برونو دومون: البشر هم الشيء وعكسه.. والسيناريو لا يكفى لصناعة فيلم   الدوحة : أحمد شوقي   عندما قدمه الناقد والأستاذ السينمائى الأمريكى ريتشارد بينيا قبل إلقائه لمحاضرة فى الدوحة

bruno_dumont

برونو دومون: البشر هم الشيء وعكسه.. والسيناريو لا يكفى لصناعة فيلم

 

الدوحة :

أحمد شوقي

 

عندما قدمه الناقد والأستاذ السينمائى الأمريكى ريتشارد بينيا قبل إلقائه لمحاضرة فى الدوحة ضمن النسخة الثالثة من ملتقى قُمرة للأفلام، وصفه بأنه واحد من صناع الأفلام السينمائيين المعاصرين المعدودين الذين يعملون على تطوير اللغة السينمائية؛ فهو مفكر قد كونه صانع أفلام، رغم أن أفلامه خاصة مؤخرا لا تخلو من الكوميديا والسخرية. المخرج الفرنسى برونو دمون الحاصل على ثلاث جوائز رسمية من مهرجان كان منها جائزتا لجنة التحكيم الكبرى عن “الإنسانية L’humanité” عام 1999 و”فلاندر Flandres”، وقبلهما إشادة خاصة لأحسن عمل أول عن “حياة يسوع La vie de Jésus”، أجرينا معه هذا الحوار الخاص فى الدوحة.

> تقول دائما أنك تكتب أفلامك كرواية وليس سيناريو.. هذه طريقة ليست معتادة فى أى مكان بالعالم.. لماذا تمارسها؟

-عندما تكتب تستكشف الأفعال والشخصيات والمواقف، الوسيلة الأفضل لذلك هى الكلمات، التعمق أداته هى الأدب. وظيفة الأدب والشعر هى التحليل المتعمق. السيناريو يكتفى بحكى القصة التى ستراها على الشاشة: يدخل البطل من الباب ويجلس على مقعده، هكذا فقط. ما يهمنى هو من هو هذا البطل؟ من أين عاد؟ فيم يفكر؟ جلوسه هنا هو أمر ثانوي. لهذا أكتب النسخة الأولى من أفلامى كروايات من أجل هذا الهدف، ثم أقوم بتقسيمها لمشاهد يمكن تصويرها سينمائيا.

>خضت تجربة الإخراج التليفزيونى للمرة الأولى فى المسلسل القصير “كانكان الصغير” عندما طُلب منك صناعة عمل للتليفزيون. الآن أنت تنوى إخراج حلقات جديدة من المسلسل. ما الذى وجدته فى الوسيط التليفزيونى دفعك لتكرار التجربة؟

-طبيعة الأمور أنك تنهى فيلما وتفكر فى الفيلم التالي. المسلسل التليفزيونى يتطلب كتابة من نوع آخر، ويُعرض وفقا لشروط مختلفة. الخيارات السردية بشكل عام مختلفة، لديك مساحة زمنية أكثر للدراما، ولا يقيدك المنحنى التصاعدى للحكاية الواجب فى الأفلام بل يمكنك التحرك بحرية أكثر فى حكايتك، وتفاجئ الجمهور بشكل أكبر.

> لطالما امتلكت أفلامك حسا من الكوميديا السوداء، لكن هذا الحس تزايد فى الفترة الأخيرة لتقدم كوميديا صريحة، وكأنك تعلن موقفا من العالم. كيف ترى هذا التغير؟

-أجد من الضرورى دائما التوازن بين الفن الأنيق والمرتب وبين الجروتسك (البشع/ الصادم)، بين الجميل والجليل كما يقولون. أحاول تقديم تراجيديا كوميدية يتغذى فيها كل نوع من الآخر، فنحن بحاجة للتراجيديا كى نكون مضحكين وفى حاجة لكوميديا كى نصنع تراجيديا. فى “كنكان الصغير” يبدأ العمل بالكوميديا حتى نقطة بعينها يغوص فى التراجيديا الميلودرامية. توالى المشاعر بهذه الطريقة يؤكد حقيقة أننا كى نحب علينا ألا نحب. هكذا يعمل قلبنا: كى نعرف السعادة لا بد من تذوق طعم التعاسة. نحن الشيء ونقيضه. بإمكان الإنسان أن يكون تعيسا وفكاهيا فى الوقت نفسه. وبمزجى بين الحالتين أحاول أن أعكس الطبيعة البشرية.

> كمشاهد آت من بلد عربي، ولا أدرى وقع الوصف على أذنيك، لكننى أشعر دائما حيال أفلامك أنها “فرنسية” جدا. ما تعليقك على هذا؟

-معك حق بالتأكيد، والسبب ببساطة أننى فرنسي. وجهة نظرى للحياة نظرة فرنسية وأنا أقدم السينما من زاوية رؤيتي. لو تحدثنا على سبيل المثال عن العنصرية، رؤيتى للقضية هى رؤية فرنسية تختلف عن رؤيتك لها. بل اننى عندما أسافر إلى تونس أو المغرب أو هنا فى الدوحة أجد أن العربى هنا مختلف تماما عن العربى المقيم فى فرنسا. الحضارة والترتيب وفهم الجمال داخل الدول العربية مختلف عمّن يعيشون فى فرنسا؛ لهذا استمتع بوجودى فى الدول العربية لأن هذا يمكننى من استكمال رؤية ربما لا يمكننى الإلمام بها إذا بقيت داخل بلدي. أنت محق فى أننى عندما أطرح هذه الفكرة سأعرض صورة العنصرى الفرنسى لأنى أعرف، أفهم كيف يفكر، وأفلامى عن هذا بالتحديد. فى فيلم “حياة يسوع” عرضت حياة شخصية قادرة من هذا المنظور العنصري.

> بما أنك ذكرت الوجود هنا فمن الضرورى أن أسألك عن رأيك فى مشروعات الأفلام التى قرأتها هنا فى ملتقى قُمرة؟

-عقدت اجتماعات مع مخرجى أربعة مشروعات، كل منهم فى مرحلة مختلفة من إنجاز الفيلم. سيناريو لفيلم مغربي، مخرجة تونسية أنهت تصوير فيلمها وأعدت نسخة أولى منه، وأخرى إيرانية تبدأ مراحل ما بعد التصوير، وأخيرا مخرج إيرانى فى مرحلة التصوير عرض على لقطات مما قام بتصويره. الأربعة مختلفين فى المرحلة وفى المستوى. تحدثت معهم عن الإخراج والتصوير والسيناريو وكيفية مشاهدتى كشخص من ثقافة مختلفة يشاهد الفيلم، مع كونى أيضا أمارس نفس المهنة وأتحدث لغتها. قياس هذا الانطباع والحديث حول المتاح لكل فيلم هو ما يمكننى فعله، فأنا صانع أفلام ولست أستاذا، حتى لو أطلقت عليّ إدارة المهرجان هذا الوصف.

– سؤالى الأخير عن علاقتك بالنقد السينمائي. هل تقرؤه بانتظام؟ وما مدى تأثرك به؟

-بالطبع. مشكلة النقد الحالية أن حاله من حال الصحافة. هناك عدد هائل من المقالات بلا قيمة لأنها تُكتب فقط لترضى القراء وتشبع رغبة لديهم. هناك نقاد بارعون بالطبع لكن للأسف لا يسلط الضوء عليهم لأن ما يكتبونه غير ملائم لذوق الجمهور الكبير، لذلك تجدهم فى صحف ومواقع صغيرة. على غرار مقدمى البرامج التليفزيونية: أشهرهم هم أكثرهم غباءً.

– استكمالا لما سبق.. أنت تكتب أفلامك السينمائية باستخدام وسيط أدبى هو الرواية، ما رأيك فى النقد المرئى الذى أصبح منتشرا على يوتيوب وغيره من مواقع الفيديو؟

-الحال فيها لا يختلف كثيرا عما قلته حول النقد المكتوب. الأكثر نجاحا هو الأكثر تحقيقا لرغبة الجمهور الذى ينتظر شخصا يقول له هذا الفيلم جيد وذلك الفيلم سيء. هذا لا ليس نقدا وهو غير مفيد لأى طرف. لا أحد يهتم برأيك طالما لم توضح أسبابه. أسعد عندما أجد ناقدا يقوم بتحليل الفيلم بصورة فعلية، وهؤلاء تناقص عددهم كثيرا فى وقتنا الحالى.