أصغر فرهادى: السينما مرآة للواقع.. والتمثيل يدور داخل الشخصيات لا خارجها الواقعية مصطلح معقد ومتناقض لا أحاكم شخصياتى بالكاميرا وأترك الأمر للمشاهدين الأسرة هى المدخل الأفضل لتحليل المجتمع    

7000

أصغر فرهادى: السينما مرآة للواقع.. والتمثيل يدور داخل الشخصيات لا خارجها

الواقعية مصطلح معقد ومتناقض

لا أحاكم شخصياتى بالكاميرا وأترك الأمر للمشاهدين

الأسرة هى المدخل الأفضل لتحليل المجتمع

 

 

الدوحة ـ أحمد شوقي

 

فى ظهوره العلنى الأول بعد تتويجه بالأوسكار للمرة الثانية عن «البائع»، تحدث المخرج الإيرانى أصغر فرهادى لحوالى الساعتين مع حضور ملتقى «قُمرة» لصناعة الأفلام فى الدوحة. صحيح أن التحضير لفيلمه الجديد الذى سيصوره فى إسبانيا مع النجمين خافير بارديم وبينلوبى كروز منعه من الحضور الفعلي، لكنها «معجزة سكايب» كما وصفها خلال المحاضرة سهلت التواصل عبر الإنترنت بين الحضور وفرهادى الذى تحدث بانفتاح حول أفلامه وأسلوبه والكثير من أفكاره. نقدم لكم نص المحاضرة.

البدايات المسرحية

دراستى الجامعية كانت فى المسرح الذى علمنى أشياء كثيرة على رأسها تطوير شخصيتى الفنية، وبالتحديد ما يتعلق بمشاهدة الشيء بأكثر من وجهة نظر. عندما تذهب للمسرح لا تشاهد نفس الشيء أبدا، ما تراه يختلف بناء على مكان جلوسك. أى إن كل مشاهد فى المسرح يرى داخل عقله عرضا يختلف عن باقى الجمهور. على مستوى آخر يعلمك المسرح تقديم النص مرات عديدة بمعالجات ووجهات نظر مختلفة. فى المسرح درسنا إبسن وتشيخوف وبنتر وغيرهم. وبإمكانى القول ان كل شيء تعملته عن السينما كان من خلال المسرح.

حبى للسينما بدأ من الأفلام الإيرانية. كنت محظوظا أن أنشأ فى بلد تمكن مخرجوه رغم كل القيود أن يطوّروا لغة سينمائية خاصة بهم. قد لا أكون قد تأثرت به بشكل مباشر لكن رجلا مثل عباس كيارستمى منحنى الدافع والقناعة، فقط عبر متابعة قدرته على العمل وخلق لغته السينمائية. هذا الجيل من صناع الأفلام امتلك مدخلا جديدا للواقعية، وهو دائما مصطلح معقد ومتناقض. لنفترض أننى قابلت صديقا لم أره من قبل وتحدثنا وجلسنا لشرب الشاى سويا. هذه حقيقة. خلال الجلسة قال انه يفتقدنى وإنه ينوى السفر فى رحلة وتحدث عن أمور عديدة. هذه حقيقة. لكن ما الذى سيحدث إذا ما توفى هذا الصديق بعد أيام من هذه المحادثة؟

الذى سيحدث هو أننى سأعيد تفسير كل كلمة قالها بناء على المعطيات الجديدة لحقيقة كونه آخر حديث بيننا، سأعتقد أن افتقاده لى يرتبط بأننا لن نرى بعض ثانية، وأن الرحلة التى تحدث عنها هى شعور مبكر بالموت. ستتغير واقعية كل تفاصيل اللقاء بمجرد اكتشاف حقيقة أخرى هى الوفاة. هذا هو التناول المختلف للواقعية الذى أقول ان السينما الإيرانية قد قدمته للعالم، ومعها ربما بعض أفلام الواقعية الإيطالية الجديدة والواقعية اليابانية.

حول فيلم «عن إيلي»

قبل تصوير «عن إيلي» الذى لعب أدوار البطولة فيه مجموعة كبيرة من الممثلين قمنا بحوالى أربعة أشهر متواصلة من البروفات. من كان يشاهد ما نفعله كان ليجزم بأننا نستعد لعرض مسرحي. كنت قد وضعت السيناريو جانبا وأخذت أدرب الممثلين على المشاهد. كان هدفى هو خلق خلفيات للعلاقة بين الشخصيات بعيدا عن النص. على سبيل المثال لا نرى إيلى أبدا خلال الفيلم مع خطيبها الذى يأتى للمكان بعد اختفائها، لكننى عملت على خلق لقاءات سابقة بينهما وتدريب الممثلين عليها. هدفى دائما هو عندما أقدم رجلا وامرأة كحبيبين أن يبدأ التصوير ونحن نشعر بوجود هذا التناغم بينهما. يزعجنى كثيرا عندما أشاهد فيلما فيه حبيبان لكنك تشعر بوضوح أنه لا علاقة تربطهما فى الواقع.

هذه رحلة أخوضها مع كل ممثل قبل أن نبدأ التحضيرات للعمل الجماعى مع طاقم التمثيل لإيجاد الشحنة المناسبة بينهم. فى الفيلم هناك رجل يدعى أحمد وامرأة تدعى سبيده. سبيديه متزوجة من أمير ولديها طفل، لكننى أردت أن أمنح المشاهد شعورا أو تلميحا بوجود علاقة فى الماضى بينها وبين أحمد. خلال البروفات عملنا على تخيّل هذه العلاقة والمشاهد بينهما عندما كانا فى الجامعة. المدهش فى الأمر هو النتيجة، فبالرغم من أن الفيلم لا يحتوى ولو على إشارة لفظية واحدة لهذا الماضي، وجدت المشاهدين فى كل مكان يشعرون بالأمر ويحدثوننى عنه. هذا هو التمثيل بالنسبة لي، شيء يدور داخل الشخصيات وليس خارجها.

لم أقم أبدا برسم اللقطات أو عمل story board قبل التصوير. فى الليلة السابقة لتصوير مشهد الشجار الجماعى فى «عن إيلي» ذهبت مع مساعدى وفريق الممثلين إلى موقع التصوير. قمنا بالتدريب على ميزانسين المشهد، ولا أقصد هنا مكان وضع الكاميرا فقط، وإنما العمل على تصميم المشهد بما يشبه الرقصة التى يمارسها الجميع بارتياح. صورت حركتهم بكاميرا صغيرة محمولة، وفى المساء سهرت أحضر ما يشبه المونتاج الأولى بما صورته من لقطات بهذه الكاميرا. لذلك فى اليوم التالى وعندما ذهبنا للتصوير الفعلى كنت أعلم بوضوح اللقطات التى أريد الحصول عليها. هذا بالإضافة لعملى دائما مع المونتيرة نفسها، حتى صرنا نفهم بعضنا ونمتلك لغتنا السينمائية المشتركة التى نبنى بها المشهد معا.

لماذا احتوى المشهد المذكور على قطعات كثيرة؟ إنه مشهد طويل يدور فى مكان مغلق. كنت أحتاج لديناميكية تحميه من إشعار المشاهد بالملل. والخطر هنا هو أن تتسبب كثرة التقطيع فى إشعار المشاهد بحرفة المخرج. لا بد من الانتقال السلس، من التجانس بين كل لقطة وأخرى، بحيث يشعر الجمهور فى النهاية انه يشاهد مسرحية، الكاميرا فيها على مسافة واحدة من كل شخصية لا تمنح أيهم امتيازا. يمكن القول ان الكاميرا فى المنتصف، دون انحياز. وعندما أقول اننى لا أحاكم شخصياتى بالكاميرا لا أعنى دفع المشاهد ألا يحاكم الشخصيات هو الآخر. بل على العكس، أعتقد أن صانع الأفلام عندما يمتنع عن محاكمة الشخصيات يترك الفرصة للمشاهدين كى يفعلوها. إذا قلت من هو الجيد والسيئ أدفع المشاهد لاعتناق رأيى ذاته، وهذا يغلق باب الحوار بعد الفيلم.

حول فيلم «انفصال»

هناك جانبان يشكلان عملية الكتابة بالنسبة لي، أحدهما واعٍ والآخر آتٍ من اللاوعي. لدينا جميعا رأس مال فى عقولنا. هذا المخزون غير الواعى نحتاج فقط كلمة السر كى نلج إليه. كلمة السر هنا هى مجرد شرارة، لقطة تدفعنا للدخول إلى هذا العالم. فى فيلم «انفصال» بدأ كل شيء بمشهد رواه لى أخى الذى كان يرعى جدنا المصاب بالزهايمر، عندما أخذه إلى الحمام ليغتسل وخلال العملية وجد نفسه يبكى تأثرا بالموقف. كانت هذه هى الشرارة التى دفعتنى لكتابة الفيلم. انطلقت من الموقف وقلت إنه سيكون مشهدا فى فيلمي، وبدأت التفكير فى الرجلين، من هما ومن أين جاء؟ أين هى زوجة الرجل ومن هم أبناؤه؟ هكذا يبدأ الأمر بنواة أو شرارة تظهر، لتبدأ كل الأفكار والذكريات تأتى من اللاوعى وتجتمع حولها، ليأتى دور الوعى فى رسم المشاهد وتركيبها معا حتى تصير سيناريو.

اجتمعت بالأمس بمدير التصوير الذى سيعمل معى فى فيلمى الجديد الإسباني، وقلت له بوضوح ان ما أتوقعه من المصوّر ألا تكون الكاميرا أو الإضاءة محسوسة فى الفيلم. أليست فكرة السينما أن توحى بأننا نشاهد الحياة؟ من يضعنى ويضع فريق التصوير بين الفيلم ومشاهده يناقض هذه الفكرة. قبل تصوير «انفصال» جعلت مدير التصوير يشاهد فيلما تسجيليا تم تصويره بكاميرا محمولة تدور أحداثه فى ردهات منزل عائلة. قلت له ان هذه هى نوعية الصورة التى أريدها. لا أريد أن يشعر من يشاهد الفيلم باستخدام الإضاءة، وهو أمر صعب أن تجعل إضاءتك غير مرئية، لذا أعمل مع من يشاركونى نفس الفهم لضرورة إخفاء الحرفة.

الأمر الذى اكتشفته بالنظر للوراء ولم أكن أقصده بدقة هو أننى بداية من فيلمى الثالث أروى فى أفلامى حكايات أبطالها من الطبقة الوسطى. ربما لأن أغلبية الإيرانيين ينتمون لهذه الطبقة، وهى الطبقة التى أنتمى لها ونشأت داخلها وأشعر بالقرب منها. الأمر أيضا يختلف إذا ما كنا نتحدث عن البعد الاقتصادى أم الثقافي. هناك ارتباط بين البعدين فى دول أخرى. فى فرنسا على سبيل المثال لو تحدثنا عن الطبقة البورجوازية فنحن نقصد مجموعة من الصفات التى تميز الطبقة وتجمعها، إذا ذهبت لمنزل أسرة فرنسية بورجوازية سيمكنك توقع شكل اللوحات التى يعلقونها على الجدران. أما فى بلاد أخرى منها إيران، البعدان ليسا مرتبطين بهذه الدرجة. قد تذهب لبيت بالغ الثراء فلا تجد أثرا لثقافة فى ديكور المنزل. ما أتعامل معهم هم أبناء الطبقة الوسطى ثقافيا فى بلدي.

العلاقات العاطفية هى محيط واسع بإمكانك الغوص داخله مرات لتكتشف الجديد فى كل مرة. هى أقدم شكل للعلاقات بين البشر عبر التاريخ، لكن صعوباتها جديدة ومختلفة كل يوم. لا يوجد زوجان يمكنهما الاعتماد على خبرات من قبلهما كى يعيشا حياة أفضل، لا زواج يشبه الآخر، ولكل علاقة أبعاد كثيرة. الزواج والأسرة مدخلى المفضل إلى المجتمع بشكل عام. الأمر ذاته تجده فى المسرح الكلاسيكى حيث الأسرة والزواج دائما هما شكل معالجة حال المجتمع، كما فى مسرحيات آرثر ميللر.

حول فيلم «البائع»

تركت المسرح منذ عشرين عاما، وظلت عندى الرغبة دائما فى العودة من جديد، لكننى لم أتمكن أبدا من إيجاد عام كامل أتفرغ فيه لإخراج عرض مسرحي، لذلك وجدت أن السبيل الوحيد هو دخول عالم المسرح من خلال السينما. كان لدى أيضا لسنوات فكرة عامة عن زوجين تتعرض حياتهما الخاصة للاختراق من قبل رجل غريب، لكننى لم أكن راضٍ عن الحكاية وشعرت دائما بوجود شيء ناقص. كنت لم أتوصل لوظيفة هذين الزوجين. كان من الممكن أن يعملا فى أى شيئ وهذا فى حد ذاته أمر لا يرضيني. أتتنى فكرة أن يكونا ممثلين، لأنها ليست فقط وظيفة، وإنما تمنحك أيضا فرصة أن تعيش حياة الآخرين وتتعاطف معهم. بهذه الفكرة اكتملت القصة، لأن بكونهما ممثلين يجسدان أدوارا على المسرح كل يوم صار بإمكانى إظهار بناء شيء بالفارق بين ما يراه الجمهور فى حياتهما اليومية وما يقدمانه على خشبة المسرح.

كان عليّ اختيار مسرحية يؤديانها كل ليلة. قرأت نصوصا إيرانية وعالمية حتى وصلت لاختيار «موت بائع متجول» لميللر. كان الاختيار بمثابة المنحة الإلهية التى ربطت النص بشخصية البائع المتجول العجوز الذى يظهر فى نهاية الفيلم. رابط آخر وجدته بين المسرحية وفيلمى الذى كنت قد كتبت حكايته العامة بالفعل هى تيمة الإهانة، بالإضافة لتشابه بين شخصية العاهرة التى أراد الرجل زيارتها أصلا وبين شخصية فى المسرحية، جعلتنى أؤمن أن نص ميللر بمثابة مرآة للفيلم الذى كتبته. اخترت من البداية مقاطع من المسرحية أعلم أننى سأستخدمها فى أماكن بعينها للربط بين العملين. وباختيار المقاطع صرت أعلم بالضبط المكان الذى أرغب فى وضعها فيه داخل السيناريو الخاص بى ليصير أكثر تعبيرا عن مشاعر الشخصيات. كان التحدى الخاص بى فى الفيلم هو جعل أى حد بين المسرح والحياة يتلاشى، عبر التأكيد على أن ذهاب الأبطال للمسرح وتمثيلهم هو جزء من التعبير عن مشاعرهم الحقيقية.

الإيقاع أيضا يرتبط بخلفيتى المسرحية. عندما تعمل فى المسرح تنمو لديك حساسية خاصة تجاه رد فعل الجمهور وتحاول الحفاظ على اهتمام المشاهدين طوال العرض. إذا غادر أحدهم القاعة أو حتى تحرك فى مكانه يشعرك هذا بالحرج. الإيقاع هو أحد الأدوات التى تعلمت استخدامها للحفاظ على انتباههم، هناك تشويق أحتاجه لخلق هذه الحالة. الإيقاع يولد ويوجد داخل السيناريو، ثم تقوم بدعمه عبر تصميم حركة الممثلين، المونتاج، وأيضا حركة الكاميرا.

عندما تعمل مع الممثل نفسه ثلاث أو أربع مرات، تطورون معا لغة سينمائية أو ذوقا مشتركا. طريقتى فى موقع التصوير هى أننى بدلا من أن أخبر الممثل ما يفعل أوضح له ما لا يجب أن يفعله. وكلما عملت مع الممثلين قلّت حتى هذه الحاجة للتوضيح. بينما عندما أعمل مع ممثل للمرة الأولى أقضى فترة البداية فى إملاء التعليمات عما لا يجب فعله، وعادة لا يكون مردود هذا إيجابيا لديهم. عندما أقول اننى لا أعطيهم تعليمات أعنى أننى لا أحدد أو أسمى ما أريده منهم. إذا أردت شخصية محافظة لن أطالب الممثل أن يكون محافظا، بل سأضعه فى مواقف تجعله يتصرف بتحفظ. فى «البائع» كان لدى شخصية العجوز الذى يتعرض للإهانة أمام أسرته، ما فعلته لإيصال هذا الشعور خلال البروفات هو جعله يتدرب على كونه فى محل للمجوهرات، يكتشفون فيه اختفاء قطعة من المجوهرات ويغلقون أبواب المحل لتفتيش كل الموجودين، ليعثروا على القطعة فى جيبه. كان الهدف هو تعريضه لفكرة الإذلال أمام جميع الزبائن كى يفهم الأداء المطلوب.

فكرة عدم تصنيف شخصياتى إلى أخيار وأشرار سواء عند عملى بالمسرح أو السينما هى بالأساس مستمدة من الأدب. هذا الشكل من فهم الاختلاف، وأن الصراع ليس بين طرف يمثل الخير وآخر يمثل الشر، وأنه من الممكن أن يتصارع اثنان من الأخيار، تعلمته من أشعار أبى قاسم الفردوسى الذى امتلك هذه النظرة للإنسانية. الأدب ملهم حقا، أكثر من السينما. هذه الأيام استمتع عند القراءة أكثر من متعتى بمشاهدة الأفلام. أقرأ أورهان باموق وأجد المتعة التى أشعرها تفوق بكثير متعة السينما.

عن السينما والسياسية

فى فيلم «البائع» عندما تتعرض المدينة لزلزال ويقول أحدهم انه يتمنى هدم طهران وإعادة بنائها، لا أرى هذا المدخل سياسيا، ولا أحب النظر للأمور من زاوية السياسة الضيقة التى تحجب عنك الكثير. لكن ما يحدث هو أننى أعيش فى بلد كل شيء فيه يُفسر من منظور السياسة. حتى ملابسك فى إيران يتم تفسيرها بشكل سياسي، لو ارتديت بنطلون جينز يفسرون الفعل بمنطق السياسة. لذلك لا أملك شيئا حيال وجود تفسيرات سياسية لمشاهد من أفلامي، ما أقوله هو إن طريقة تعبيرى ليست رمزية. لا استخدم الرموز فى أفلامي. كل شيء واقعي، ومعقد بطبيعة الحال. لكننى لا أوجه رسائل ولا استخدم رموزا، وأجد من الأذكى والأهم أن تنتقد المجتمع بدلا من انتقاد السياسة، لأن المجتمع الواعى هو الوسيلة الوحيدة حتى لا نقع فى أيدى الديكتاتورية.

لأن أفلامى تتناول مشكلات العائلة فمن الطبيعى أن يكون المنزل شخصية فى حد ذاته، فهو ليس مجرد مكان تصوير وإنما هو انعكاس لحياة الشخصيات الداخلية. الشقة فى «انفصال» مثلا تعمدت أن تكون معقدة فى تكوينها، تحتوى على منعطفات ونوافذ فى كل مكان، بما يعكس تعقد العلاقات التى تدور داخل المنزل. عادة ما اختار المنازل بحيث ترتبط بتيمة الفيلم وشخصياته، فى «أربعاء الألعاب النارية» تعمدت أن المنزل الذى يفترض أن يمثل ملجأ يرتاح الإنسان فيه يتحول إلى النقيض، إلى مكان ينعدم فيه شعور الأمان والخصوصية. نفس الشيء تجده فى «البائع». عندما تُفكر فى الخصوصية تفكر عادة فى المنزل. وعندما تصير خصوصيتك موضع تهديد لا بد وأن تشعر بهذا حتى داخل بيتك.

عندما أقول إن مدخلى للسينما هو أن تكون مرآة للواقع فهناك قيود تأتى مع هذا الاختيار من بينها الموسيقى. فى الواقع ليس لمجرد امتلاكك شعورا تظهر موسيقى تعبر عن هذا الشعور. ستسأل هنا إذن لماذا توجد موسيقى أحيانا فى نهاية أفلامي؟ أحاول أن أفعل عكس المعتاد تماما. لا أضع موسيقى شاعرية فى نهاية الفيلم. عادة نشاهد الأفلام بمشاعرنا وليس بعقولنا. أدرك هذا واستخدمه فى تحريك مشاعر الجمهور، لكن فى النهاية أحاول نقل المشاهد من الحالة الشاعرية إلى وضع التفكير، وهذا تقريبا استخدام معاكس لما يفعله معظم من يستخدمون الموسيقى فى الأفلام. هذا لا يعنى أننى لا أحب الموسيقى، بل أننى ربما أقدم يوما فيلما مليئا بها، لكن حتى اللحظة وطبقا لنوعية الأفلام التى أصنعها أظن أن الاستخدام بهذا الشكل هو الاختيار الملائم.