هل نقبل الآخر ؟ بقلم: خالد عبد العزيز   فى رواية الطوف الحجرى للروائى البرتغالى “جوزيه ساراماجو“ نستكشف رحلة الأصدقاء الأربعة الذين يرتحلون معا بعد اكتشاف أن لكل منهم قوة

365868_0

هل نقبل الآخر ؟

Image may contain: 2 people, outdoor and closeup

بقلم:

خالد عبد العزيز

 

فى رواية الطوف الحجرى للروائى البرتغالى “جوزيه ساراماجو“ نستكشف رحلة الأصدقاء الأربعة الذين يرتحلون معا بعد اكتشاف أن لكل منهم قوة ما، تجعله مُختلفا عن البشر المُحيطين، وفى هذه الرحلة يكون الترحال قدرا، يكتشفون من خلالها ذواتهم أيضا التى تحوى الكثير من اللمحات الإنسانية.

فى فيلم “على معزة وإبراهيم“ قصة إبراهيم البطوط وسيناريو وحوار أحمد عامر وإخراج شريف البنداري، نرى أيضا رحلة مماثلة، رحلة أبطالها متفردين، مختلفين عن المجتمع. ففكرة الفيلم ومضمونه تُعبر عن هذا الاختلاف، فالاختلاف هنا ليس عيبا أو نقيصة، حتى لو كان المُحيطيين يرون هذا. لا يهم أبدا كيف يراك الآخرون، ما يهم هو أن تفعل ما تراه أنت مُناسبا لك. كما أن هذا العالم ليس مكانا للأشخاص الطبيعيين فقط، يوجد متسع للجميع، المختلفين أيضا من حقهم ان ينالوا حيزهم فى هذا الوجود. لذا ظهر الفيلم وكأنه يحتفى بشيئين، أولا : فضيلة التواصل الإنساني. وثانيا : الاختلاف واللامعقول. فلا ندرى ماذا يخفى الآخرون وراء هذا التفرد الذى يدعوه الناس مجازا وافتراء.. بالجنون !

تدور أحداث الفيلم حول على معزة “على صبحي“ الذى يرتبط بقصة حب مع المعزة التى يُطلق عليها اسم “ندى“، ويواجه سخرية أمه والمحيطين به، تنشأ صداقة بينه وبين إبراهيم “ أحمد مجدى “ الذى يسمع أصواتا غامضة ولا يستطيع تفسيرها، وبناء على نصائح المُعالج الروحانى الذى تقابلا عنده، يذهبا معا فى رحلة طويلة بحثا عن الشفاء.

على وإبراهيم

يبدأ الفيلم بمشهد يجمع بين “علي“ وصديقه كاماتا “أسامة أبو العطا“ بعد شرائه للدُب «دمية» لندى، وبعد أن يتخلصا من الضابط الذى أوقفهما فى الكمين الأمني، ويُنقذا نور “ ناهد السباعى “ من براثن مجموعة من الشباب قبل اغتصابها. نرى “علي” يُجهز زجاجات المولوتوف، ثم يُلقيها على السيارة التى كانت تُقلهم. قد يبدو هذا المشهد عاديا باعتباره يصف الشخصية ويوضح ملمحا أساسيا منها وهو الشهامة، لكن مع تقدم السرد نستكشف أن هذا المشهد لا يتسق مع شخصية “علي”. يبدو “علي” طيبا مُسالما تماما، حتى وإن كان يغضب ويثور أحيانا فثورته هذا لا تكون إلا لسبب واحد وهو “ ندى “، وأيضا هذا الغضب لا نراه إلا بين أمه وأصدقائه فقط، لكنه مع الأغراب نجده ينكمش ويتقوقع ولا يملك القدرة على المواجهة، ولعل المشهد الذى يجمع بين “علي“ وإبراهيم“فى الاسكندرية، حينما ركضت المعزة بعيدا لتتلقفها أيدى الأطفال على الكورنيش، أبلغ فى التعبير عن الشخصية، فيصرخ مُستنجدا بصديقه “كاماتا“ وكأنه نسى أنه فى الاسكندرية وليس فى القاهرة، لكنه لا يفعل أكثر من ذلك، فيتطوع “إبراهيم“ ويجلبها له من الأطفال ليهدأ بعدها. كما أن أمه تشكو منه فى أحد المشاهد، انه يرفض قيادة الميكروباص الذى ورثه عن والده لخوفه من القيادة، لذا يعمل عليه تباعا ! كيف لهذه الشخصية الهشة أن تواجه وتتشاجر وتُلقى بزجاجات المولوتوف على مجموعة من البلطجية ؟ عدم الاتساق بين أفعال الشخصية وطبيعتها ساهم فى الشعور بخلل ما فى تكوينها ورسمها.

العالم بالنسبة لـ “ علي“ لا يعنى سوى “ندى“، لا يهم ما الذى يُقال عنه أو حتى رؤية الآخرين له، علاقته بالمعزة شديدة الخصوصية ونادرة للغاية، الطرح مُغاير، المُعتاد فى أى فيلم أن نرى علاقة قوية تجمع بين البطل والكلب مثلا، لكننا هنا داخل قصة تكسر السائد، المعزة تُعادل الأنثى، لذا لا يخجل “ على “ حينما يُجيب من سؤال “ إبراهيم “ حول علاقته الغريبة بتلقائية “ خطيبتى “ !، فهو لا يرى غيرها حوله، حتى لو تجمعت نساء آخريات لا يبدو متأثرا بهن، وإن تأثر بأنوثة أى منهن، فهو تأثر طفيف، فحينما يذهب “ على “ و” إبراهيم “ لسيناء، يكتشفون على الشاطئ وجود فتيات بملابس السباحة، لُيداعب “ على “ رفيقه مُشيرا لهن، وبعدها لا يتخذ أى خطوة نحو أى واحدة منهن، على عكس “ إبراهيم “. فهو لا يرغب سوى بواحدة فقط، كائن آخر لا يهم جسده، لكن ما يهمه هو الروح.

بُعد آخر فى علاقة “علي“ و“ندى“ وهو البعد الغرائبي، ففى أحد المشاهد يجلس “علي“ بجوار المعزة ورأسها بجوار أذنيه لتُخبره بشىء ما عن “إبراهيم “، ومشهد آخر حينما تهرب المعزة من “إبراهيم“ أثناء سفرهما إلى سيناء، فيتركهما سائق الميكروباص ويُكمل طريقه دونهما، لنرى فى المشهد الذى يليه الميكروباص وهو مُهشم والركاب قد تحولوا إلى جثث، لُيخبر “علي“ “إبراهيم“ بأن هذه ليست المرة الأولى التى تُحذر فيها المعزة “علي“ من الأخطار. كل هذه المشاهد أظهرت العلاقة بينهما، تلك العلاقة التى ظلت مثار سخرية الجميع حتى النهاية. فقد بدت “ندى“ وكأنها الملاك الحارس لـ “علي“ وليست شريكة أو حبيبة فقط.

بالمقابل “إبراهيم“ الذى يُعانى سماعه للأصوات الغريبة التى تؤرقه ولا يدرى مصدرها ولا يُدرك كيف يتخلص منها. رسم السيناريو هذه الشخصية وكأنها تُعانى العالم المُحيط بها، يبدو وكأنه يُفضل الوحدة والعزلة، التوارى بعيدا يُعد حلا أمثل بالنسبة له، فرغم موهبته الموسيقية الفذة يدفن نفسه فى مكان لا يستحقه ويرفض العمل مع المشاهير الذين يتمنون العمل معه. صراعه الأوحد مع تلك الأصوات التى تُشوش عليه وتنتهك حياته دون إنذار مُسبق، لتُحيلها لجحيم لا يطاق. وبتأمل مشاهد الأصوات التى تقتحم عقل إبراهيم وتأتيه فى أوقات غير مناسبة على الإطلاق، فسنجد أنها أشبه بالتطفل، فتبدو وكأنها رمز لمحاولات الآخرين اقتحام حياته التى تحوى ما يكفى من الألم والوجع.

17397607841481045588

الرحلة المقدسة

تتوازى حياة علي“ و”إبراهيم“ وقد ساهم القطع المتوازى فى بداية الفيلم فى تقديم ذلك التوازي، ثم تتقابل وتتقاطع حياتهما، فمعاناة كل منهما مع المجتمع تبدو هى الشريك الأمثل فى صداقتهما، التى تولدت من رغبة البحث عن الشفاء. لذا جاء مشهد المقابلة بين “على “ و”إبراهيم“ عند المُعالج الروحانى كنقطة محورية فى الأحداث، تطور درامى منه ينطلقلان فى رحلتهما التى يلقيان فيه بقطع الحجارة فى المسطحات المائية الثلاثة فى مصر.

بتأمل هذه الرحلة، سنجد أنها أشبه بالرحلات المقدسة، الدافع فيها هو الشفاء، لكن ما يجرى هو أنهم يكتشفون أنفسهم أيضا، ونستكشف المجهول من ماضيهم. المُفترض أن يُلقوا بالحجرات فى البحر المتوسط والبحر الأحمر ونهر النيل، وهنا يبدو التأثر بالميثولوجيا المصرية القديمة إيزيس وأوزوريس، فإذا كانت إيزيس قد طافت بحثا عن أشلاء زوجها أوزوريس، هنا أيضا يطوف “علي“ و”إبراهيم” فى مصر، لُيلقيا الحجرات ويُلملما شتات نفسيهما ويعودا كما كانا طبيعيين. ليس ذلك فحسب، فتلك الرحلة تُقربهما من بعضهما البعض، وعليها يتوهج التواصل الإنسانى بينهما وتتوطد صداقتهما، ويُقدم كل منهما للآخر حلا لمُشكلته، كما يتضح فى نهاية الفيلم.

الخلاصة

المرأة فى الفيلم على الهامش، مقارنة بالأدوار الرجالية ومقارنة بالمعزة “ ندى“، نور “ ناهد السباعي“ مساحة دورها ليست بالكبيرة، رغم علاقتها بكاماتا، وبدايتها حياة جديدة، لذا تستحق “ ندى “ البطولة بجدارة وأن يوضع اسمها على الأفيش، فمن بين مائة مشهد ظهرت المعزة فى حوالى سبعين مشهدا منهم.

موسيقى “أحمد الصاوي“ الشديدة التميز بإيقاعاتها الشرقية توافقت تماما مع بيئة الفيلم، وتحديدا مشاهد الرحلة فى سيناء ساهمت الموسيقى التصويرية فى تفاعل المشاهد مع الأجواء.

“على صبحي“ ادى الدور بتلقائية شديدة، ودون مبالغة، وقدرة بالغة على الإقناع والتماهى مع الشخصية المؤداة، لذا جاءت الشخصية على الشاشة صادقة ومُعبرة. و”أسامة أبو العطا“ فى شخصية كاماتا ادى الدور ببساطة وحيوية تستحق التحية.

“شريف البنداري“ قدم فيلما مُمتعا وبسيطا، لا يخلو من الدهشة وبعث الكثير من الأسئلة لعل أهمها.. هل يحتمل العالم الجميع؟ وهل لدينا القدرة على قبول الآخر بكل إختلافاته؟