشفا: «لم يكتف النظام بمحاولاته البائسة لإشاعة توتر طائفى صامت فى سوريا على مدار حكمه بل لجأ لتكريس هيمنته إلى تقسيم آخر فى المجتمع السوري، تقسيم مناطقي» لكنه يرى أن السوريين عرف بعضهم بعضا خلال الثورة وتقدمت كثير من القرى المنسية والمهمشة إلى الصفوف الاولى فى الخريطة».

ويرصد الأغا فى شهادته أهم التظاهرات السلمية التى جرت فى مدينة «داريا» وقريتى «بنش» و«كفر نبل»التى قدمت ملاحم راقية للتظاهر السلمى وابتكرت لافتات تضمنت أفكارا معبرة عن أخلاق الثورة وغاياتها وإن كانت تلك السلمية لم تحم سكان تلك المناطق من هول المجازر.

أما سلمى سالم فتروى فى شهادتها «من يوميات المربع الآمن»: «فى سوريا إن لم يفقد المرء كل ما يملك وعددا من أفراد عائلته بين القصف والمعتقلات فلا تصنف حالته فى خانة الفجيعة» ثم تستطرد: «من ثلاث سنوات النقاشات ذاتها تتكرر وكل يتخندق وراء متاريسه، لا يريد التقارب مع الآخر الذى يشبهه حد التطابق وإن اختلفت الألوان ولكن علينا أن ننظر أبعد من الغد وأن نعيد حياكة الامل».

فيما يصور خالد خليفة فى شهادته «كل نظرة هى نظرة وداع» الحالة الشعورية لمن بقوا بالداخل حتى وإن كانوا فيما يطلق عليه المربعات الآمنة يضاف إلى همومه كمواطن سورى هما آخر ككاتب تهتز داخله قيمة الكتابة وسط الأحداث المفجعة: «أفكر الآن فى ان الكتابة التى خذلتنى ولم تستطع مواساة ام شهيد ومساعدة جريح على الشفاء أو طفل يعيش تحت خيمة هى كل ما أحتاج إليه، إنها العلاج الوحيد كى لا أتحول إلى قاتل أو انتحر» ويقول فى موضع آخر: «أصدقائى خارج البلاد ومن بقى منهم مشغولون بالمحافظة على حياتهم كما أفعل أنا أيضا، ينظرون بشغف إلى أشيائهم التى لن يصدقوا أنها ستبقى. كل نظرة هى نظرة وداع بالنسبة إلى أغادر سريرى إلى المطبخ وأشعر بأنها المرة الأخيرة التى سأمارس فيها طقوس صباحي. للمرة الأخيرة سأصنع قهوتي، وأعود إلى سريرى أرفع صوت التليفزيون الموضوع فى الصالون لأسمع نشرة أخبار واحدة دون أن أرى الصور ثم اغلقه ويعم الصمت المكان أو صوت القذائف واضحة قوية إلى درجة أنها فى الأشهر الأولى كانت تمنعنى من النوم لأيام».

كوميديا سوداء

«أما القتيل فيستحق الموت» عنوان صادم اختاره فواز حداد لمقاله الذى يقول فيه: «السخرية مازجت إحساس السوريين بالمأساة إزاء نوع عصرى محسن من الكوميديا السوداء لكن على نحو أسوأ، يدان فيها القتيل ويغفر للقاتل» ويتساءل حداد: «هل كانت سوريا هكذا فى زمن مضى ولن يعود» بعد أن يسرد مشاهد من طفولته التى قضاها بحارة «البحصة» بدمشق حيث بلغت حالة التآلف بين الأهالى لدرجة أن المسيحيين كانوا يشاركون المسلمين صوم رمضان والمسلمين ينذرون للعذراء فى كنيسة «صيدنايا»

يرصد حداد التحول الصادم فى المجتمع السوري: «التدين الذى كان سهلا وبسيطا وعميقا فى آن واحد بدأ يميل نحو التشدد، يتبدى ذلك فى استئناس الموت بات لصيقا بالناس يتوقعونه فى أى لحظة؛ شاب بعد ما وارى أخاه الشهيد التراب حفر لنفسه قبرا إلى جانبه دفن فيه شهيدا بعد أيام قليلة. طفل من باب عمرو أيام الحصار أهدى أخاه كفنا أبيض فى عيد ميلاده»

أما عامر مطر فيروى فى شهادته «جثة الكاميرا وجدت.. ماذا عن جثة أخي» اللوعة التى عصفت به وبأمه بحثا عن مصير مجهول لأخيه فى ظل سيطرة «داعش» على «الرقة»: «أمى تنتظر خبرا عن ابنها الصغير المفقود الذى ذهب لتصوير المعركة ولم يعد إلى بيتها قررت حينها الوقوف على شرفة المنزل والبكاء ليرى الله حزنها وينقذه… عثر طاقم الإسعاف على جثة محترقة لكاميرته ما زاد اليقين أن الجثة المبتورة الأطراف لمحمد نور.. جثة واحدة لم نعرفها حتى الآن تكفى للبكاء وتصديق رحيله».

ومن الهم الخاص إلى العام ينتقل مطر: «اليوم تسمع عبارات الندم فى الرقة يرددها حتى النشطاء من نتائج الثورة فى مدينة تخلصت من سيطرة نظام الأسد قبل ستة اشهر تقريبا وتخلى عنها الائتلاف الوطنى السورى وكل الجهات التى كان الناس فى الرقة يعتقدون أنها ستساعدهم على تسيير شئون حياتهم وتجرحك عبارات تلمح بالعتاب حتى من عائلتك التى كانت تردد: كله فى سبيل الحرية».

التعايش المستحيل

ديما ونوس كتبت تحت عنوان «عن البيوت التى وراءنا وسوريا التى أمامنا «ترصد الشرخ الذى يعيشه سوريو الداخل مع سوريى الخارج تلك العلاقة التى يشوبها إحساس بالمرارة والخذلان وتقول: «فقدت الكثير من الأصدقاء والمعارف خلال السنتين ونصف السنة الماضية وكان اختلافنا فى البداية حول التسمية: ثورة أم ازمة أم مؤامرة؟ وهذا الخلاف يبدو تافها أمام الخلافات التى جعلت العلاقة تفتر لاحقا ثم تصبح عبئا ثم تنتهى دون أسف أو ندم أو تردد؛ من يدافع عن القاتل نفسه» وتتساءل ديما هل يمكن التعايش بين اشخاص تمنوا موت بعضهم؟ تتساءل: «كيف باستطاعتك العيش وسط اشخاص تفرجوا واستمتعوا بالفرجة على أشرطة تعذيب مارسها شبيحة النظام على أبرياء طالبوا بالحرية؟ والعكس صحيح أيضا مع العلم أن ما ارتكبه الثوار من أخطاء فردية غالبا لا يتساوى مع الجرائم المريعة والمجازر التى ارتكبها النظام، هذا الاحتفال بالموت والقتل والتمثيل بالجثث كيف يمكن التعايش معه؟ لا نتحدث هنا عن اسرى حرب بل نتحدث عن ابناء وطن واحد يتشاركون الحياة على أرضه»

«دع شعبى يحيا» صرخة الكاتب منذر مصرى التى نطق بها فى 17 مقطعا: «كل ما أراده الشعب السورى بدءا من تظاهرة الحميدية بدمشق فى 1 آذار 2011 هو: «الشعب السورى ما بينذل» وفى اليوم التالى مباشرة بمناسبة التظاهرة أمام وزارة الداخلية: «حرية حرية» ويومها جرجر عناصر الأمن المفكر الطيب الطيب تيزينى «77 سنة» على طول ساحة المرجة وهم يركلونه بأقدامهم».

يختتم منذر مقاله: «نصف المدن السورية صارت أطلالا نصف الشعب السورى ذى العشرين مليونا بات بطريقة أو أخرى مشردا، سوريا كحيز مكانى مسكون تفرغ من الناس، يمثل السوريون واحدة من اكبر ظواهر النزوح فى التاريخ الحديث فماذا بعد؟ فماذا أكثر؟ يا عالم يا بشرية… يا الله: «دع شعبى يحيا»

سيرة الموت والثأر

«عن القناصة وطعم الثأر والخيبات» تروى الكاتبة روزا ياسين حسن قصة سليم أبو زرنة الرجل الأربعينى الهادئ الذى كانت الابتسامة الخافتة جزءا من ملامحه وكيف غابت تماما بعد أن حولت إحدى الغارات على بلدته «الحراك» بيته إلى أطلال لم يبق من زوجته وأطفاله سوى أشلاء.. الرجل الذى استقبل المشهد ساهما تحول إلى قناص يثار كل ليلة ممن اغتالوا دنياه وتركوه وحيدا مشردا، ما هى إلا أيام واكتشف أمره وتم اغتياله برصاص قناص وإن بقى ظل ابتسامة على فمه الفاغر.

تتبع روزا فى شهادتها رحلتها مع أسرتها نحو اللجوء وكيف استجاب مكرها الأب الذى كان دائما ما يردد «لن أموت إلا فى بيتي» عشرات القصص الموجعة الموت طقس يومى يزيد يوميا من أعداد اللاجئين.

يحكى الشاعر عمر قدور فى «العيش بمحض المصادفة»: «خلال سنتين ونصف من سيرة الموت اليومى يفترض بنا أن نكون قد تغيرنا لكننا لا نستطيع الجزم بذلك دائما… نعيش فى الحد الأدنى الذى يفرضه القمع علينا وفى الوقت نفسه نعيش الحد الأعلى من الإحساس بالحرية الذى لم نعشه قبل الثورة».

ويسرد محمد المطرود فى شهادة تحمل الطابع الأدبى الرمزى عنونها «فى اكتشاف الحنين وسواه»: «الأمكنة الجديدة بقدر ما تعطى من الطمأنينة تقتل وتفتك بكل أصدقائك من الذكريات التى تدلت من سقفك على روحك وتطاولت عليك كاعناق أشجار ليلية. كيف عبرت الحدود يا أحمد؟ كيف سردت قصة طويلة عن الشجاعة وقد كنت هشا وقابلا للطى فى حقيب؟!» لكنه يختتم قائلا: «بعض الحنين يقول: إذا لم تتحرك الأرض من مكانها فسنعود إليها يوما»

 السجن أو المنفى

يروى ياسين الحاج صالح فى شهادته «درب إلى المنفى»: «طوال اكثر من عامين ونصف العام أردنا، سميرة وانا أن نتجنب المنفى والسجن معا. بعد أكثر من ثلاثين شهرا على بداية الثورة، صرت أنا فى المنفى وبعد 33 شهرا صارت هى سجينة. أكثر من أن خطتنا الأصلية أحبطت جاءنا التهديد من قوى استفادت من الثورة على الفاشية الأسدية لتظهر، هذا قبل أن تغدر بالثورة وتنقلب عليها قبل تحقيق هدفها الأول المتمثل فى إسقاط النظام الأسدي».

فى «بورتريهات السجن» ترسم الكاتبة سمر يزبك بالكلمات قصة إحدى المعتقلات بريف دمشق وويلات امتهان الكرامة والانسانية التى تعرضت لها، هى امرأة فى الأربعين ليست ناشطة معروفة ابنها الأكبر معتقل وزوجها كان معتقلا وأفرج عنه مؤقتا اعتقلت للمرة الاولى فى مطلع 2012 بتهمة إخفاء الضباط المنشقين الذين رفضوا إطلاق النار على المتظاهرين واعتقلت مرة أخرى فى منتصف العام نفسه أثناء محاولتها إنقاذ أحد الجرحى، ظلت فى السجن شهرين اعتقلوا خلالها إخوتها وأولادهم وأمها وهددوا بقتلهم ولم يفرجوا عنهم الا بعد ان دفعوا لهم مبلغا ماليا وبتدلوهم باسير من شبيحتهم لكنهم بعدها عادوا واعتقلوا أخاها وردوه بعد أيام جثة مقطوعة الرأس. لكن المأساة لا تتوقف عند هذا الحد فقد عاشت بعد الاعتقال الثانى المجزرة التى جرت بين يومى 28 و29 أغسطس/ آب بينما كانت تشارك فى توزيع الألعاب على اطفال الشهداء لذا فهى تنهى حديثها بقولها: «المجزرة الأولى كنت فى فرع الأمن العسكري، لم أر شيئا. السجن رحمة أيضا!»

 الحب يقاوم الموت

بينما ينقلنا خليل صويلح فى «حميميات عابرة» إلى قلب دمشق مرة أخرى وإلى تفاصيل حياتية غيبتها الحرب وقذفت بها إلى خلفية المشهد: «على رصيف مقهى كولومبس فى ساحة عرنوس يستعيد ليل دمشق صخبه وكأن صوت القذائف المتجهمة إلى برزة والقابون ومخيم اليرموك يعنى بلدا آخر. سيهز احدهم رأسه ويقول بلا مبالاة: هذا صاروخ ارض- أرض، فيما يتسلم الآخر بعد دقائق رسالة على هاتفه النقال تفيد بمكان وقوع القذيفة وعدد الضحايا ثم يكمل ارتشاف قهوته بصمت وحيادية فالقذيفة تخص «الآخر» ولا تعنى من يمضى وقته بمرح فى المنطقة الخضراء» ويستعرض صويلح قصته مع مريم التى تمردت على تقاليد بالية تسببت فى زواجها قسريا وهربت إلى دمشق لتتنقل بين أعمال متباينة انتهت بالعمل كمذيعة فى برنامج صباحى تحكى جانبا من خبراتها الحيايتة ومعارفها الأدبية: «لا تعلم مريم بأنها أهدتنى كنزا إذ كنت أفكر حينها فى كيفية احتدام الرغبة فى زمن الحرب وهو ما وافقتنى عليه فى حوار سابق بخصوص تبرير علاقتنا المحمومة فقد كانت الرواية صورة مدهشة للحرب الأهلية الإسبانية وأحوال المعتقلين فى أحد سجون الجنرال الفاشى فرانكو وقصص الحب التى تفوقت على الموت وكيف أن أرواح الضحايا ظلت تحوم فى ذاكرة حارس السجن مثل لعنة أبدية».

تحت عنوان «ثورة.. حلم ووطن» كتب الروائى هيثم حسين: «كنت حين اشتعلت الثورة ضمن مجموعة من المعاقبين المنقولين تعسفيا من عامودا. عوقبت عاما كاملا لأننى أدليت بحوار صحفى قلت فيه فى رد عن سؤال ما الذى ينقص الثقافة العربية؟ إن هناك حاجة ماسة إلى النقد، الاستشفاء من الشلليات، الابتعاد عن المحسوبيات، بتر الذراع المتنفذة للسياسة فى توجيه دفة الثقافة، التحرر من وساوس الغزو الثقافي، أى ثورة ثقافية بالمعانى كلها. وجه إلى المحقق فى فرع الأمن السياسى بالحسكة إهانات وشتائم وصفنى بأوصاف نابية حاول تقزيمى وشدد على انه سيبتر يدى وعنقى وأشياء أخرى… وتوقف عند كلمة ثورة وكررها كشتيمة على مسمعي. سعى النظام عبر مخبريه وأزلامه إلى تفتيت الشارع الكردى وتقسيم الناس كعادته فى تفتيتهم»

شاهد الكاتب بيته الذى انتهى للتو من تأسيسه مدمرا على «اليوتيوب» فقد كل ما كان يملك ولم يعوضه إلا ميلاد ابنته البكر بعد خمسة إجهاضات متتالية «هيفي» وهو اسم كردى بمعنى أمل، أمنية: «قبل الثورة كان لى بيت وعمل لكننى لم احن أشعر بالأمان ولا بالانتماء كما يفترض كنت المنفى المطرود المطارد المشكوك فى أمره من جانب النظام. بعد الثورة فقدت بيتى وعملى أصبحت المنفى النازح اللاجئ لكننى أشعر بالأمان والانتماء إلى وطنى أكثر فأكثر أعيش الشوق لمستقبل بلدى الذى أرجوه… أهم ما حققته هذه الثورة أنها أعادت إلى هويتى الوطنية المستلبة»

اختار الكاتب دار نواف عبد الله لشهادته عنوان «أفكار مبعثرة» كتب تحت عنوان فرعى «السكين من رفوف المطبخ إلى أداة لنبش الذاكرة»: «كيف يتحمل القاتل بالسكين صوت الضحية وأنفاسها ورائحتها ونظراتها، نظرات الكلب عند الاحتضار تفشى تعلقا بالحياة يذيب القلب. ما أبشع الحروب الطائفية هى تخلف فقط أطفالا يبولون فى سراويلهم».

 لعبة الاستبداد

تحت عنوان «رائحة الاستبداد» روى الكاتب مشهدا مفزعا: «ثلة من العناصر المخمورين اقتحمت المهجع مساء فى فرع الأمن العسكرى بدمشق. أخرج أحد العناصر ورقة من جيبه وحدد مجموعة من الأسماء وطلب منهم إعداد طقوس آخر العمر لأن حكم الإعدام قد أقر. همهمة مذعورة عمت المهجع وضجيج قلق انتشر بين السجناء بدأ المطلوبون بالوضوء ثم الصلاة والدعاء. أحدهم تكور فى زاوية معينة وأجهش فى البكاء وآخر كان يطلب أن يقولوا لابنه الكبير أن يعتنى بوالدته. اقتيد السجناء إلى ساحة السجن الخارجية، وجوههم ملتصقة بالحائط، لقم العناصر الكلاشينكوف وأطلقوا الرصاص فى الهواء، لقد كان أمرا فى غاية التسلية بالنسبة إليهم، أحد القتلى الأحياء كانت تباغته نوبة صرع انفجارية فى كل مرة يسمع فيها صوت تلقيمة البارودة».

ينقلنا الروائى نهاد سيريس إلى حلب حيث يروى تحت عنوان «بلد الموسيقى والحرب: «تشتهر مدينة حلب بحبها للموسيقى وقد نافست عواصم موسيقية مهمة كالقاهرة وتونس فى إحياء التراث الموسيقى الشرقى ووضع مقامات موسيقية غير معروفة سابقا ويقال إنه لا يخلو بيت من آلة موسيقية، وفى كثير من الأحيان تتناثر أجزاء آلة عود حطمته قذيفة أصابت أحد البيوت هذه الايام». ويختتم سيريس شهادته التى روى فيها قصة فتاتين من «بنات العشرة» المعروفات فى حلب انتهت حياة الأولى برحيلها بعد إصابتها بالسرطان بينما بقت الأخرى وحيدة محاصرة بالقذائف التى تحصد الأرواح من حولها وداخلها يقين يهمس بأن أيام السرور قد ذهبت بلا عودة وغابت الموسيقى والغناء عن ليالى حلب الساحرة.

أما الشاعر الفلسطينى السورى رائد الوحش فيروى تحت عنوان «هوية مكسورة»: «صدفة عمياء كسرت بطاقة هويتى الشخصية ولم استطع تبديلها بأخرى لئلا يفتضح تخلفى عن الخدمة.. اشتريت هوية وصار اسمى مروان حمد حسن… ولما راقتنى اللعبة اخترعت له سيرة مشتهاة.. المشكلة أن مروان فى كثير من اللحظات كان يتلبسنى فيملى على ما لم افكر فيه» يستطرد: «ليس القصف ليس تشرذم العائلة ليس تحول حاضر المخيم إلى قصص ذاكرته التأسيسية.. الشائعات هى الأقسى فى الشهور التى تلت مرحلة مروان. حين جاءت ساعة الصفر التى رتبها الأصدقاء كان على أن اركب فى سيارة رقيب فى الجيش النظامي… هكذا إذا النظام أوصلنى إلى الحدود والثورة أكملت بى الطريق»!