«على معزة وإبراهيم» .. الواقعية السحرية فى ثوبها الجديد ! بقلم : مجدى الطيب   لا أنكر أننى وضعت يدى على قلبي، وقت أن ترددت أنباء عن انتقال مشروع فيلم

8887777

«على معزة وإبراهيم» .. الواقعية السحرية فى ثوبها الجديد !

sora-magdy-el-tayb-45

بقلم :

مجدى الطيب

 

لا أنكر أننى وضعت يدى على قلبي، وقت أن ترددت أنباء عن انتقال مشروع فيلم «على معزة وإبراهيم» من المخرج إبراهيم البطوط، الذى كتب القصة، إلى شريف البنداري، الذى تحمل المسئولية كاملة، وأشفقت على المخرج الشاب خشية أن تُثقل المسئولية كاهله، ويتحول «الحلم» معه إلى «كابوس». ولم يفارقنى الخوف، وأنا فى طريقى لمشاهدة الفيلم فى عرضه العالمى الأول فى الدورة الثالثة عشرة «7 – 14 ديسمبر 2016» لمهرجان دبى السينمائى الدولي، قبل أن أغادر قاعة العرض سعيدا، منتعشا، ومنتشيا، بعدما تولد لدى يقين أن الفيلم يمثل فتحا جديدا فى السينما المصرية.

انبهرت كثيرا بالتجربة الرائعة لكنى أخذت عهدا على نفسى ألا أكتب عنها إلا بعد طرح الفيلم فى الصالات التجارية، رغبة منى فى الاستقراء الدقيق للتجربة، التى أجزم أنها تحتاج إلى متلقى صاحب ذائقة فنية، ومزاجية، مختلفة عن تلك التى كرستها السينما المصرية السائدة، كما أننى – وهذا هو الأهم – أردت تجنب إصدار حكم مُسبق على التجربة قبل أن تُصبح ملكا للجمهور.

فى فيلم «على معزة وإبراهيم»، الذى يُعد التجربة الأولى للمخرج شريف البندارى فى إخراج الأفلام الروائية الطويلة،بعد مسيرة متميزة فى إخراج الأفلام الروائية القصيرة؛ مثل : «صباح الفل» «2006»،«ساعة عصاري» «2008» والتسجيلى الطويل «فى الطريق لـ .. وسط البلد» «2011» ومشاركة بفيلم قصير عنوانه «حظر تجول» فى الفيلم الطويل «18 يوم»، وتوج هذه المسيرة بالفيلم القصير «حار جاف صيفا»، الذى حصد جوائز عدة، ما أهله لخوض تجربة الفيلم الروائى الطويل «على معزة وإبراهيم»، الذى منح للواقعية السحرية شكلا ومذاقا مختلفا.

لا أبالغ عندما أسجل أن التوفيق حالف «البنداري» كثيرا عندما أسند مهمة الكتابة إلى المؤلف الشاب أحمد عامر، الذى اعتمد طريقة حكى أقل ما توصف به بأنها ساحرة ورائعة، امتزج فيها المغزى العميق بخفة الظل، والبساطة بالرصانة، وميزها التمرد الجميل، فضلا عن مراوحته السلسة بين «الواقعية» و«التجريب»، وتوغله فى منطقة تبدو غريبة، وغير مألوفة، لكنها طريفة ومُحببة !

 

تجربة تحتاج إلى متلقى صاحب ذائقة فنية ومزاجية مختلفة عن تلك التى كرستها السينما المصرية السائدة

 

 

تبدأ أحداث الفيلم فى حى الدرب الأحمر الشعبي؛ حيث يعيش «علي» «على صبحي» أزمة عنيفة يُصبح فيها مثار تطاول وسخرية وتندر الجميع؛ خصوصا الأطفال، بسبب تعلقه بمعزته، التى أطلق عليها «ندى»، ويتعامل معها بوصفها «أنثى» حقيقية، كما يرفض بشكل مُطلق النظر إليها بوصفها «حيوان»، فيما تكمن أزمة «إبراهيم» «أحمد مجدي» فى الأصوات الغريبة التى تتناهى إلى مسامعه، ويجهل مصدرها، وتؤثر على مصدر رزقه؛ حيث يتهمه صاحب «استديو عبودة للصوتيات والمرئيات» بأنه معتوه، ودون سابق معرفة، وفى حضرة الدجال، الذى يُطلق عليه «المعالج الروحاني»، يجمع الشابان مصير واحد؛ بعد أن يُطالبهما الدجال، بحجة أنه الطريق الوحيد للشفاء، بإلقاء ثلاث قطع من «الزلط» فى المسطحات المائية الثلاثة، وهو ما يعنى الإبحار فى رحلة داخل مصر؛ تبدأ بالبحر المتوسط فى الإسكندرية وتنتهى بنهر النيل فى القاهرة، مرورا بالبحر الأحمر فى سيناء، بكل ما اعترى الرحلة من مواقف طريفة، ومُبكية، ومكاشفة للأفكار، وتعرية للنفس البشرية المُركبة.

هى رحلة تنوير، وإعادة اكتشاف للذات، يتصالح فيها «إبراهيم» مع نفسه، وماضيه، ويهزم مخاوفه، وهواجسه، ونضع أيدينا بعدها على حقيقة أزمة «على معزة»، الذى لم يكن يوما مخبولا، بل إنسانا رقيقا أحب بتفان، وأخلص لحبيبته إلى درجة الجنون، ولحظة أن أدرك الجميع من حوله حجم المأساة التى عاشها، وأيقنوا أنهم أخطئوا فى حقه، عادوا واعتذروا وكفروا عن ذنبهم، وتحولت «ندى»، لديهم، إلى أسطورة، ورمز للحب الخالد !

لا يكمن سحر فيلم «على معزة وإبراهيم» فى معالجته الرقيقة والراقية للموضوع أو اختلافه عن السائد، وامتلاكه لمقومات المتعة؛ خصوصا فى التفاهم الكامل، والجدية الطريفة، التى تُظلل العلاقة بين «علي» والمعزة «ندى»، بل فى كونه مصنوعا بحرفية عالية؛ سواء على صعيد شريط الصوت أو الديكور «أحمد فايز»،أو التصوير «عمرو فاروق» أو الموسيقى «أحمد الصاوي» أو الملابس «ريم العدل» فضلا عن المونتاج «عماد ماهر»، الذى كان له دور كبير فى تماسك الأحداث، وسلاسة المواقف، وضبط الإيقاع، بالإضافة إلى الاختيار الرائع من جانب المخرج لمواقع التصوير، التى تناغمت مع الموضوع والشخصيات، الغرائبية فى ظاهرها، وهو نفس التناغم، والانسجام، اللذان خيما على العلاقة الإنسانية الرقيقة بين على صبحى وأحمد مجدي، وانعكس على بقية الشخصيات؛ حتى الأدوار المساعدة منها مثل : «نوسه» «سلوى محمد علي» أم على معزة، التى تخشى على ابنها من الخبل والانحراف الأخلاقي، أو العاهرة «نور/ صباح» «ناهد السباعي» التى تعثر على من يحنو عليها فى شخص «كاماتا» «أسامة أبو العطا» صديق على معزة، أو حتى الضابط «آسر ياسين فى ظهور خاص» الذى يكرس صورة التعامل الأمنى الباطش بالمواطنين؛ فالعواطف تفرض نفسها فى الفيلم جنبا إلى جنب مع مشاعر الحب والفقد، والبهجة والمأساة، وحتى مشاهد سخرية الأطفال من «على معزة»، التى اتسمت بالطرافة، ولم تنحرف إلى الغلظة والسماجة، كما جرت العادة، وبلغ السحر مداه فى مشهد المواجهة بين «إبراهيم» والبلطجية، الذين خطفوا «ندى» طمعا فى ابتزاز «على معزة»، ووظف مهاراته فى مجال الصوتيات، وكأنه وجد السبيل لاستثمار موهبته الدفينة، والخلاص من هواجسه المرضية، عندما ضاعف «التراكات»، وزلزل أعصابهم، وتركهم مُدمرين نفسيا وعضويا !

بالطبع لم يخل الأمر من غياب المنطق عن بعض المواقف والعلاقات؛ كالانبهار غير الواقعى من جانب «كاماتا» بفتاة الليل، وسعيه إلى الزواج بها، رغم أنه ابن بلد تربى على عادات وتقاليد تشين هذه العلاقة، لكن الهنات قليلة، وتكاد لا تُذكر، ولم تؤثر، مُطلقا، سلبا على التجربة الجميلة والمثيرة، التى تحتاج إلى أكثر من مشاهدة لقراءتها بالشكل الذى يليق بها، وبتركيبتها الفلسفية التى تتأرجح بين الوهم والحقيقة وتتراوح بين الحياة والموت، وتحتفى بشخصيات درامية تزخر بحس إنسانى لا يخلو من شجن، وواقعية أخاذة لا تعرف القبح، ولا علاقة لها بالعلاقات المنفرة، والمشاهد التى تثير الاشمئزاز، التى تقذفها بعض أفلام السينما المصرية فى وجوهنا بحجة الواقعية !