«ممنوع الاقتراب أو التصوير» رسالة من الشعب للحكومة بقلم: أسامة عبد الفتاح   بفيلمه الروائى الطويل الأول «ممنوع الاقتراب أو التصوير»، الذى بدأ عرضه التجارى فى مصر الأربعاء الماضي، يثبت

77777

«ممنوع الاقتراب أو التصوير» رسالة من الشعب للحكومة

أسامة عبد الفتاح

بقلم:

أسامة عبد الفتاح

 

بفيلمه الروائى الطويل الأول «ممنوع الاقتراب أو التصوير»، الذى بدأ عرضه التجارى فى مصر الأربعاء الماضي، يثبت المخرج رومانى سعد، مجددا، قدرته على التنوع، والأهم: على التطور الملموس من فيلم إلى آخر، ومن نوع إلى آخر، مما يجعل مسيرته جديرة بالتوقف عندها قليلا – رغم أنه ما زال فى بداياته – لندرك أننا إزاء مكسب حقيقى للسينما المصرية.

من فيلم روائى قصير ذى خلفية سياسية مباشرة «برد يناير»، إلى فيلم وثائقى طويل عن موضوع اجتماعى شائك ومعقد «توك توك»، إلى عمل روائى طويل يفاجئنا بأنه كوميدى فى المقام الأول، النوعية التى كنت أستبعد شخصيا أن يقدمها – على الأقل فى التجربة الروائية الطويلة الأولى – لجديته الشديدة، إلا أنه باغتنى كما باغت غيري، وقدم كوميديا راقية ومختلفة تماما عن تلك المطروحة باستمرار فى السينما المصرية المعاصرة.

وفى كل فيلم، وفى كل تجربة، يفاجئنى رومانى بحجم التطور والنضج فى أسلوبه ورؤيته وطريقة سرده وطرحه لقضيته، ويكشف عن المزيد من أوراقه التى كان ربما يخفيها حتى يحين الوقت المناسب لاستخدامها.. وهكذا أتوقع أن يكون لديه المزيد والمختلف فى أعماله القادمة.

لن أكون منصفا إذا اكتفيت بوصف الفيلم بأنه كوميدي، حيث يمكن تصنيفه أيضا كعمل اجتماعى له أبعاده السياسية والإنسانية أيضا، ولذلك لا أحب التصنيف بشكل عام، وأرى أن تُصنف الأفلام وفق جودتها فقط، ولا شك أننا هنا إزاء عمل جيد ومختلف يُضاف إلى رصيد ما يمكن تسميته «السينما المصرية الجديدة» فى السنوات القليلة الماضية.

ومثل أى عمل جيد، هناك أكثر من مستوى لتلقى الفيلم، بدءا من تتبع حدوتة الأسرة الأرستقراطية المتهاوية والمتآكلة، التى يسخر منها رومانى بوضوح بعد أن راح زمانها، والتى تضعها الظروف فى مواجهة مباشرة ومقصودة مع السلطة بعد أن يثبت القضاء أحقيتها فى ملكية فيلا يشغلها أحد أقسام الشرطة، إلى مستوى إدراك لب وجوهر الفيلم الخاص بالتعايش الممكن بين الشعب والسلطة فى تلك الفيلا، التى ربما ترمز لمصر، على أن «توسّع» الحكومة قليلا – كما تقول أغنية الفيلم فى رسالة واضحة – وتفسح مكانا للشعب حتى يحصل على «شوية هوا» لكى يتنفس ويرقص أيضا.. ولم لا؟ أليس ذلك من حقه؟

وأعجبنى أن العمل لم يتوقف عند حدود فكرة التعايش بنمطيتها وطرحها التقليدى المكرر، بل تجاوزها إلى فكرة أنضج، وهى أن الشعب – فى حقيقة الأمر – هو من يحمى الحكومة ويستوعبها فى حضنه الكبير، فى حين أن حضنها هى ربما يكون قد تحول إلى سجن كبير كما تقول أغنية الفيلم الأخرى، وذلك من خلال المشاهد الأخيرة التى ينقذ فيها أفراد الأسرة «المالكة» القسم ومن فيه من ضباط وعساكر من عملية اقتحام وتدمير لتهريب أحد المجرمين المحتجزين فيه.

دعوة سمحة للتعايش فى فيلم كوميدى يتميز بأكثر من مستوى للتلقى ويثبت قدرة مخرجه على التنوع والتطور

ورغم أن هذه المشاهد – فى رأيى – هى الأضعف والأكثر مباشرة فى الفيلم كله، ورغم أنها عانت بعض التلفيق فى السرد الدرامى والتنفيذ الفني، إلا أنها كانت مهمة للغاية لتوضيح وتوصيل الفكرة الأهم والغرض الأساسى من إنتاج العمل: الشعب هو مصدر السلطات وهو من يملك ويحمى أيضا.

صاغ رومانى ونفّذ سيناريو صعبا قائما على عدد كبير من الشخصيات، وزاد من صعوبته التزامه بمكان واحد لم يخرج عنه هو فيلا القسم بمختلف أدوارها وغرفها، إلا أن الشخصيات الرئيسية كانت أكثر من اللازم فى تقديري، وكان من الممكن تقليلها أو على الأقل تحويل بعضها إلى شخصيات ثانوية للاهتمام بالشخصيات الأساسية – التى لا غنى عنها – ومنحها مزيدا من العمق والرسم الجيد.. وعلى سبيل المثال، هناك شخصية فتاة «نصبة الشاي» التى لم تحصل على حقها من الرسم والتعميق، وفى نفس الوقت جارت على حق غيرها فيهما، وكنت أفضل أن تتحول إلى شخصية ثانوية، خاصة أن العلاقة التى ربطتها بابن الأسرة الأرستقراطية مصطنعة إلى حد كبير.

ساعد المخرج/ المؤلف على ظهور الفيلم بهذا المستوى، مجموعة من الفنيين المهرة على رأسهم مدير التصوير يوسف بارود، والمونتير مينا فايق – وهو المنتج أيضا – ومهندس الصوت المجتهد جدا عبد الرحمن محمود، ومهندس الديكور حسين بكري، الذى نجح باقتدار فى تحويل فيلا عادية إلى قسم شرطة بكل وأدق تفاصيله.

وساعده أيضا مجموعة من الممثلين الموهوبين الذين يثبتون – فى العمل تلو الآخر – أنهم ليسوا مجرد «كوميديانات»، بل ممثلين قادرين على أداء مختلف الأدوار، خاصة ياسر الطوبجى – فى أصعب أدوار الفيلم وأكثرها تعقيدا – وبيومى فؤاد وطارق الإبيارى وإيمان السيد، واكتشاف الفيلم الكوميدى زكى فطين عبد الوهاب، فيما راوح كل من يسرا اللوزى ومحمد مهران ونور قدرى فى أماكنهم، فلم يضيفوا للفيلم ولا أضاف لهم هو شيئا.. أما النجمة الكبيرة المحبوبة ميرفت أمين، فقد أصبحت آثار الزمن – للأسف الشديد – أقوى منها، إلى درجة باتت تعيقها عن تقديم الأداء المطلوب.