«مهرجان شرم الشيخ للسينما العربية والأوروبية» حضرت الأفلام.. وغاب الجمهور! بقلم: مجدى الطيب   فى حال الاتفاق على أن للثورة ارهاصات، فإن الأمر المؤكد أن لنجاح المهرجانات مقدمات؛ على رأسها

15589523_222979791490013_8537734189752398749_n

«مهرجان شرم الشيخ للسينما العربية والأوروبية» حضرت الأفلام.. وغاب الجمهور!

sora-magdy-el-tayb-45

بقلم:

مجدى الطيب

 

فى حال الاتفاق على أن للثورة ارهاصات، فإن الأمر المؤكد أن لنجاح المهرجانات مقدمات؛ على رأسها القدرة على الانتقاء الجيد للأفلام المشاركة فى المسابقة الرسمية، بالإضافة إلى التظاهرات الموازية، وإعمال عنصر الانضباط، والدقة فى تسيير الفعاليات؛ خصوصا جدول العروض، وهى المقومات التى أشهد أن مهرجان شرم الشيخ للسينما العربية والأوروبية (5 – 11 مارس 2017) نجح فيها بدرجة لم يتوقعها أكثر الناس تفاؤلا!
تعمدت ألا أشير إلى رقم الدورة، لأسجل اعتراضى واستنكاري، على قيام إدارة المهرجان، ومؤسسة نون للثقافة والفنون، التى تنظم وترعى المهرجان، على القول إنها «الدورة الأولى» للمهرجان، وكأنها تمحو «بأستيكة» أربع دورات من عمر المهرجان أقيمت، بالفعل، فى الأقصر، منذ العام 2012، وبدلا من أن نبنى عليها، وقعنا فى شرك العادة الفرعونية القديمة، التى يلجأ الفرعون بمقتضاها إلى محو تاريخ من سبقه من على المسلات ليكتب بدلا منه تاريخه وانجازاته، معتبرا أن التاريخ يبدأ به وحده!
خطأ تقع فيه غالبية مهرجاناتنا السينمائية، وعلى رأسها المهرجان القومى للسينما المصرية، وأتمنى من قلبى أن تتداركه مؤسسة نون للثقافة والفنون، وتُعيد للمهرجان ذاكرته، والأربع سنوات الماضية من عمره، لكنه لا ينفي، بأى حال، الطفرة الكبيرة التى تحققت فى هذه الدورة التى أقيمت بمدينة شرم الشيخ، وساد تصور لدى الكثيرين، وأنا على رأسهم، أنها ستجعل من المهرجان السينمائى محطة سياحية، وربما «كارت بوستال» ليس أكثر، قبل أن يفاجأ الجميع بمهرجان سينمائى حقيقي، انتظمت فيه العروض بصرامة مُدهشة، وجاءت الأفلام من بلادها فى موعدها بالضبط، وإن لم يحضر صانعوها بالشكل الذى يمنح ندواتها الزخم المطلوب، بينما عاب الندوات العامة عدم تحديد وقت لبدايتها ونهايتها، والإعلان عن ندوات، لم يتم إدراجها فى برنامج المهرجان من قبل «ندوة المخرج داود عبد السيد على سبيل المثال»!

أربعة أفلام عربية مثيرة للجدل تحتل الاهتمام .. وستصبح محل نقاش فى المقبل من الأيام

فى كل الأحوال حضرت الأفلام فى مهرجان شرم الشيخ للسينما العربية والأوروبية لكن غاب الجمهور، وبرر البعض هذا بأن شرم الشيخ لا تمتلك مواصفات المدينة التقليدية، التى تعج بالمواطنين المقيمين، وان أغلب مواطنيها وافدون أو موظفون، وهو عذر أقبح من ذنب، وإلا فما الحاجة إذن إلى اختيار هذه المدينة، على وجه التحديد، لاستضافة المهرجان، فيما برر آخرون الغياب الجماهيرى بأن الدعاية للمهرجان ليست كافية، وهو ما لم ألمسه أيضا؛ حيث كان من الملاحظ وجود «الأفيشات» الدعائية للمهرجان فى أكثر من مكان بالمدينة، ما يدفعنى للقول إن القصور يكمن فى عدم التنسيق بين إدارة المهرجان والأجهزة والهيئات العاملة فى المدينة، والمحافظة، بأكملها؛ مثل : المدارس / الجامعة / مراكز الشباب / وحدات الحكم المحلى .. إلخ؛ فقد لاحظت أن المجمع السينمائى الذى استضاف عروض المهرجان كان يواكب عروض الأفلام المصرية التجارية، وأنه أوقف عرض فيلمى «مولانا» و«آخر ديك فى مصر» من أجل المهرجان؛ بما يعنى أن للأفلام التجارية جمهورا فى شرم الشيخ مؤهل فى حال الوصول إليه، بالدعاية والتنسيق، أن يملأ القاعتين المخصصتين للمسابقتين الطويلة والقصيرة، والمساهمة بشكل فاعل فى الندوات العامة، بدلا من اقتصار الأمر، فى ظاهرة تتكرر فى كل مهرجاناتنا السينمائية التى تُقام فى الإسماعيلية والإسكندرية والأقصر وأسوان، على الضيوف الذين جاءوا من القاهرة فى رحلتى الشتاء والصيف !
حضرت الأفلام بمستوى رائع، على صعيدى اللغة والرؤية، الأمر الذى يعكس قدرة فائقة على الاختيار، تُحسب للمدير الفنى للمهرجان أحمد حسونة، وطاقمه المعاون، خصوصا أن الاختيار لم يخضع، كما جرت العادة فى مهرجاناتنا، لذوق ورأى لجنة المشاهدة، التى لم يكن لها وجود فى هذه الدورة، ورغم هذا جاءت الأفلام جيدة إلى حد كبير، وتتمتع بسوية فنية طيبة لا تتوافر لأفلام تختارها لجان مشاهدة يُنفق عليها أموال طائلة فى مهرجانات أخرى !
ربما تتيح الظروف فى المستقبل من الأيام الحديث باستفاضة عن الأفلام الرائعة، التى عرضها مهرجان شرم الشيخ للسينما العربية والأوروبية، لكننى سأكتفى بالتنويه فى هذه السطور القليلة إلى أربعة أفلام عربية شهدت، بعد عرضها فى مسابقة الأفلام الطويلة، جدلا كبيرا، بين مؤيد ومناهض، ومتحمس وساخط؛ مثلما حدث مع الفيلم الروائى الطويل «ما زلت أختبئ لأدخن» (الجزائر،اليونان،فرنسا / 2016) الذى ذكرتنى مخرجته “ريحانة” – هذا هو اسمها – بالفيلم التونسى الشهير «الحلفاويين» أو«عصفور السطح» (1990) للمخرج فريد بو غدير، ليس فقط لأن أحداثه تدور بالكامل فى حمام شعبى للنساء، وإنما لأنه سيستدعى للأذهان الاتهام الذى طارد «عصفور السطح» حينما قيل إنه «يبيع تخلف الشرق للغرب»، وإنه يتاجر بهموم المرأة العربية؛ فالفيلم الذى تدور أحداثه فى 90 دقيقة، يتعرض لقصص نساء فى مراحل عمرية مختلفة، ولكل واحدة منهن قصة ومأساة تعكس الأوضاع الاجتماعية الصعبة التى تعيشها المرأة الجزائرية، فى ظل التقاليد القاسية من ناحية وسطوة التيار الدينى الأصولى من ناحية أخرى !
أما الفيلم الثانى المثير للجدل فهو تسجيلى بعنوان «يا عمري» (لبنان / 2016) اختار مخرجه هادى زكاك جدته العجوز بطلة لشريطه الطويل ( 82 دقيقة)، ليتوقف معها عند محطات عمرها، الذى تجاوز المائة وثلاثة من السنين، وإقامتها التى تنوعت ما بين البرازيل ولبنان، ووسط مونتاج لم تعتده الأفلام التسجيلية كثيرا «شارك فيه : هادى زكاك وإلباس شاهين» وأرشيف ثرى للجدة، والمخرج، تابعنا قصة إنسانية غاية فى الشجن والعذوبة والرقة امتزج فيها الضحك بالدموع، لكن بعض من تابع الفيلم خرج غاضبا ناقما متهما الفيلم، ومخرجه، بأنه استغل معاناة جدته، ولم يرحم شيخوختها ! بينما بلغت الاتهامات حدتها عقب عرض الفيلم الروائى الطويل «ربيع» (لبنان/ فرنسا / قطر / الإمارات 2016)؛ حيث لم يصدق أحد من الذين شاهدوا الفيلم فى شرم الشيخ ما قيل عن مشاركته فى قسم «أسبوع النقاد» ضمن فعاليات الدور الـ 69 لمهرجان كان السينمائى الدولى، وأنه نال إعجاب واستحسان الجمهور؛ فالفيلم الذى أخرجه اللبنانى فاتشى بولجورجيان فى 105 دقيقة أقرب إلى الميلودراما الهندية، ونجح بدرجة كبيرة فى تشويه الفكرة التى كان يمكن لها أن تصبح محلا لقراءات متعددة؛ حيث تحكى الأحداث أزمة الشاب الكفيف «ربيع»، الذى يفاجأ لحظة استخراج جواز سفر، أن هويته مزيفة، وأنه مشكوك فى نسبه لأسرته، ويبدأ البحث، فى رحلة استقصائية، عن جذوره، فى الجنوب اللبناني، ومراجعة تاريخ أمه وخاله المزيفين، كما يلتقى أشخاصا يزيدون الأزمة تعقيدا. لكن المخرج يلجأ إلى أكثر الحلول سذاجة، ويُفسد أطروحته التى تحتمل أكثر من تحليل على الأصعدة كافة !
رابع الأفلام التى عرضها المهرجان، وربما تكون الأقل إثارة للجدل، هو الفيلم الروائى الطويل «غدوة حي» (تونس 2016) إخراج لطفى عاشور عن سيناريو شاركت فى كتابته، وبطولته، أنيسة داود، التى شاركت فى الإنتاج أيضا؛ فالفيلم يتناول الأحوال فى تونس بعد ثلاث سنوات من ثورة الياسمين، ويكاد يكون مرثية للأوضاع الأمنية والقضائية والاقتصادية والإعلامية التى آلت إليها البلاد، وفى 85 دقيقة، يطرح المخرج التونسى لطفى عاشور، الذى أظهر تمكنا فى الفيلم الروائى القصير «علوش»، وجهة نظر غاية فى الأهمية، والجرأة، عن وطن يبحث عن هويته، واستقراره، بعد ثورة تكاد تذهب فى مهب الريح، ومستقبل محكوم عليه بالفشل والانهيار، ومشاعر بدأ يتسلل إليها اليأس والإحباط بعد فترة من الأمل المتوهج .. وكأنى به يتحدث عن مصر!