تجديد الخطاب الدينى فى فكر على مبروك   بقلم: د. محمد عبد المعز إبراهيم دكتوراه فى الفلسفة الإسلامية – مدرس بالأزهر الشريف   الأزهر وسؤال التجديد، عنوان آخر كتاب صدر

356

تجديد الخطاب الدينى فى فكر على مبروك

 

بقلم:

د. محمد عبد المعز إبراهيم

دكتوراه فى الفلسفة الإسلامية – مدرس بالأزهر الشريف

 

الأزهر وسؤال التجديد، عنوان آخر كتاب صدر للمفكر الراحل دكتور على مبروك، والقارئ لعلى مبروك يدرك أن «الأزهر وسؤال التجديد» ليس إلا تجسيدا وتعبيرا عن منهجية ومشروع على مبروك الفكري، هذا المشروع لا يمكن حصره فى محاولة تقديم رؤية تجديدية للخطاب الديني، بقدر ما هو محاولة لتفكيك الخطاب المشكل للعقل العربى المسلم، فقد أدرك مبروك أن وراء العقل العربى والإسلامى خطاب ساهم فى تشكيله، ومكون لتصوراته المعرفية والثقافية والحضارية، يرى مبروك أنه العائق أمام أية نهضة أو تقدم منشود لأمتنا العربية الإسلامية، ومن ثم فإن أية دعوة لتجديد الخطاب الديني، يجب ألا تنطلق من داخل بنية الخطاب ذاته، بل لا بد من تفكيك وهدم هذا الخطاب من أساسه، وإحلال خطاب آخر جديد محل الخطاب السائد ؛ إذ إن الإشكال فى الخطاب الدينى السائد «الأشعري/ الشافعي» عند مبروك هو تحويل المنظومة الخبرية إلى سلطة لها سلطة الوحي، وتحويل الآراء الفقهية إلى قوة إلزام مطلقة، ومن ثم فإن فعل التجديد ينبغى أن يسعى إلى تفكيك الكيفية التى أصبحت معها المنظومة الخبرية أصلا كالوحي، بل الإشكال يكمن أيضا فى التعامل مع الوحى على أنه سلطة يجب الخضوع لها، وليس مجرد نقطة بدء ينطلق منها الإنسان إلى فهم العالم والتأثير فيه.

ومن هنا ندرك رفض كل محاولة للتجديد من داخل بنية الخطاب الدينى السائد «الأشعري/ الشافعي» ذاته، فإن محاولات الأزهر الشريف لتجديد الخطاب الديني، وتطوير علومه ومناهجه، هى فى الأساس محاولات ترميم لبناء راسخ ومستقر، وليست محاولة لبناء نظام جديد قائم على العقل، تتوافر فيه الشروط اللازمة لإنجاز التجديد.

لكن لنتساءل من جانبنا عن النظام الذى يريد مبروك إحلاله محل الخطاب الدينى السائد، أهو النظام الشيعى الذى كان مسيطرا فى الأزهر قبل النظام الأشعري، والقائم على تكريس الاستبداد السياسى بالتعيين «فكرة النص على تعيين الإمام» أم النظام السلفى الحنبلى القائم على «النصية» والمستبعد لدور العقل تماما فى أية عملية معرفية أو اجتهادية، أم النظام المعتزلى القائم على العقل والفاعلية المطلقة للإنسان؟

إن مبروك يرفض التفكير بالأصل أو التفكير وفقا لنموذج، لأن التفكير بالأصل يعوق التفكير الإبداعى الحر، وهذا يقتضى أن النظام الذى ينشده مبروك هو التفكير بالأصل، نظام عقلى حر لا يستمد مقولاته، ولا مسلماته أو افتراضاته المعرفية الجديدة من أى نموذج سابق. بنية ذاتية جديدة لنظام معرفى جديد، لكن فى واقع الحال والمتتبع لمشروع مبروك الفكري، يكتشف أن الدعوة إلى التفكير بلا أصل هى دعوة خادعة ومغالطة مقصودة لإحلال نظام محل نظام آخر، فالمنهج التفكيكى فى فكر مبروك لا يهدف لهدم وتفكيك بنية خطاب، لأجل التفكير بلا خطاب، وإنما من إجل إحلال خطاب محل خطاب، فلا يوجد نظام عقلى دون محددات تشكل بنيته التكوينية، وإلا أصبحنا نفكر فى اللا تفكير، أو نبنى نظاما عقليا من محض العدم. حتى لو افترضنا محاولة بناء نظام عقلى جديد فلا يمكن بناؤه على غير مثال سابق، بل لا بد أن يستمد مكوناته من أسس عقلية سابقة، أى لا بد له من أصل ينطلق منه، والواقع أن مبروك يهدف من التفكيك إحلال النظام العقلى الحداثى العلمانى « المعتزلى قديما» محل النظام الأشعرى السائد، إذ المقصود بالتفكير خارج الأصل عنده هو التفكير خارج المنظومة الفقهية «الشافعية/ الأشعرية» التى اعتادت أن ترد الفروع إلى أصولها الفقهية، ففكرة الأصل هى نتاج العقل الفقهى الشافعى؛ لأنه يفكر بثنائية الأصل والفرع، ومن ثم يجب – حسب تصور مبروك- التحرر من سطوة التفكير بالأصل المشكل لثقافتنا العربية، لذلك أتت محاولته لتفكيك الفكرة المهيمنة على الخطاب الأشعرى وهى فكرة «المطلق / الأصل» ليحل محلها « النسبى أو المتعين / الفرع» فالهدف إحلال النسبى محل المطلق، أو الإنسان محل الله، لأن فكرة الإطلاقية أو المقدس فى الخطاب الأشعرى حسب مشروع مبروك أدت إلى إقصاء الإنسان، وجعلته فرعا يرد إلى أصل، وحولت فعل الإنسان إلى مجرد كسب وقصد وليس فعلا حقيقيا، نابعا من إرادته، بخلاف النظام العقلى «المعتزلى» القائم على الحرية والعدل الذى يضع الإنسان فى علاقة أفقية مع الله وليس فى علاقة رأسية مهيمنة من أعلى إلى أسفل، يجعل الإنسان مركزا بدلا من شبح، فاعلا مؤثرا، بدلا من كونه «أداة» لقوة مفارقة أقوى تسيطر عليه على المستوى الوجودى والمعرفي، ومن هنا أيضا ندرك كيف ربط مبروك فكرة الاستبدادالسياسى بالخطاب الأشعري، من أجل زحزحة هذا الخطاب، وإحلال نظامه العقلى الحداثي، متغافلا أن النظام العقلى قديما الذى كان يتغنى بمقولة «الجبر عقيدة أموية» فرض هو نفسه عقيدة «خلق القرآن» على العلماء والعامة بقوة الدولة، وتتبع معارضيها بالقتل والحبس والجلد وقطع الأرزاق فى عهد المأمون وما محنة ابن حنبل ببعيد، ثم إننا لا ندرى كيف اعتبر مبروك التفكير بالأصل والفرع فى المنظومة الفقهية دلالة على الجمود وتوقف العقل عن الإبداع، مع إنها تدل دلالة قاطعة على المنهجية العلمية، والتفكير العلمى للعقل المسلم، قبل ظهور المنهج العلمى عند علماء الحداثة والتنوير، إذ رد الفرع للأصل فى المنظومة الفقهية الشافعية الأشعرية، ليس ردا صوريا استنباطيا على النسق الأرسطي، بل ردا استقرائيا تجريبيا قائما على البحث فى العلة بعد سبرها وتقسيمها، وهى عملية تجريبية استقرائية خالصة تقوم على الاختبار والتجريب والحصر للأوصاف، وهذا يعنى أن العقل الشافعى الأشعرى قد ابتكر المنهج العلمى التجريبى الذى يسعى مبروك لتفكيكه من أجل إقامة نظام قائم على المنهج العلمى التجريبي.