إبراهيم فرغلي يكتُب مهرجان أدبي في الإمارات يستضيف 180 كاتبا بدون خطأ واحد! طموح هائل وورش عمل وتكوين قاعدة قرائية فى مدارس الإمارات   لا أعتقد أنه من الممكن الكتابة

7788

إبراهيم فرغلي يكتُب

مهرجان أدبي في الإمارات يستضيف 180 كاتبا بدون خطأ واحد!

طموح هائل وورش عمل وتكوين قاعدة قرائية فى مدارس الإمارات

 

لا أعتقد أنه من الممكن الكتابة عن مهرجان مثل مهرجان طيران دبى للآداب، والإلمام بكل التفاصيل الخاصة به بسبب طموحه الهائل وعدد الفعاليات المدهشة، إذ تضمن المهرجان 250 جلسة نقاش، وورشة عمل، إذ توافد إليه هذا العام ما يزيد على 40000 زائر. وشارك فى الفعاليات أكثر من 180 كاتبا من أرجاء العالم، كما أن توجه الإمارات لتشجيع المجتمع على القراءة أدت إلى أن يخطط المهرجان لكى يستفيد 25 ألف طالب وطالبة من كل الأعمار والمراحل الدراسية من الكتاب المشاركين، عبر فعاليات يوم التعليم وزيارات المؤلفين للمدارس.

ولذلك فإن الفعاليات تقسم على أسبوعين متواليين، يحضر فوج فى الأسبوع الأول وبمجرد رحيله يصل الفوج الثاني، ولهذا يقيم المهرجان افتتاحه الرسمى تماما فى نهاية الاسبوع الأول حيث يلتقى كل الكتاب المشاركين، الذين يغادرون فى اليوم التالى والذين وصلوا فى هذا اليوم.

لذلك سأهتم هنا فقط بالكتابة عن رسالة المهرجان، وعن الدور المهم الذى يلعبه فى الإمارات، والذى تتجلى بين شواهده العديدة مثلا، أنه بينما كانت الدورة الأولى لا تضم أكثر من 60 كاتبا بينهم ستة كتاب إماراتيين فقط، فإن هذه الدورة شارك فيها 184 كاتبا من 33 دولة بينهم 41 كاتبا إماراتيا، وشهد ظاهرة إقبال منقطع النظير مثلا على ندوة الكاتب سيف عمر غباش حول كتابه رسالة إلى مسلم صغير، وكان طابور حفل التوقيع يبدأ من أمام الكاتب حتى مدخل الفندق فى مشهد استثنائي. وهذا واحد من طموحات المهرجان.

تقف خلف فكرة المهرجان سيدة عاشقة لدبى والإمارات والثقافة والأدب وهى إيزابيل أبو الهول، الحاصلة على وسام الإمبراطورية البريطانية التى تقيم فى دبى منذ العام 1968، ومديرة المهرجان.

حين تتحدث أبو الهول، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة الإمارات للآداب، عن دبى تجدها مفعمة بالعاطفة، وحين تتحدث عن الأدب والثقافة وعن فخرها بما ينجزه المهرجان والفريق الذى تشرف عليه فكثيرا ما يغالبها الشعور بالبكاء. ربما لأنها تدرك أن إخلاصها الشديد لفكرتها جعل كل الفريق العامل معها بالإضافة إلى فريق المتطوعين يعملون بنفس الإخلاص وما يستتبعه من دقة وحرفية شديدة.

خلال حوار بين مجموعة كتاب سمعت بول بليزارد، المذيع والصحفى وأحد الإعلاميين البريطانيين، ومقدم حفل الختام، وهو يحكى عن الفترة التى كانت السيدة إيزابل أبوالهول تفكر خلالها فى كيفية إقامة المهرجان، وأنه لمح فى عينيها نظرة كشفت أنها لن تتردد فى عمل كل ما يقتضى إقامة مهرجان ناجح، لأن بلدا مثل الإمارات تستحقه. ولاحقا وصف مهرجان دبى بواحد من أهم خمسة مهرجانات أدبية فى العالم.

يعتمد المهرجان، بالإضافة لفريق العمل الخاص بكل إجراءات التنظيم وترتيب الفعاليات واختيار الكتاب وفقا لتيمة المهرجان وورش العمل والمدارس، على فريق من المتطوعين من طلبة المدارس والجامعات يصل عددهم إلى 800 متطوع، يبدءون التدريب قبل ستة شهور كاملة من بدء الفعاليات. ويتحول هذا الفريق إلى خلية نحل لا تتوقف عن العمل، يبدأ أفراده يومهم فى السادسة صباحا كل يوم حتى منتصف الليل طوال فترة المهرجان.

هذا المهرجان من المهرجانات القليلة التى ترى فى الثقافة مفهوما شاملا، لذلك سيجد جمهور القراء ما يهم كل منهم: كتابة الأطفال، اليافعين، الروايات، أدب الجريمة، العلوم، الرياضة، الشعر، الطبخ، التاريخ، والبيئة، والرعاية الرياضية، وابتكار الألعاب الإلكترونية وألعاب الذكاء، وغيرها، وستجد دائما تناولا مختلفا للأفكار، فقد تجد محاضرة تتناول تاريخ العالم من خلال المقارنة بين مطبخ كل ثقافة. أو تجد تناولا لتوثيق الرحلة بالقلم والصورة والرسم، أو تجد كاتبة متخصصة فيما يسمى «الأنثروبولوجيا الجنائية» وبين الكاتبات اللائى شاركن مثلا كاثى ريكس متخصصة فى الأنثروبولوجيا الجنائية، وهى من بين 82 مختصا فى هذا المجال، معتمدا من قبل البورد الأمريكى للأنثروبولوجيا الجنائية، وحياتها الواقعية ليست ببعيدة عن ما تكتبه فى رواياتها، فقد تم استدعاؤها لتدريب عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي، وتعريفهم بكيفية كشف واستعادة الرفات البشرية، والتعرف على قتلى الحرب فى كوريا وجنوب شرق آسيا، وللشهادة لدى الأمم المتحدة حول الإبادة الجماعية فى رواندا.تحدثت ريكس عن تجسيد الكتابة لدور العِلم فى اكتشاف الجرائم، وكشف أسرارها، التى يمكن أن تضيع مع الزمن، دون أن يلتفت إليها أحد.

كما توجد فعاليات خاصة ومختلفة عن الشائع فى مهرجانات عربية مثيلة، من بينها مثلا أسرار التحقيق فى مسرح الجريمة، حاضرت فيها الكاتبة ليز بورتر. إضافة إلى فعاليات عديدة عن الطهي، والكتابة للسينما، أو ورش تعلم كتابة الأغانى الموسيقية، ورسومات الكتب، والرسوم المتحركة، أو موضوع الهوية بالنسبة للمهاجرين.

777888

أضاف المهرجان محاور جديدة بينها محور عن التسامح، وآخر عن السعادة وكان بين فعالياته مناقشة كتاب «تأملات فى السعادة والإيجابية» الذى يعد أحدث إصدارات سمو الشيخ محمد بن راشد، فى جلسة ادارتها وزيرة الدولة للسعادة فى الإمارات عهود خلفان الرومي، وشارك فيها الدكتور خليفة السويدى الأستاذ المساعد بجامعة الإمارات، والكاتب الكويتى محمد النغيمش، والإعلامى السيد فهد هيكل.

ويجدر الإشارة أن شعار المهرجان أو عنوانه العريض لهذا العام هو «الرحلات»، والذى لم يقتصر على مفاهيم أدب الرحلة وتوثيق الرحلات فقط، بل تجاوزها إلى الفنون الخاصة بالرحلة، ولقاءات بعض متسلقى الجبال العرب مثل الأردنى مصطفى محمود سلامة البالغ من العمر 35 عاما، الذى تسلق اعلى قمة جبلية فى القارة الأوروبية «قمة جبال اليبروس» الواقعة فى شمال روسيا، والتى ترتفع 18500 قدم عن سطح البحر، ليكون بذلك اول اردنى وعربى على وجه العموم يحقق مثل هذا الهدف.

هنا نرى مفهوما مختلفا لتناول الثقافة، والهدف من خلف هذا كله، بالإضافة لما يحققه الجمهور من فائدة ومتعة، هو الكتاب.

فكتب كل المشاركين متواجدة فى قاعة تشبه معرضا للكتاب على امتداد الرواق الذى تتراص فيه قاعات الندوات، وبعد كل ندوة تخرج كتب المشاركين فى منصات بارزة لكى يشترى القراء الكتب والتوجه بها للمنصة المخصصة للتوقيع للحصول على توقيع كتابهم المفضلين.

وقبل المهرجان بعدة شهور يتوجه فريق البرنامج التعليمى والمسابقات، للمدارس، ويقيم عدة مسابقات للقراءة فى أدب الأطفال، والفتيان، والشعر، لكتاب من المشاركين فى فعاليات المهرجان، ثم يتم دعوة الطلبة المشاركين فى المسابقات لندوات خاصة مع الكتاب الذين قرءوا كتبهم ليجد الكاتب عددا كبيرا من القراء الصغار الذين يتفاعلون ويوجهون أسئلة ذكية ومهمة.

«أجمل الرسائل التى قرأتها بين رسائل الأطفال ويرف لها قلبى كلما تذكرتها، طفل يوجه كلمة مكتوبة بخط يده قائلا: «أحبك جدا يا أمى لأنك أحضرتنى هنا».

لا أعتقد أن أى طفل سيمر عبوره فى مثل هذا المكان ببساطة، بل سيظل راسخا فى خياله طويلا.

من بين الأسماء العربية التى شاركت فى المهرجان، الشاعر الفلسطينى مريد البرغوثي، والكاتب الفلسطينى ربعى المدهون الحائز على جائزة البوكر العربية، إضافة للكتاب المصريين أحمد خالد توفيق ومنصورة عز الدين ومحمد ربيع، وكاتبة الأطفال الموهوبة أمل فرح، وسحر محفوظ، والكاتب السعودى منذر القباني، الذى شارك محمد ربيع واحدة من الندوات، والكاتبة بدرية البشر، والرحالة عبدالله الجمعة، والشاعر تميم البرغوثي، والكاتبة اللبنانية فاطمة شرف الدين، والشاعرة زينة هاشم بك، والمخرجة الفلسطينية والشاعرة هند شوفاني، ومن سوريا عدنان العودة، الشاعر والمسرحي، والكاتب السودانى البريطانى جمال محجوب، أو باركر بلال كما يوقع فى كتبه فى أدب الجريمة، وبالمناسبة تبينت أن هذه المغامرات التى ترجمت للغات عديدة لم تترجم فى مصر، رغم أنه اختار مصر موقعا لأحداث كل كتب المغامرات والجريمة. كما شارك الجزائرى ياسمينة خضرا، فى أكثر من فعالية، ومن الكويت شاركت بثينة العيسى «لاحظ أن روايتها خرائط التيه، تدور فى خط جغرافى يبدأ من الكويت إلى مكة، فعسير وصولا إلى سيناء، وهذا مرتبط أيضا بتيمة الرحلة فى المهرجان»، وهدى الشوا القدومى المختصة فى أدب الفتيان، «لها كتاب يتضمن أيضا ما يشبه الرحلة». أما مشاركتى فقد ارتبطت بشكل أساسى بكتابى فى أدب الرحلة، حيث شاركت مصورا فوتوغرافيا بريطانيا محترف هو مايكل فريمان، والفنان ورسام الأطفال الشهير مايكل مور، الذى قدم كتابا عن رحلاته التى رسمها جميعا فى كتاب توثيقى فنى مرسوم. كما قدمت محاضرة للفتيان عن الخيال العلمى حضرها 300 طالب من المدارس شاركوا فى مسابقة قراءة لروايتى للفتيان مصاصو الحبر. وهى أيضا كانت موضوعا لمناقشة فى ندوة أخرى بالاشتراك مع كاتبين بريطانيين فى مجال الكتابة للفتيان هما فرانسيس هاردينج الحائزة على جائزة كوستا لأدب الأطفال، وفيليب رييف، الذى سيتحول واحد من كتبه للفتيان إلى فيلم سينمائى نهاية العام المقبل.

ومن الإمارات سيف عمر غباش، مؤلف كتاب رسالة إلى مسلم صغير، وجميل بن حويرب، سلطان القاسمي، عبدالعزيز المسلم، حسن النابودة، د. حمد الحمادي، زينب البلوشي، سارة الأميرى قائدة الفريق العلمى لمشروع الإمارات لاستكشاف المريخ ونائبة مشروع بعثة الإمارات للمريخ «مسبار الأمل»، والروائية ريم الكمالي، الشاعرة عفرا عتيق، خالد بن حمد فى مجال الرسوم المتحركة وغيرهم.

أما الكتاب الغربيون فمشاركتهم كبيرة جدا، بين المحاضرات الفكرية والأدبية، وأدب الفتيان، وورش الأطفال، والرسم، والشعر، والتاريخ، وبينهم الكاتب جون همنغواي، حفيد إرنست همنغواي، إذ تفضل بتسليم ربيكا هيني، الفائزة بالجائزة الأولى، النسخة الخاصة من قلم مونتيغرابا المخصصة لذكرى الكاتب إرنست همنغواي. والقائمة طويلة جدا، من بينها للتمثيل فقط، جيفرى آرشر، د. جو مارشنت: محررة مجلة نيوساينتست العلمية، بن ميللر، الممثل الكوميدى ومؤلف بعض الكتب العلمية، كاى ميللر، الشاعر البريطانى من أصل جامايكى صاحب الصوت الفلسفى العميق، وآندى ميللر، صاحب كتاب سنة القراءة المستحيلة، وبيتر هاميلتون مؤلف الخيال العلمي، برنارد مينير الكاتب الفرنسى المتخصص فى أدب الجريمة، ومن الهند بيوش جها مخرج الأفلام ذات المواضيع غير المألوفة، ومؤلف أدب الجريمة. والمؤرخان البريطانيان بيترفرانكوبان من جامعة أوكسفورد، والمؤرخة المتخصصة فى التاريخ القديم وثقافة العصور الوسطى بيتانى هيوز، ومصممة كتب الأطفال الأمريكية سارة ماكينتاير، والبريطانية سميرتى براسدام-هولز، والصحفية الباكستانية مهر طيرار، وغيرهم عشرات تضيق المساحة عن ذكرهم.

كما أقيم على هامش الفعاليات مؤتمرا مهما للنشر شارك به عدد من الناشرين والعاملين فى مجال النشر عالميا وعربيا، وبين المشاركين العرب فيه محمد رشاد، لتبادل الأفكار والتفاعل بين العالم العربى والغرب فى مجال النشر، وتعزيز التواصل بينهما. ناقش المؤتمر طيفا واسعا من المواضيع الخاصة بالنشر.

7788999

قامت مؤسسة الإمارات للآداب بتكريم الفائزين بجائزة أمناء مكتبات المدارس، الذين بلغ مجموعهم عشرة، وذلك تقديرا لجهودهم فى تشجيع الطلاب للقراءة وأفكارهم الخلاقة التى تسهم فى تعزيز مكانة المطالعة فى مدارس دولة الإمارات العربية المتحدة.

تقول إيزابيل أبو الهول: لقد وعَدت مؤسسة الإمارات للآداب، الهيئة الإدارية للمهرجان، بالعمل على غرس محبة القراءة عند جميع الأعمار. فهى أعظم هدية يمكن أن نقدمها، وفى عام الخير فى دولة الإمارات، ونحن نأمل أن يكون المهرجان قد تمكن من زرع بذور عادة القراءة بين جميع الذين تمكنوا من حضوره.

جدير بالذكر أن الجهة المنظمة للمهرجان هى مؤسسة الإمارات للآداب، بينما الجهتين الراعيتين لها هما طيران الإمارات، ومؤسسة دبى للأدب، وبرعاية سمو الشيخ محمد بن راشد.

هذا المهرجان فى تقديرى مدرسة حقيقية للعمل الثقافي، والتبادل الثقافى للأفكار، والخبرات، والإلهام، والعمل الإبداعي، وتشجيع الجمهور على القراءة وحب الكتاب، وتخليق جماعات قرائية جديدة من الأطفال، بأفضل شكل ممكن.